تحكي "غريقة بحيرة موريه" قصة حب غريب، مؤثر، في موضع التقاء العالمين والثقافتين واقترابهما، حيث يغوص الراوي في خفايا الوله، وفي أسرار النفس البشرية، ويحاول الولوج إلى جوهر العالمين، والإضاءة على أزمة الإنسان المعاصر فيهما. تروي قصة الهيام الطويل، العميق، المضطرب، بين الراوي ولورا ولكن مهما يكن من أمر هذا الهيام، فهو يبدو في طبيعته موصولا بالموت. في الغياب المعذب كما في الحضور، حين يصل التواصل الجسدي والروحي إلى أقصاهما، فإلى أين بعد ذلك؟
أسلوب انطوان الدويهي جميل وهادئ ومهتم بالصور الجمالية من خلال قصة حب غير مستقرة يعيشها الراوي نتعرف على واقعه وذكرياته يمر الكاتب بفترة الحرب في لبنان وإحساس العجزعن أي فعل أثناء هذه المأساة ويتناول موضوع الهجرة والاختلاف بين الغرب والشرق ما بين حالة الفردية للانسان الغربي ومجتمع الجماعات الخاص بالشرقي ما أضاف بهجة على الأحداث هي الرؤية الجمالية والوصف الرائع للطبيعة ويظل هذا التساؤل بدون جواب "لماذا كل هذا العنف في هذه الأرض الكثيرة الجمال؟
لن أُعرّفها بكونِها سَرداً أدبياً آسراً فحسب ، بل هي روايةٌ من قبيل الأدب الكبير ، و عملٌ فكريٌّ رصينٌ في آنٍ مَعاً .
تدورُ أحداث الرواية في رَدهاتٍ عميقة و فسيحة من ذاتٍ إنسانيّة تُجسّدُها ذاتُ الراوي ، و في الأمكنة حيثُ يكون ، و الجغرافيا التي تُقِلُّه . يروي خلالها قصةَ وَلَهِهِ بـ ( لورا ) و توالي اللقاءات و الفِراقات المُضنِيَة بينهما من غير أن تَنالَ مِن علاقتِهِما أو تُسدِلَ على حُبِّهما جُفونَ النسيان .
و عَبر المَساراتِ الطويلة في الأمكنة كما في ذاته - و هو البالغ من العمر أربعينَ عاماً ما أشبهها بحَيَواتٍ عديدة - كم مَكَثَ أناسٌ و مَضىٰ عابرون ، و كم جرتْ وقائعُ ، و طافتْ رُؤىً و أحلامٌ . كذلك كان ( الغَرَقُ ) دوماً ساطعَ الحضور ، لكنّه لم يكنْ واحداً بفلسفته و مَعانيه .
إنّ نفسَ الرّاوي المرهفةَ مَهجوسةٌ بالرّأفة ، و بانسياب الزمن ، و بالموت ، و المطلق ، و نزاعات البشر ، و خراب الطبيعة و هَشاشة الأجساد . و كان فيما يَسكنُهُ بمَعزِلٍ عن المجتمع المَهجوسِ في معظمه بالإثراء المَشبوه و الإعراضِ عن القيم .
حتى هنا قد يُلحَظُ أنّنا لم نأتِ على ذِكر اسمِ الراوي و هو الشخصية الرئيسية في الرواية ، و السببُ في ذلك هو أنّه مجهولُ الاسم ... فبرغم ما نعرفُ من دَخائل نفسه و مكنوناتِها و حالاتها إلّا أنّنا نجهلُ اسمَه . . أتساءل : - ما قدرُ أهمية الأسماء ما دُمنا على قدْرٍ كبيرٍ من المعرفة بالآخر ؟ - ثُمّ سَتْرُ الاسمِ ، تُراهُ عَلامةً تَهدي إلى أنّ الراوي هو الكاتبُ نفسُه في كثير مما يُجِنُّ و يُبدي ؟ - أم أنّ الكاتبَ شاء أن يُبقي بابَ الإمكان مُوارَباً ليكون قارئٌ ما في هذا العالمِ بَطَلَ هذه المَروِيّة ؟
و لن أكتِمَ سِرّاً ، فإنّ هذه الرائعةَ الأدبيةَ جعلتني أعتقدُ بـ ( تَناسُخ ) المشاعر و الرُّؤى و الحالات الإنسانية إلى حدٍّ قَصِيّ الإدهاش .
(غريقة بحيرة موريه) هي روايةٌ عن مَلحمةِ الوَلَهِ الأبديّة ؛ الوَلَهِ الذي لم يرتوِ منه أبطالُ الملحمة في هذه الرواية فآثروا إجابةَ نداءِ الماء ، ليكونَ الشاهدَ الأوّلَ على العشقِ في مُنتهاهُ ، كما كان الشاهدَ عليه في بَدئِهِ الأول .
شكراً تليقُ بهذا التوهج الذاتي الكبير للكاتب ، و بهذه اللغة الجمالية الخَفِرة الباهرة .
أشبه بخواطر عاشق محموم من كونها رواية- لا قصة متماسكة أو حبكة ملموسة. احتوت بعض الأفكار القيّمة التي أثارت اهتمامي و ألهمتني، لكن الكاتب اختار تهميش تلك الأفكار و الاسترسال في الوصف المكرر و المضني للأحوال الوجدانية لشخصيته. رغم المحاولات للولوج في أعماق الأمور وجدت الرواية (و شخصيتها المحورية) سطحية، و في جوهرها عنتريات فارغة، بأسلوب مورّى.
وها هو مشهد مرتا وأبنتها ينضم إليه ، لن يُبارح المشهدان نفسي يوماً ، بتُ أري إلي كل شئ من خلالهما ، وباتا هما أنا ، وأنا هما .
التفَاصيل ، التفَاصيل ، التفَاصيل . هذه رواية التفَاصيل بأمتياز ، وصف الكاتب لمشاهد الرواية كان فوق الوصف ، مُبهر لدرجة غريبة ، مُبهر لدرجة أنك هتعيد قراءة المشهد أكتر من مرة ، اللغة عظمية جداً جداً .