من خلال رحلتها الشخصية في استكشاف علاقتها بمشاهد الحب في السينما، تحاول الكاتبة رصد التمثيلات السائدة لمفهوم الرغبة السائدة في السينما المصرية التجارية والعوامل المتداخلة التي تساهم في ترسيخها. من خلال استخدام أدوات بحث شبه أكاديمية وأخرى أكثر تجريبية ومغامرة لا يكتفي الكتاب باستكشاف تأثير التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على صياغة مفاهيم “نموذجية” للذكورة والأنوثة يتم ترسيخها – وبالتالي صور الرغبة الناتجة عنها – من خلال السينما التجارية السائدة، وإنما يتناول كذلك سؤال التلقي ويحاول فهم وتحليل مفهوم متعة التي تحققها المشاهدة للجمهور، أو كما جاء في الكتاب: “لماذا يثيرنا ما يثيرنا؟”
"لهذا لا تخدش مشاهد التحرش حياء الأسرة أو يشعر الأب والأم بالحرج من تواجدها بالفيلم. ولهذا تغيب عن الأفلام مشاهد تمارس فيها البطلات الجنس بالتراضي بينما يتم تصوير مشاهد اغتصابهن بأدق التفاصيل. فحياء الأسرة في أمان طالما يؤخذ الجنس رغمًا عن النساء. أما قيم المجتمع فلا خطر عليها طالما يلاحق البطل الفتاة التي تصده ولا تعبر عن حنينها لأنها لو لم تصده لما كانت شريفة، وما كان ليقع في حبها في الأساس".
واحد من أهم الكتب النسوية المصرية اللي بتتناول المنظور البطريركي للسينما وتأثيره على فانتازيا المشاهد.
وجدتُ في الكتاب جرأة كبيرة، وتحليلاً عميقاً يستحق الاهتمام، ولذلك قيّمته بخمس نجمات. توقّفتُ طويلاً أمام الكيفية التي يعيد بها الخطاب الإعلامي، والسينما المصرية تحديداً، صياغة وعينا وتطلعاتنا الحميمة. هذا التعليق يمثل فهمي الشخصي لكيفية تشكّل «الفانتازيا» لدى العرب والمصريين خصوصاً، ولماذا فشلت في مواءمتها مع واقعنا المعاش. كيف تحوّلت المشاهد السينمائية إلى أدوات تشجيعية في العقل الباطن للتحرّش والاغتصاب؟
1. انكسار الرمزية السياسية وتحولها إلى «فانتازيا» اجتماعية ما لفت نظري في طرح الأستاذة سلمى، وهو ما أؤكده في فهمي، أن السينما المصرية التي حاولت تقديم رموز سياسية معقدة قد فشلت فشلاً ذريعاً في إيصال تلك الرسائل. لقد كان المخرجون يرمزون بـ «المرأة» المغتصبة في الأفلام (خصوصاً في فترة السبعينيات) إلى مصر، وبالاغتصاب إلى «الرأسمالية» أو «العدوان الخارجي» أو ما نُسميه مجازاً «الغرب»، بانتظار البطل (السلطة)، وتحديداً «السلطة الناصرية»، لينقذها.
لكننا كمشاهدين لم نستقبل هذه الرموز السياسية، بل امتصت عقولنا الباطنة المشهد كفعل رومانسي أو «إغواء عنيف» في الكثير من أفلام الستينيات والسبعينيات (وهي الأكثر إثارة) وبعض أفلام الثمانينيات. لقد تحول العنف ضد المرأة من كونه «تحذيراً سياسياً» إلى «نموذج عاطفي» مشوه وتطبيعي، رُسخ في لاوعي أجيال كاملة على أنه قمة الرومانسية الجامحة، لا سيما في مشاهد التحرّش والاغتصاب. أتحدث هنا عن عشرات الأفلام، وربما مئات، وليس واقعة واحدة أو واقعتين.
2. لماذا يخذلنا الواقع؟ تذكّرتُ قصة حكاها الكاتب «مارك مانسون» وربطتها بسياق الكتاب، فأدركتُ أن المشكلة الحقيقية تكمن في محاولة «تسييل» الخيال وتحويله إلى واقع. القصة تحكي عن آنسة شاركت صديقاتها أحلامها «الفانتازية» بأن يأتيها شاب وسيم ويغتصبها في إحدى دورات مياه الأماكن العامة، وعندما أرادت صديقاتها مفاجأتها في عيد ميلادها بجلب شخص يحمل نفس الصفات ليقوم بنفس الفِعل، كانت ردة فعلها دخولاً في حالة فزع هيستيرية والهروب من المكان.
خيالها كان شيئاً، وواقعها كان شيئاً مختلفاً تماماً، كما أن صديقاتها تجاهلن هذا الفرق بسذاجة! الخيال عبارة عن سينما (قد تكون انعكاساً لمشاهد رأيناها) وهي خالية من التفاصيل المزعجة، أما الواقع فمليء بالارتباك والألم والخوف.
في العلاقات: إن «فانتازيا» الخضوع أو القوة التي تزرعها الأفلام تبدو مثيرة في العقل، لكنها حين تتحول إلى ممارسة حقيقية (كما في قصة الفتاة التي ذكرها مانسون) تصبح كابوساً واعتداءً حقيقياً.
في الطموح: تماماً كحلم «نجم الروك»، وهي قصة أخرى حكاها مانسون عن نفسه؛ عندما تخيل نفسه مغنياً كبيراً، ليكتشف أن الإنسان يحب الخيال لكنه لا يتحمل التعب والإرهاق والتمرّن اللذين يقودان إليه. وجد مانسون نفسه غير قادر على التدرب يومياً، رغم الصورة الرومانسية التي رسمها في خياله. وهذا بالتحديد ما يفصل بين الواقع والخيال.
كثيراً ما قابلتُ شباباً وشابات يحلمون بأن يكونوا كُتّاباً، إلا أنهم غير قادرين على الجلوس لساعات وأيام طويلة لكتابة شيء قد يصنع منهم كُتّاباً حقيقيين. نحن نحب النتائج النهائية التي يعرضها الإعلام، لكننا لا نملك القدرة على تحمل «ملل الواقع» وتفاصيله المرهقة للوصول إليها.
3. الخيال ملاذ لا مخطط تنفيذي خلصتُ من قراءتي وفهمي لهذا الكتاب إلى نتيجة جوهرية: للإنسان الحق الكامل في امتلاك أخيلة وتخيلات جامحة داخل عقله، فهي مساحته الخاصة للحرية، لكن الكارثة تقع حين نعتقد أن هذه التخيلات (التي صنعها الإعلام والسينما لنا) هي «كتالوج» صالح للتطبيق.
العقل يصمم سيناريوهات مثالية تتجاهل «قسوة التفاصيل». لذا، فإن الوعي بالفجوة بين ما نشاهده على الشاشة وبين حقيقة المشاعر الإنسانية هو الخطوة الأولى للتحرر من تلك التوقعات الكارثية التي زرعتها فينا سينما «يتمنعن وهن راغبات». لقد نجحت الكاتبة في التفرقة بين «التمنّع الدلالي» الذي صورته السينما، و«الواقع» المؤلم الذي تتعرّض له النساء.
قرأة بالطبع ممتعة وتشجع الواحد على التفكير في مواضيع كتير بشكل أعمق، ولكن عندي احساس أن البحث عن مرجعية نظرية تساعد الكاتبة في التحليل لم يكن على القدر الكافي من العمق، وأن حتى الإطار بتاع لورا ملفي التى اسندت إليه بشكل كبير لم يتم استخدامه بأكمل وجه/ مجبناش اخره يعني.