في عام 1937، يصل دنكان همفري، الإداري البريطاني الشاب الطموح، إلى السودان، أرض الأسرار والصراعات الاستعمارية. يغوص في أعماق مجتمع متنوع، حيث تتقاطع مصالح التجار والسياسيين والمجتمعات الأجنبية في أسواق أمدرمان النابضة بالحياة. من خلال عائلة «أولاد منصور» القوية، وشخصيات مثل ماتريد الغامضة، وديمتريوس اليوناني الماكر، ورافائيل اليهودي النافذ، يجد همفري نفسه وسط دوامة من المؤامرات والتحالفات السرية مع اقتراب عام 1948، تتصاعد التوترات: اضطرابات في السوق، صراعات على السلطة، وأسرار تكشف عن هشاشة الإمبراطورية البريطانية. هل سيحافظ همفري على سيطرته، أم ستبتلعه أمواج التمرد والخيانة؟ رواية «48» لمحمد المصطفى موسى، تحفة تاريخية تجمع بين الواقع والخيال، تكشف عن وجه السودان
رواية «48» عمل سردي يتجاوز التوثيق التاريخي ليبني رؤية فنية متكاملة عن بنية الصراع في المجتمع السوداني. ما يميزها بجانب موضوعها هو هندستها السردية المحكمة، وتعدد الأصوات، وقدرتها على تحويل سوق العيش إلى مسرح رمزي للصراع الاجتماعي والسياسي. الرواية تستثمر التاريخ دون أن تقع في أسر الخطابة، وتمنح شخصياتها عمقًا إنسانيًا يجعلها قابلة للقراءة خارج سياقها المحلي. هي رواية ترى فيها أثر الجاليات اليهودية و اليونانية على مسرح السودان الاستعماري بتصوير أدبي مبدع . لهذا أراها جديرة بالترشح لجوائز الرواية العربية التي تُعنى بالأعمال ذات الرؤية المركبة والبناء الفني المتماسك.
هذه رواية ملحمية ساحرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لا اتذكر أني قرأت نصا بهذه الرصانة والاسلوبية العالية. كأنما جاء كاتبها من وراء الغيوم ليهدينا هذه الرواية التي تنقل قارئها بين جنبات التاريخ بأسلوب اخاذ وماتع. خليط بين الحقيقة والاسطورة والخيال. لغة خلابة لا تنسى وحكاية وددت انها لا تنتهي. في هذا العمل الملحمي، يبرع الكاتب في تحويل السوق من مجرد حيز مكاني لتبادل السلع، إلى مسرح كوني مصغر يعج بالصراعات الكبرى. هنا، في العام 1948، تتشابك خيوط الهوية الوطنية مع أطماع الرأسمالية الوافدة وصراعات الطبقة الكادحة، تحت عين الإمبراطورية التي بدأت شمسها بالتلاشي ..