تغطية الظاهرة الإسلامية أصبحت في السنوات الأخيرة في القلب من اشتغال مراكز البحث ومخازن الأفكار في العالم. ولأن مراكز البحث تقوم اليوم بصناعة رؤية خاصة حول الإسلاميين وتسويقها في الرأي العام وعند صناع القرار. ولأن الحالة الأمريكية في دراستها للإسلاميين هي الحالة الأكثر جدلا لالتصاقها بصانع القرار الفاعل وقربها من وسائل الإعلام المؤثرة على مستوى العالم. من أجل ذلك جاء هذا الكتاب من مركز نماء، والذي يقدم فيه مؤلفه بحثا جادا حول مراكز البحث الأمريكية وتغطيتها للإسلاميين، حيث يحلل فيه المؤلف مقولات هذه المراكز حول الإسلاميين ويذكر حججها التي تدعم هذه المقولات، ثم يحاول من بعد ذلك بناء نموذج معرفي يمكن استخلاصه من ممارسة هذه المراكز البحثية، ومن خلال بناء هذا النموذج يمكننا أن نفهم على وجه الدقة كيف تفكر هذه المراكز في الإسلاميين؟ ولماذا تفكر فيهم؟ وهل ثمة فروقات جوهرية بين هذه المراكز في طبيعة النموذج المعرفي الذي من خلاله تقرأ هذه الحالة؟ ! هذا الكتاب هو الإصدار الرابع من سلسلة (دراسات في الحالة الإسلامية) والتي يصدرها المركز تباعا حول هذه الحالة، حيث أصدر في أعوام سابقة: (اختلاف الإسلاميين) و(مراجعات الإسلاميين) و( جدل الإسلاميين). والتي نقصد من خلالها إغناء هذا الجانب بدراسات معمقة في التعريف بها وبأفكارها من واقعها الحقيقي لا من صورتها المرسومة من قبل خصومها، أو الأطراف بعيدة الصلة بها.
ينبني الكتاب على منهجية محكمة من تحليل مضمون بين عامي 2002 حتى 2012 لأدبيات مؤسستين مهمتين: معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، ومعهد كارينجي للسلام الدولي، ولتقارير أنتجوها حول توصيف ظاهرة الإسلاميين في العالم العربي (مشاركتهم السياسية، موقف الأنظمة الديكتاتورية العربية من احتوائهم أو إقصائهم، موقفهم من العلمانية والديمقراطية). تنتهي هذه الأدبيات باستشراف المستقبل وتقديم توصيات وتقديرات يعتمد عليها صناع القرار السياسي والأمني في تحديد استراتيجيات التدخل. وهنا يؤكد المؤلف أن هذه الأدبيات مفيدة لمن يقرأها ليس لأنها صورة عن الاستراتيجيات الدولية والتوجهات الكبرى، بل لأنها مبنية غالباً على جهد بحثي جدير بالقراءة.
يظهر الكتاب تباينات مهمة في النظر إلى الإسلاميين، فبينما يراهم معهد واشنطن على أنهم خطر على الديمقراطية، تعامل معهد كارينجي معهم على أنهم خليط من مجموعات مختلفة، حيث انخرط بعضهم بإخلاص فكرا وسلوكا في عملية الانتقال إلى الديمقراطية. ولكن يبقى، حسب هذا المعهد، لدى الكثير من الإسلاميين مناطق رمادية في فكرهم وسلوكهم، كموقفهم من بعض قضايا المواطنة ومساواة المرأة مع الرجل.
على الرغم من إظهاره لهذه التباينات يخلص التليدي إلى أن هناك أزمة النموذج المعرفي الذي اعتمد على القياس: قياس الأنظمة السلطوية بالأنظمة الديمقراطية، قياس الأحزاب الإسلامية بالأحزاب الديمقراطية الغربية أو بالأحزاب المسيحية الديمقراطية، وأخيرا قياس العملية الديمقراطية العربية بالغربية. إلا أن هذا النموذج لا يحلل كفاية ما يسميه الكاتب "الدور المركزي للفاعل الأجنبي".
بعض الكتب العظيمة التي تستحق افراد ما ينبغي لها من وقت .. هذا واحد منهم .. في بحث غير موجز وغير مستفيض يضع لنا بلال التليدي كتاب من أروع ربما ما كتب التيار الاسلامي السياسي .. يضع لنا التليدي كتاب يقوم فيه بتشريح رؤية مستودعات الفكر الامريكية والتي هي الخطوة الاولى فى صناعة القرار السياسي الامريكي .. وبرغم أن الكتاب يسلط الرؤية على مركز واشنطن ومعهد كاريجي فقط إلا أنه لم ينقص ذلك من الرؤية العامة شيء .. في الجزء الأول من الكتاب يقوم التليدي بترجمة فحوى الأوراق البحثية المنشورة من المركزين عن الاسلاميين في موضوعية خالصة .. ستقرأ فيه أوراق لناثان وايتاي باروي وعمرو حمزاوي وغيرهم من كبار الباحثين في المركزين .. ثم يقوم بعد ذلك بشرح الرؤس والتحولات والمسارات الخاصة بفكري المركزين .. في نهاية الكتاب ستتعلم كيف يتصرف الامريكان تجاهنا ؟ وكيف أن تلك المراكز هي بمثابة اجهزةاستخباراتية مشروعة لاعطاء الامريكان مفاتيح التعامل مع الاسلاميين ! لا أعرف إن كان صناع القرار السياسي في الجماعات الاسلامية والاحزاب في مختلف الدول على اطلاع بمثل تلك الاوراق البحثية أم لا ، فتلك الاوراق في الحقيقة بمراجعة تواريخ نشرها هي بمثابة عرض وضع تنبؤي لم سيتم فعله بالاسلاميين ! إننا في أشد الحاجة ورب الكعبة لمثل تلك المراكز في جماعاتنا الوسيطة التي من المفترض أن هدفها اقامة الخلافة الاسلامية ..