" وقد آنَ الأوانُ لأهلِ غزّةَ أن يَدُقّوا جُدرانَ الخزّان"
" وبعدَ عامينِ من الإبادةِ والصمود، تتجلّى روايتُنا واضحةً جليّةً: شعبٌ لا يُمحى، ومقاومةٌ لا تُهزم، وذاكرةٌ لا تُنسى"
" وهذه روايتُنا… باقيةٌ ما بقي في هذا الشعبِ قلبٌ يَخفقُ بالحرّيّة"
وها هي مقاومتُنا الباسلةُ تُطِلّ علينا مجدّداً عبر القلم، حتّى تُرينا لماذا كان لطوفانِ الأقصى أن يكون ، فمن أهمّ الأسبابِ التي دعت إليه كما تضعها حماس هي : وضوحُ الخسارةِ الفعليّةِ لاتفاقيّةِ أوسلو، وصعودُ حكومةٍ متطرّفةٍ إلى السّلطة في إسرائيل، واستمرارُ حصارِ غزّة، وعجزُ المجتمعِ الدوليّ ومؤسّساته، بعد خمسةٍ وسبعين عاماً، وحتّى نهايةِ أيلول 2023، ومع صدورِ 1180 قراراً عن الجمعيّةِ العامّةِ ومجلسِ الأمن، عن ردِّ حقوقِ الفلسطينيّين. و استمرار الثوراتُ منذ عام 1920 ضدّ الانتدابِ البريطانيّ، الذي بدأ بفكرةِ التقسيم، مروراً بشهر أيار 1939 حين انتُزع التزامٌ رسميٌّ من بريطانيا بإلغاءِ وعدِ بلفور، وصولاً إلى عام 1947 حين صوّتت الأممُ المتّحدةُ على تقسيمِ فلسطين إلى أرضٍ عربيّةٍ وأخرى يهوديّةٍ دون الرجوع إلى سكّانها، الذين مثّلوا 94% من العرب، لتبدأَ رحلةُ القتلِ والتهويدِ والتهجير، وتنطلقَ معها مسيرةُ الانتفاضات. و قد كانت عمليّةُ طوفانِ الأقصى مرحلةً تاريخيّةً فاصلة؛ إذ قوبل يومُ العبورِ المجيدِ بالتفافٍ شعبيٍّ واسع، بالرغم من محاولاتِ إسرائيل جعلَ الشعبِ يُلقي باللّوم على حركةِ حماس نفسها. أمّا فكرةُ قتلِ المدنيّين وغيرها من الأفكار التي حاولت إسرائيل بثَّها للشعوبِ الغربيّة وبعضِ الشعوبِ الشرقيّة، فهي افتراءٌ محض، أثبتت الأيّامُ كذبَه وزيفَه. فالذي شجّع على قتلِ المدنيّين هي إسرائيلُ نفسها، باتّباعها (قانونَ هنيبعل)، الذي يقتضي أن يكونَ موتُ الإسرائيليّ أهونَ من أَسره لدى القسّام وبقيّةِ الفصائل. وهذا كلّه، إن سلّمنا جدلاً أنّ الصهيونيّةَ قائمةٌ على نظامٍ طبيعيٍّ يميّز بين عسكرٍ ومدنيّين، فإنّ إسرائيل منذ وجودها قائمةٌ على عصاباتٍ عسكريّة، وما تجنيدُ النساء والخدمةُ العسكريّةُ الإلزاميّةُ إلّا دليلٌ على ذلك. ولا يمكنُ لأحدٍ أن يُنكر فظاعةَ المشهد، ولا حجمَ الدمارِ الذي خلّفته ماكينةُ الدمِ الإسرائيليّةُ في الشعبِ الفلسطينيّ؛ فقد ارتقى ما يتجاوزُ سبعينَ ألفَ شهيد، وأُصيب ما يفوقُ مئةً وسبعينَ ألفاً، من غيرِ المفقودين. كما تمّ تدميرُ معظمِ البنيةِ التحتيّةِ لغزّة، التي اتّسمت بجمالِ مبانيها وشوارعها قبيلَ العدوانِ الأخير. وعانى من بقي على قيدِ الحياةِ من حصارٍ خانق؛ إذ مارس الاحتلالُ الصهيونيُّ سياسةَ التجويعِ والتشريد، وشُحَّ المياهِ والدواءِ، وكانت مصائدُ الموت التي زرعها الوحشان الأمريكيّ والصهيونيّ، بحجّةِ تقديمِ المساعدة، فيما عُرف بـ(مؤسّسة غزّة الإنسانيّة)، سلاحاً آخر فتك بالشعبِ الفلسطينيّ، أمام أنظارِ العالمِ الصامت. بل وصل الأمرُ إلى قتلِ أصواتِ الحقيقة من صحافيّي غزّة، حتّى بلغ عددُ من قُتل منهم أكثرَ ممّن قُتلوا في ستّ حروبٍ مجتمعةً في التاريخِ الحديث. أمّا جثامينُ الأسرى التي عادت عقبَ الإفراجِ عنها في صفقاتِ التبادل، فقد أثبتت أنّ طوفانَ الأقصى لم يكن من فراغ، بل كان حاجةً فعليّةً تُخرسُ ألسنةَ الحاقدين وأبواقَ الصهيونيّة. وبالرغم من هذا الدمار، تمسّك الشعبُ بأرضه، وما العودةُ إلى الديار عقبَ وقفِ إطلاقِ النارِ الأوّل أو الثاني إلّا خيرُ دليلٍ على ذلك. أمّا محاولةُ عزلِ حركةِ حماس فهي رغبةٌ مستحيلةٌ غيرُ قابلةٍ للتنفيذ؛ ليس لأنّ المقاومةَ هي الخيارُ الأمثل، ولا لأنّ حماس فازت بالانتخاباتِ التشريعيّةِ الوحيدة التي ضمّت كلَّ أطيافِ الشعبِ الفلسطينيّ عام 2006، ولا لأنّ حماس تحثّ على تبييضِ السجونِ الإسرائيليّةِ من المعتقلين الفلسطينيّين، بل لأنّ كلَّ يومٍ يمضي بإسرائيل هو بمثابةِ سلاحٍ موجَّهٍ ضدّها في المستقبل؛ إذ ببطشِها وجبروتها تدفع بكلّ فلسطينيٍّ إلى أن يتّخذَ من حماسَ المقاومةَ نهجاً له. وكان من أبرزِ إنجازاتِ طوفانِ الأقصى أنّه برهنَ صمودَ الشعبِ الفلسطينيّ، وأعاد القضيّةَ الفلسطينيّةَ إلى صدارةِ القضايا في المحافلِ العربيّةِ والإسلاميّةِ والعالميّة. كما وحّد كثيراً من البلدانِ العربيّةِ والإسلاميّة، وقلّل من حدّةِ التفرقةِ الطائفيّة التي كان العدوُّ يطمح إلى المزايدةِ عليها. إضافةً إلى إسقاطِه لعدّةِ أكاذيبَ كاد العالمُ أن يتعامل معها على أنّها مسلّمات، مثل: (الإسلام الإرهابيّ)، و(الجيش الأكثر أخلاقيّةً في العالم)، وصورةِ (الضحيّة)، ومهزلةِ (الدفاع عن النفس)، و(الدولة التي لا تُقهر)، و(الحلّ عبر التطبيع). وللطوفانِ إنجازاتٌ أخرى، منها: تعظيمُ دورِ المقاطعة، وتعزيزُ الصناعاتِ الوطنيّة، والمقاطعةُ الثقافيّةُ والسياسيّة، ومعرفةُ معنى الحدودِ الجغرافيّةِ والمواقعِ الاستراتيجيّة، التي كان لليمنِ السعيدِ في إسنادِها الباسل السبقُ في تعليمِنا إيّاها. كما أسهم الطوفان في تعميقِ العزلةِ التي لاقاها كلُّ من ينتمي لهذا الكيانِ المهزوم، من خلال إحياءِ الوعيِ الجمعيّ عالميّاً، لا سيّما لدى فئةِ الشباب، فضلاً عن الملاحقاتِ الدوليّةِ لمسؤولي الكيان وجنوده المشاركين في الحربِ الهمجيّةِ على غزّة، والاعترافِ الدوليّ من قِبلِ عددٍ من دولِ العالم بفلسطين دولةً. أمّا ميدانيّاً، فقد تمثّل الإنجازُ في تحقيرِ العدوّ، وإظهارِ حجمه الحقيقيّ وتقزّمه أمام المقاومةِ الشريفة، والإفراجِ عن مئاتِ الأسرى الفلسطينيّين، بمن فيهم المحكومون بالمؤبّدات. ولعلّ من أهمّ إنجازاتِ طوفانِ الأقصى الشخصيّةِ لي، أنّه أعاد توجيهَ البوصلة نحو القادةِ والأبطالِ الذين استحقّوا أن يكونوا قدوةً تُحتذى بها الأجيال، بدلاً من القدواتِ المُسيسة إعلاميّاً . كما إنه ساهم في ترغيب المسلم بالشهادة، التي جسّدها قادتُنا الميامين( رضوانُ اللهِ على أرواحِهم الطاهرة) وأنه لجهاد نصرٌ أو استشهاد...