ومن منطلق فكرة أن بيع الأسطورة أو الحكاية هو أصل اقتناء وامتلاك القطع النادرة، الحكاية التي تمرّر بيع التحف بأعلى الأثمان بحجة أنك تمتلك قطعة من التاريخ وربما ذكريات أشخاص أردنا تخليدهم من خلال عملة أو أنتيكة نادرة، فهناك عملات قديمة ولكنها عملة باردة ذات قصة لم يقتنع بها معشوقو الأنتيكات فتظل راكدة.
تلك هي فكرة الرواية، ومن ضمن أحد العملات النادرة "عملة الليبرتي 1913" ذات الأسطورة الكاذبة الحقيقية، أسطورة ابتُكرت بحرفية ساردها لا صانعها، الحِرفة في الحكي لا الصُنع، لامعت الحكاية في عيون شغوفة بالحكايات وامتلاك التاريخ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في رواية بطلها الأساسي السرد واللغة السلسة، يبدأ حكايته بلمحة تاريخية عن تاريخ عملة ليبرتي 1913، ثم ينتقل بنا إلى الزمن الحاضر، لم يحدد العام ولكنك تدركه من وصفه، وبين هذا وذاك تبدأ رحلة مغامرة "سام" في تكوين فريقه لبيع حكاية جديدة.
ـ في بداية الأحداث مشوقة ونبذة تاريخية جميلة، كنت أظن أننا على ذلك الخط التاريخي خصوصًا عندما ذكر الكاتب في لمحة عابرة انتقال عملة ليبرتي للملك فاروق وبيعها بعد الثورة 1954، إلا أنها بداية الشفرة لبدء قصة مختلفة ومختلقة لبيع العملة السادسة من مقتنيات فاروق، عملة ليبرتي 1913.
ملاحظات: ـ
بدأ سام في تكوين فريقه الاحتيالي لتمرير خطته، وما أثار دهشتي هو إسهاب الكاتب لكل شخصية أراد تجنيدها منذ نعومة أظافرها وحتى مقابلة سام، مع تهميش متعمد لانتفاء الدوافع لدى الفريق الاحتيالي وبناء عالم الجريمة.
ـ حتى السبب والدافع الذي قام عليه "سام" الخبير السيبراني للتخطيط لجريمته الاحتيالية هو سبب واهٍ غير منطقي، لمجرد تحدي رجل أمن سيبراني صاحب شركات، محب لجمع العملات، دخل في تحدٍّ وذكاء بعدما رفض تعيينه في إحدى شركاته، فكيف رجل بحجم "سام" في المجال السيبراني وبنية السيرفرات وهو على غير دراية نهائيًا بعالم الاحتيال والنصب وجمع العملات، تتحول فكرته في الانتقام من مديره باستخدام طرق تنافي شخصيته ومجاله، وكان من الأوقع الانتقام منه في نفس ذات المجال.
ـ شخصية "معاذ" المبرمج السيبراني، أحد أفراد التكوين، رفيع المستوى وشديد الذكاء، لم يُذكر العمر، ولكن من خلال وصفه فهو في عمر الثلاثينات، ليقوم بتجنيد شخصية لتقوم بدورها "طنط كاميليا" العجوز التي تتصف بالأرستقراطية، والذي يعرفها منذ زمن بعيد وهو صغير في لحظات عابرة من الزيارات الأسرية كما ذكر، لم يحدد الكاتب سنها، ليقع الكاتب في نقطة السن غير المنطقية، وأن الزمن لا يشيّخ الأشخاص، بل ما زال بريقها موجودًا، لا يصيبها خرف السنين ووهن الأيام والوحدة، رغم ذكر حضورها أواخر عصر فاروق والتحاقها بمدرسة "الميرد ديوي"، فما زالت على قيد الحياة بكامل صحتها وقواها العقلية، نهيك عن سرعة الوصول إليها رغم انقطاع الوصل بينها وبين معاذ منذ زمن، وأنها سيدة كلاسيكية لا تمتلك هواتف ولا تعرف أساليب التواصل الحديثة، ورغم ذلك كان يمتلك رقم هاتفها منذ زمن بعيد، وبضغطة زر تم التواصل دون أدنى مشكلة بكل سهولة ويسر، ووافقت على الزيارة ثم خوض المغامرة لأداء دورها.
ـ انتفاء دوافع الجريمة لدى المتآمرين، وذكر الكاتب على لسان "سام" البطل في ص183:
"لم أقدم عرضًا واضحًا لهم، أنا لا أؤمن بالعروض"
وفي نفس ذات الصفحة ذكر ليؤكد:
"لم أقدم إغراءً لهم"
فكيف وعلاقته بفريق التجنيد ليست صداقة ومعاشرة أو حتى تربطهم مواقف سالفة الذكر، فجاء تجنيد الفريق بصدف ودوافع نفسية غير منطقية تقودهم للمغامرة تهدم حياتهم، خاصة أن كل شخصية أسهب في حياتها، تترابط حياتهم بالوحدة والعزلة والخوف من المجتمع، فهل ذلك كفيل لخوض المغامرة؟
ـ الخط التاريخي كان منصبًا على تاريخ العملات الأجنبية الليبرتي وسرد قصة إديث مزوّرة العملة الأصل، أما الحياة الملكية لفاروق فجاءت عابرة مقالية مفخومة بوجهة نظر الكاتب صريحة معلنة.
ـ بعض الأوقات تداخل الصوت السردي "لسام" كاسرًا الحاجز بين القارئ والقصة، وكان أقرب لصوت الكاتب وليس الشخصية نفسها، يحكي تفصيلًا عن دور الحبكة والشخصيات والرواية وفكرة العمل، فكان أشبه بالتلقين المسرحي وفويس أوفر بصوت الكاتب لا الشخصيات.
ـ في النهاية استمتعت بعمل أنيق وحرفية سردية شديدة وأسلوب بارع ومميز، بل مدرسة فنية في السرد والإمتاع وروعة التشبيهات.
رواية أرشحها بشدة.
وعذرًا على سرد الملاحظات سالفة الذكر، ربما عيني رأت بعين كاتب لا بعين قارئ، ولا يقلل من قيمة العمل ومجهود الكاتب المبذول والبحث التاريخي عن العملات وطرق التزوير.
#نكلة_فاروق