نبذة النيل والفرات: إن الدراسة النقدية العميقة للتصورات المختلفة التي رسمها الغرب المسيحي في تفكيره حول الشرق، والشرق الإسلامي خاصة، تجد جذورها دائماً، وبشكل مثير، في إرث فلسفي ولاهوتي عتيق وقاتم، قائم في الجوهر على إفتراضات ذاتية مؤسسة عن سبق إصرار بدورها على بعض المعلومات الإنتقائية دائماً والشوهاء غالباً، وخلاصة ذلك الإرث، إن الغرب كعالم متحيز ومركزية ذاتية، لم ينظر ولم يفكر بالشرق إلا بإعتباره "الآخر" أي "الغير" بل "الضد"، وبالتالي نسب إليه كل مثالبه هو ذاته، معتبراً نفسه كــ"ضدّ" هو أيضاً لذلك "الآخر"، ما أفضى إلى الإستنتاج بأن المركزية الذاتية الغربية تصورت الشرق وخاصة الشرق الإسلامي بإعتباره "الغرب مقلوباً"، وفي كل مميزاته وخصائصه ونواقصه كما لاحظ ذلك من قبل المفكر الفرنسي جان بول شار ناي.
هذه الفكرة التي تخيلت الشرق الإسلامي والغرب المسيحي في موقعي عالمين متواجهين قدرياً في كل شيء تقريباً، ذهبت إلى أبعد من ذلك، أي إلى حدّ جعل التواجه بينهما منسحباً في الزمن ليغدو قبلياً من جهة؛ أي موازياً لكل تاريخ العالم القديم، أي كل التاريخ البشري، بالرغم من واقع إرتباط وجوده بلحظة ظهور الإسلام، كما تخيلته من جهة أخرى شاملاً لكل الحضارات والدول بالرغم من أن الأمر منحصر بحضارات الأبيض المتوسط ودوله وحدها كما يفترض.
وإلى هذا فالشعور بالعجز عن مواجهة الإسلام هو الذي ساد مضمون صورة الشرق الإسلامي لدى الغرب المسيحي طوال الفترة بين آخر الحملات العسكرية الصليبية على الشرق الإسلامي في نهاية القرن الثالث عشر وبين عصر التنوير المبتدئ مع فشل آخر الحملات العثمانية على أوروبا الغربية في الربع الأخير من القرن السابع عشر والمنتهي بإنطلاق الحملات الإستعمارية الحديثة التي وظفت بدورها الكثير من قيم وأساليب وأسلحة الحملات الصليبية وأخلاقياتها.
هذا ومع بزوغ عصر التنوير في أوروبا والذي يتفق مؤرخو الفلسفة الغربية تاريخ إنبثاقه في حدود القرن الثامن عشر الميلادي، وبشكل أدق في المسافة الزمنية الممتدة ما بين 1970م وقيام الثورة الفرنسية في 1789، التي يصطلحون على إعتبارها "بنت" فلسفة عصر التنوير.
وتمثل "فلسفة التنوير" جوهرياً بتيار فكري جديد، ومتمرد، تملكته كليّاً نزعة عقلية ونقدية كونية إنسانية... وبذلك شهد الفكر الغربي تطوراً تجاه الثقافات الإنسانية... وبدأ المفكر الأوروبي، الفرنسي والألماني خاصته، يشعر بالتحرر من الموروث اللاهوتي - السياسي - المعرفي المتعلق بالحضارات الأخرى ولا سيما الشرقية.
كما غدت الإستعانة بالشرق وعطاءاته الحضارية المختلفة، وسيلة مثلى لدى مفكري التنوير لدحض المفهوم الأكليروسي الذي كان يبدد مطلق الصدق والقائل بأن المسيحية هي الدين الحقيقي الوحيد؛ ومن جهة أخرى، كانت فكرة المساواة المطلقة بين البشر من الأفكار الأساسية التي قامت عليها وبشرت بها "فلسفة التنوير" داعمة إيا بما سمي بــ"الدين الطبيعي".
هذه بكلمة الأسس والظروف التي استندت إليها "فلسفة التنوير" في معركتها للإطاحة بواحدة من أهم المسلمات المقدسة في الفكر المسيحي التقليدي، أي موقفه من الديانات الأخرى، لكن الإسلام خاصة كان وبإمتياز الدين الأجنبي، الذي تمحورت حوله تلك المعركة أكثر من غيره لسببين رئيسيين هما قوة الأواصر الروحية والثقافية بين العالمين الغربي المسيحي والشرقي الإسلامي بالرغم من حدة التصادم بينهما من جهة، والحضور الفعلي، المتواصل والحيوي، للإسلام في الحياة الأوروبية بيد أن هناك سبباً آخر لعب دوراً مهما في دفع مفكري التنوير إلى إختيار الإسلام أداة في صراعهم ضد طبقة الأكليروس، وهو متانة وعراقة التراث الفكري - اللاهوتي الذي دأبت الأخيرة على ترويجه ضد الإسلام.
من هنا، تأتي هذه المحاضرات سعى من خلالها للوقوف على حجم وأبعاد جهد التنوير لتدمير ذلك التراث، فكان لا بد له من البدء من إعطاء فكرة عامة عن عناصره الجوهرية والمحطات الكبرى في صيرورته، وهو ما تم تكريس الفصل الأول له، مع التركيز على مضامينه النظرية وحدها في ثنايا هذه المحاضرات التي جمعها في هذا الكتاب لتقديم فهم فكري نقدي جديد، وأحياناً لأول مرة بالعربية، لمنجز عدد من أهم فلاسفة التنوير الأوروبيين في هذا الشأن، وفي إطار تطوره التاريخي وإعتماداً مباشراً على نصوصهم الأصلية، ومن دون السعي إلى محاكمة ذلك المنجز، أو محاكمة منظورات الفكر الغربي أو الإستشراق والمستشرقين حول الشرق والإسلام.
كاتب وباحث عراقي في الفكر والفلسفة ، من مواليد مدينة الهندية في العراق في العام 1947 م ، حاصل على بكالوريوس في الفلسفة من كلية الاداب جامعة بغداد، العراق ، دكتوراه في الفلسفة بدرجة شرف (باشراف البروفيسور جاك دونت) من جامعة بواتيه (1987)– فرنسا، متخصص في الفلسفة الهيغيلية .
"هيغل والاسلام" (بالفرنسية)، جامعة بواتيه – 1987. فرنسا. 320 صفحة. وهذا الكتاب هو اول دراسة اكاديمية موثقة حول المنظور الهيغلي عن الاسلام وكذلك عن الاصول الاسلامية لبعض الافكار الهيغلية الاساسية.
2- "التاريخ والدولة ما بين ابن خلدون وهيغل" (دار الساقي - بيروت 1996)، لبنان. 128 صفحة.
3- "على ضفاف الفلسفة" الجزء الاول - (بيت الحكمة – بغداد – 2005) العراق. 168 صفحة.
4- "هيغل والهيغلية" (تأليف جاك دونت) ترجمة عن الفرنسية (الكنوز الادبية 2004) بيروت – لبنان. 130 صفحة.
5- "ولادة الكون لدى فرقة العليّلاّهيّة" (تأليف محمد مكري) ترجمة عن الفرنسية، (أصوات- 1994) لندن، المملكة المتحدة.
6- "أخاديد" – مجموعة شعرية (مؤسسة عراق للابداع – بغداد – 2007) العراق. 110 صفحات.
7- استبداد شرقي أم استبداد في الشرق؟، دار المدى ، 2016
كتاب رائع وموضوعي يناقش موقف الفلاسفة التنويريين بخصوص رأيهم بالإسلام بعضهم كان منصفًا والبعض الآخر متحيز جدا للمسيحية ويرى الإسلام دين السيف والتعصب بعضهم يرى رسولنا الكريم مجرد قائد محنك والبعض الآخر يراه ديكتاتوري سيء الطباع والآخر يراه منقذ البشرية مونتسكيو ، روسو، فولتير، هيغل، جيبون، هيردر، وغوته رائع حقا ويمنحك خلفية جيدة عن هؤلاء الفلاسفة بأسلوب جيد وجاذب وبعيد عن صداع الكتب الفلسفية عامة .
يرى عدد من كبار مفكري الغرب ك "هنري بيرين" أن الإسلام بتدميره للدولة الرومانية لعب دوراً حاسما في تقهقر الكنيسة وتدمير عالمها المزدهر السابق ومن ثم زجها في متاهات القرون الوسطى ، ومن هنا ظهرت مقولة ( لولا محمد لما ولد شارلمان) ، أحدث ذلك الزلزال التاريخي قطيعة بين الشرق والغرب وانفصل العالم القديم إلى إسلامي ومسيحي ، ودفع ذلك الكنيسة الرومانية إلى الاندماج مع القبائل الجرمانية التي كانت وثنية لتتماهى معها في عالم غربي خاص سلك مسلكا حضاريا مختلفا عن تطور الحضارة المسيحية السابقة وانزوت في زاوية من الأرض -كما يقول هيغل- وهي مقطوعة من جذور تاريخها في الأراضي المقدسة.
وعندما ظهرت الحركة التصحيحية في المسيحية والمتمثلة في البروتستانتية قام أحد أساتذة اللاهوت عام ١٦٠٠ بتأليف كتاب من ١١٠٦ صفحة لإثبات انتساب هذا المذهب إلى الديانة "المحمدية" ، وهذه الصورة تذكرنا اليوم بما يفعله بعض المسلمين حين ينسبون كل مذهب كرهوه إلى اليهودية كالفرويدية والداروينية والماركسية ، ولعل ما فعله استاذ اللاهوت هو ما دفع البروتستانتية لطباعة أول ترجمة للقرآن في الغرب في سياق حملة واسعة لدحض الإسلام ، مع ظهور شعور بالعجز عن مواجهة الشرق الإسلامي عسكريا و حضاريا حتى دخول الدولة العثمانية في طور الرجل المريض واكتساح عصر التنوير للفكر الإنساني الأوروبي ومن ثم الفكر العالمي.
من خلال نصوص المفكرين المذكورة في الكتاب نستطيع أن نستنج أن أغلب مفكري عصر التنوير لم يعرف الحضارة الإسلامية إلا من خلال كتب الرهبان أو من خلال بعض الرحالة أو من خلال كتاب ألف ليلة وليلة ، وتتراوح نتيجة هذه المعرفة بين تعصب جامد كالذي انعكس على كتابات مونتسكيو في "روح القوانين" والذي يعج بالعنصرية ضد الأفريقيين ، وبين تعصب مخفف كالذي تراه في مسرحية فولتير "محمد أو التعصب" والذي أسقط فيه فولتير جميع مآخذه وملاحظاته على الكنيسة والمسيحية من خلال شخصية النبي محمد ص حتى يسلم من الملاحقة الكنسية ، ثم تحولت -لاحقا- نظرة فولتير إلى الإسلام نظرة إجلال واحترام.
وهناك هيغل الذي رأى في شخصية المسلم ازدواجية متناقضة فهو نبيل لا نظير لنبله ينتج الفضائل الدالة على عظمته الروحية وعلى شجاعته وكرمه وحكمته، وهو في نفس الوقت مدمر لا مثيل له في حب التدمير ولا يتردد أن يكون فظا قادرا على كافة البشاعات والفضائع ، وكان هيغل يحترم المتصوفة المسلمين ويمقت الفتوحات الإسلامية والإمبراطورية العثمانية ، بل ذهب بسبب ثقافته التقليدية المسيحية إلى كون الدين الإسلامي دين متعصب في جوهره، فالتعصب لله يجعل المسلم مندفعا بكل طاقاته وبكامل التجرد من الماديات أو الأهداف الذاتية إلى تعميم اعتناق الإسلام وإخضاع كل ما هو خارجه له.
وهناك مفكرين ك جان جاك روسو نقدوا المواقف التقليدية لهؤلاء المفكرين ودافعوا عن دوافع تصرفات الدولة الإسلامية، وفي نقد روسو لقصة حرق عمر لمكتبة الإسكندرية والتي تروج لها الكنيسة ولم يستطع أحد التأكد من صحتها في ذلك الوقت، قال روسو أن البابا "غريغوار" لو كان مكان عمر وكان الإنجيل مكان القرآن لعُدّ حرق المكتبة من أروع أعمال البابا ، وهناك مفكرين ك "غوته" رأوا في الإسلام تمثيلاً لأفكارهم بل أعلنوا استسلامهم لله محاكاة للإسلام ، وهناك من أعلن إسلامه وتمسكه بالقرآن والسنة لكي يستملك مشاعر المسلمين وأراضيهم ك "نابليون" ثم ارتد بعد انسحابه من مصر.
كتاب ممتع باسلوب سهل وميسر في موضوع فلسفي شيق واذا كان ما ذكره علماء الاسلام من العذر بالجهل فان هؤلاء الفلاسفة جاءوا في وقت مبكر مع كمية تشويه هائلة من الكنيسة فلهم بعض العذر في نظرتهم للاسلام
لم يلبي الكتاب سقف تطلعاتي ولم يعالج أي قضايا ذهنية فقد كان بعيد عن التحليل لديه بعض الافكار المترجمة التي لم تترجم من قبل، لكن لا ادري من سمى هذا كتاب فلسفة بل كان كتاب تدليل على وجهة نظر كاتبها يريد ان يخبرنا ان فلاسفة عصر التنوير كان لديهم الكثير من التشوه في النظرة ابان عصر التنوير اساسا .. اسامة
«فلاسفة التنوير والإسلام» لحسين هنداوي: قراءة في الجذور والرؤى ||نوفمبر 21, 2014 / القدس العربي إبراهيم درويش
تبقى مسألة العلاقة بين عالم الإسلام والمسيحية قضية مطروحة على النقاش ليس من ناحية الأصول الثيولوجية والنصية ولا من ناحية التاريخ الدموي الذي طبع العلاقة بين العالمين، كما لا ترتبط حصرا بالتجربة العثمانية – التركية في قلب أوروبا، ولكنها أيضا في الجوار الطبيعي. فقد ظلت المسيحية تحمل في عصورها الوسيطة صورا عن الإسلام تعيدها وتكررها كل مرة، صورا تحط من قدر الإسلام ونبيه وكتابه وترى فيه نتاجا لشرق مستبد بدائي صحراوي النزعة لا علاقة له بالحضارة. ولا ريب ان النظرة للإسلام في
هذه المنطقة التاريخية المظلمة من تاريخ أوروبا ظلت رهنا برؤية الكهنوت الديني والأكليروس الذي سيطر على كل مفاصل الحياة الاجتماعية في أوروبا القرون الوسيطة. فالمنافسة بين الإسلام والمسيحية ظلت كما هي الآن حربا عن الصور والقوالب الجاهزة التي غرست في الذهنية الغربية وتستحضر هذه اليوم بعد ان أصبح المسلمون جزءا من المجتمعات الغربية مهاجرين ومواطنين على حد سواء. وتلعب الصحافة الشعبية والأوساط اليمينية دورا في تدوير الصور والنمطيات عن الإسلام. ولكن التنوير الأوروبي في تعامله مع الإسلام كان له موقف مختلف. فهو إنْ ظل في معظمه مغروسا في الصورة الدينية التي تحط من قدر المسلمين والمركزية الأوروبية إلا أنه في تحرره العقلي من أسر الكنيسة وإحلاله العقل محل الوحي، ونزعته الكونية والإنسانية وإيمانه بحرية الإنسان وسيطرته على مصيره حاول البحث بطريقته عن الإسلام والخروج من أسر النمطية الشرانية التي وضعت الكنيسة الإسلام في إطارها. وهنا كما يناقش الباحث في الفلسفة الدكتور حسين هنداوي في كتابه «فلاسفة التنوير والإسلام» لم يكن مفكرو التنوير من مونتسيكيو وفولتير وروسو إلى غوتة وهيغل منقطعين عن الإسلام ولا يعرفونه بل كان الإسلام حاضرا في حياتهم وموجودا فعلا، ممثلا في تركيا في قلب جنوب أوروبا وكانت دوله تعيش ضمن إطار الثقافة المتوسطية مهيمنة عليه وصانعة لحضارته لفترة من الزمن. ويرى هنداوي ان المنظومة الفكرية المتوفرة عن الإسلام والمشوهة ظلت تلعب دورا في تشكيل رؤية فلاسفة ومفكري التنوير عن الإسلام رغم محاولتهم التعرف عليه، وما منعهم إلا قلة منهم إلا غياب المصادر الثرية عن الإسلام، فما توفر بين أيديهم كان ترجمات قام بها قساوسة ورجال دين للقرآن وبعض الكتب التاريخية. وعليه عندما حاولوا التصدي للإسلام لم يجدوا بحوزتهم سوى ثقافتهم البسيطة عن الإسلام والكتب المشوهة التي أعدت لا لتشجيع النقد العلمي والتحاور الديني بل ولمحاولة هدم الإسلام من أساسه. ومن هنا وعندما حاول فيلسوف التنوير التعرف على الإسلام كان رهن هذه الثقافة لكن هذا لا يعني عدم مساءلته هذه الثقافة المشوهة. وكما يظهر تحليل هنداوي لم تكن ثقافة التنوير منفصلة عن ثقافة الإسلام فهي في نزعتها للتحرر من القيود الدينية استندت على كتابات الفلاسفة المسلمين مثل ابن رشد الذي عاش في الذهنية الغربية لقرون مؤثرا ومحلا للنقد، ولم يتوان الثيولوجي توما الأكويني عن التأثر ونقل ما كتبه الفيلسوف الأندلسي، فقد كان هناك اعتراف لدى فلاسفة التنوير بأهمية الحضارة الإسلامية في تشكيل وعيهم، سواء ذلك القادم من الأندلس – اسبانيا اليوم، أو ما حمله العلماء الهاربون من القسطنطينية بعد فتح العثمانيين لها من كتب وترجمات عربية لفلاسفة الإغريق. وهناك ملمح آخر يؤكده الكاتب في تحليله لمواقف التنويريين الأوروبيين من الإسلام وهو متعلق بالضرورة بالنزعة الثورية لتي يتميز بها هؤلاء المفكرون، فمعظمهم نزع في كتاباته عن رؤية بروتستانتية عانت من ظلم الكاثوليك، وهذه النزعة تميزت بالرفض للكنيسة وممثلها الحبر الأعظم. فالكاتب التنويري المتحرر من أسر الفكر الكنسي لم يعد يهمه ما كان يلقن له في المدرسة من ان صعود الإسلام ووصوله إلى قلب أوروبا ما هو إلا عقاب رباني للمسيحيين لابتعادهم عن الدين. فالبعد الإلهي أو الوحي لم يعد على هذه الدرجة من الأهمية لدى مفكري عصر التنوير. والأهم من ذلك فالنظرة المشوهة للإسلام أتاحت لمفكر التنوير الاختفاء وراءها ليقوم بنقد المسيحية كما في حالة فولتير الذي حاول في مسرحيته «محمد أو التعصب» اتخاذ الإسلام مشجبا يعلق عليه كل غضبه على المسيحية. رغم النظرة العامة من الإسلام والمسلمين – «المحمديين» أو «إسلام الترك» إلا ان مفكري التنوير لم يكونوا سواء في تعاملهم مع الإسلام، فهم وإنْ اعترفوا بقدرته ودوره في تشكيل الحضارة الكونية، بل وذهب بعضهم لتفضيله على المسيحية من ناحية قوته الروحية والعقائدية وبنائه الاجتماعي وشخصية نبيه «النبيلة» إلا انهم رفضوا الاعتراف به أو اتباعه نظرا لنزعتهم العقلانية ولأن معظهم ظل يصدر في موقفه من الإسلام عن مصادر شائهة أو لأنه وجد فيه وسيلة سهلة لنقد الدين في مجتمعه. ويقدم هنداوي المراحل التي مر بها تفكير فولتير عن الإسلام وكيف ان رؤيته انتقلت من ردة فعل على ممارسات دينية في مجتمعه إلى فهم وقراءة كل ما توفر له عن محمد، بحيث أصبح محمد «رفيقه». وهو بخلاف مونتسيكيو في كتابه «روح القوانين» وإنْ اعترف بالإسلام إلا انه قدمه كدين استبدادي وربط بينه وبين المناخ الذي يؤثر على أتباع كل دين. ولم تتغير نظرة مونتسيكيو للإسلام فهو «رغم نقده للمسيحية كعقيدة روحية وللكنيسة ظل في الجوهر مخلصا أشد الإخلاص لتربيته المسيحية وللأفكار التقليدية التي بلورها وصنعها الغرب المسيحي لنفسه طوال القرون الوسطى والمتمركزة حول الرفض الصريح له». ومن هنا أعاد إنتاج ثقافته حول الدين الذي ولد في الجزيرة العربية وصور حملات الفتح التي قام المسلمون بها بالهمجية، ووصم الدين بالتعصب، وصور النظام السياسي في الإسلام بأنه نظام طغيان مطلق وعبودية كاملة. ويكشف الباحث في تحليله لمواقف مونتسيكيو وغيره من الإسلام انها تصدر أحيانا عن سذاجة في التحليل واعتباطية في سوق الإتهامات. ولم تكن أفكار مونتسيكيو محلا للإجماع فقد لقي كتابه «روح القوانين» ردا حادا من أحد معاصريه وهو انكتيل دو بيرون الذي ألف «التشريع الشرقي» يرد فيه على مونتسيكيو. وكشف هنداوي أيضا عن رؤية انتقائية تنم عن موقفه الأيديولوجي والثقافي، وقام من خلال هذا بتعميمها وتشويه الحقائق حتى يؤكد رؤيته. موقف مونتسيكيو مخالف في رؤيته وأبعاده لأفكار فولتير الذي اهتم كثيرا بالإسلام واستلهم في أعماله الأدبية الإسلام وتاريخه «محمد أو التعصب»، «صادق» و «الزير» ودون مواقفه من الإسلام في أعماله الأخرى مثل «القاموس الفلسفي». ويرى هنداوي ان فولتير هو «أهم مفكر غربي شهير في العصر الحديث سعى للبحث عن الحقيقة التاريخية لذاتها بشان الإسلام من دون هدف، فلا الإعتباراللاهوتي ولا الموقف الأيديولوجي أو السياسي كان يهم فولتير من قريب أو بعيد». ويرى ان موقف فولتير من الإسلام تطور وكانت مسرحية «محمد أو التعصب» نقطة فاصلة حيث حاول على ما يبدو تصحيح الأخطاء التي كان قد وقع فيها، خاصة ان المسرحية نالت اهتماما وجدلا باعتبارها نقدا مبطنا للكنيسة ولهذا اندفع بشكل كبير للبحث عن هوية الإسلام الحقيقية. ويعتقد هنداوي ان فولتير رغم ما ارتكبه من أخطاء أطلق مرحلة جديدة لدراسة الإسلام «حيث أجهز بطريقته الخاصة وبشكل مباشر أو غير مباشر على تراث قرون طويلة من التقاليد الفكرية والثقافية التي تسود الغرب بلا منازع والتي تقوم على تشويه الإسلام وتاريخه وحضارته وقادته» وقام فولتير بهذه المهمة بروحية خالصة ومخلصة وأمينة لا حساب وراءها سوى البحث عن الحقيقة. ومن هنا نجد نزعة البحث عن الحقيقة والتأكد من المصادر واضحة في نظرة جان جاك روسو الذي لم يكتب الكثير عن الإسلام. وسبب هذا هو تمنعه من الاعتماد على المصادر الشعبية والرؤية السائدة في الغرب ولاعتقاده ان الأمم تسعى لتشويه صورة الأمم الاخرى المنافسة لها، وهو ما حمله على تجنب إصدار احكام قاطعة توقعه في أخطاء. كما نرى فقد وجدت الرؤية التقليدية وجدت نهايتها عند التنويريين في كتابات المؤرخ الانكليزي إدوارد جيبون صاحب السفر الشهير «تدهور وسقوط الإمبراطورية الرومانية». ويعتبر جيبون الأب الحقيقي لعلم التاريخ في الغرب، حيث نهج في كتاباته نزعة اعتمدت على المصادر الأصلية والوثائق ومن ثم تقديم تفسير عقلاني لصيرورة التاريخ. ولهذا استخدم كل مصدر توفر له عن الشرق والناظر في حواشي كتابه يرى كيف اعتمد الكاتب على مصادر عربية أصيلة مترجمة للغات الأوروبية، كما استفاد من كتب الرحالة. وفي الفصل الذي خصصه للإسلام عزا فيه نجاح التجربة العربية إلى عوامل تتعلق بالدولتين الرومانية والفارسية وأخرى داخلية منها عبقرية النبي محمد وقوة واخلاق المسلمين وبطولتهم وتماسك الدين الإسلامي روحيا وعقائديا. وفي تحليله لمعالم الحضارة العربية الإسلامية يرى ان العرب قدموا ألمع الحضارات في تاريخ الإنسانية، وهو يؤكد هناك على العامل العربي في هذه الحضارة. ويرى جيبون ان سرعة وتوسع انتشار الإسلام كانا عاملين في تراجع تأثيره العالمي فيما بعد. وفي تقييمه لموقف جيبون من الإسلام يرى هنداوي انه كان أسيرا لمناهج عقلانية تستند على مركزية أوربية رغم تحررها من رهاب الموقف الديني، كما كان ضحية لمصادر مشوهة عن الإسلام. يشتمل كتاب هنداوي على فصول عن التنوير الألماني وأفكار هيردر والشاعر والفيلسوف غوته صاحب الديوان «الغربي- الشرقي» المغرم بالإسلام والعربية. ورغم كل هذا الغرم نجد ان كتاب سيرته أغفلوا هذا الجانب الثري، ولعل أجمل ما يلخص موقف غوته من الشرق ما جاء في قصيدته «من يعرف نفسه ويعرف الآخرين، لا بد ان يعترف هنا ان الشرق والغرب لا يمكن ان يفترقا بعد الآن.. ان أمنيتي هي ان تطير نفسي كالهدهد سعيدة بين هذين العالمين». ٭ هنداوي متخصص في مجال الفلسفة الهيغلية وعمل في جامعة بواتيه بفرنسا، عمل في الصحافة ومثل عددا من المنظمات الدولية وتنقل في بلدان عدة من اليمن وهاييتي وله مؤلفات في الفلسفة والفكر السياسي العربي منها «التاريخ والدولة ما بين إبن خلدون وهيغل» و»هيغل والفلسفة الهيغلية» من بين عدة كتب. حسين هنداوي: «فلاسفة التنوير». دار المدى للثقافة والنشر، بيروت 2014. 254 صفحة إبراهيم درويش
يتحدث الكتاب عن بعض الفلاسفة المشهورين، بالإضافة الى نابليون، وانطباعهم عن الإسلام. لنأخذ مثلاً "مونتسكيو" الذي كانت اراءه معادية للإسلام، ويعود السبب في ذلك حسب ما يقول الكاتب للمصادر التي اعتمدها مونتسكيو، وبسبب ولادته ونشأته على الدين المسيحي الذي كان في ذلك الوقت يشن بأبشع الكلام على الدين الإسلامي ونبيه محمد، ونجد العكس عند "غوته" الذي كان متعاطفاً مع الدين الإسلامي، وقد كتب في نص صريح ان أقرب الأديان لي هو الدين الإسلامي. ونجد ذلك ايضاً في قصائده وكتاباته. واما عن "جيبون" فنراه يمتدح الإسلام حيث يقول علينا الاعتراف بالثقافة والعلوم التي استمددناها من الإسلام ومن العرب بصورة عامة، وهذا الكلام نراه مشابه لكلام "فولتير" وان مسرحيته أي مسرحية فولتير " محمد" او التعصب والتي أسأت بشكل واضح لنبي الإسلام باعتباره، قائد دموي متسلط.. هي كانت بالأصل تجسيد لأفعال القادة الفرنسيين او رجالات الكنيسة في ذلك الوقت. ويتكلم اخيراً عن نابليون وبالتحديد خلا فترة احتلاله لمصر، حيث تقول بعض المصادر انه أعلن إسلامه!، لكن الكاتب والكثير من الكتاب يقولون ان سبب تعاطفه راجع لأسباب سياسية وعسكرية، لبسط سيطرته الكاملة على مصر ومن ثم الانتقال الى بلدان أخرى.
حسنا ، اعترف انى جاهدت نفسى كى انتهى من هذا الكتاب والذى رغم سعة علم مؤلفه ولكن الاسلوب جاء جافا بعض الشىء ، ربما لكون المؤلف اكاديميا بالرجة الأولى و متخصصا جدا ، كان هناك بعض التطويل فى الحديث عن بعض الشخصيات مثل جيبون و هيجل ، أعجبنى جدا ذكر نابليون حيث وضح موقفه الحقيقى من الاسلام ، ستجد أن بعض الشخصيات الشهيرة مثل هيجل و مونتسكيو لهم موقف شاذ من الإسلام ، ستجد أن الموضوع ليس له علاقة بالعلم أو الثقافة ، ولكن مكابرة و عناد مع النفس ، لا باس بالكتاب ولكن كان يحتاج أسلوبا أكثر أدبيا من هذا
كتاب جميل يشرح رأي أبرز فلاسفة الغرب حلو الإسلام بطريقة بسيطة سهلة الفهم ، وقد أجاد توضيح التناقض الصارخ الذي وقع فيه أغلب إن لم يكن الكل من مفكري الغرب حول نظرتهم نحو الإسلام و الذي يعود أصلها إلى تلقينات الكنيسة باختلاف مذاهبها . تعليقي الوحيد عليه هو كثرة الأخطاء الإملائية .