رواية “منام القَيْلُولَة” لأمين الزاوي، لوحةٌ سرديَّةٌ في فلسفتَي القوة والضعف الكامنين في الإنسان، مسار العمَّة مسعودة القارح، امرأةٌ شُجاعة، تحب الحياة فتَعضُّ عليها بأسنانها وبشراسة.
أُمٌّ لثلاثةِ أطفال، بحزمٍ واجهت رموز الخيانة في زمن الثورة الجزائرية، وبالرغم من أن الاستقلال لم يكن معها رحيمًا فإنها لم تستسلم.
تنهار مرةً ثم لا تلبث أن تنتهض، قاومت الخيانات الجديدة بمواقفها وبسلوكها وأيضًا من خلال أطفالها الذين يعانون عاهاتٍ نفسيَّةً حوَّلوها إلى طاقة أسطورية خلاقة، تنتصر على الخراب الذي يهدِّد الذات والبلد.
في رواية “منام القيلولة” تتعايش العبقريَّة مع الجنون في انسجامٍ وتَماهٍ من خلال صور وحَيَوات شخوص مثيرة: عبد القادر المخ وإدريس الغول وحارس حديقة الحيوانات وبنعلال الرومي وزُبَيْدة فرحاني وحليمة النوري… شخوص تبدو وكأنها تقف على حافة السُّرْياليَّة والغرابة، لكنها وهي في حالها هذا ليست سوى صنيعِ واقعٍ مُتيِّبسٍ وعنيفٍ يعيشه الإنسان البسيط يوميًّا.
هذه الرواية الأحدث لأمين الزاوي التي بين يديك، هي نصٌّ مكتوبٌ باقتصادٍ لُغَويٍّ صارم، نصٌّ متحرِّر من ظاهرة البدانة المَرَضيَّة أو الوزن الزائد.
Amin Zaoui is an Algerian novelist. He was born in Bab el Assa in Tlemcen province and studied at the University of Oran, obtaining a Ph.D. in comparative literature. He moved to France during the Algerian civil war but returned home in 1999. He has served as the Director General of the National Library of Algeria and currently teaches comparative literature at the Central Algerian University.
Zaoui is a bilingual writer and has published novels in both French and Arabic. His work has been translated into a dozen languages. Zaoui's French book Festin de Mensonges has been translated into English by Frank Wynne. In 2012, his Arabic novel The Goatherd was nominated for the Arabic Booker Prize.
He has also translated French novels by Mohamed Dib and Yasmina Khadra into Arabic.
ليست رواية بالمعنى الكلاسيكي الذي يعتمد على حدث محوري، أو صراع واضح يقود القراءة نحو ذروة ومن ثم نهاية، إنها نص يبدو أقرب إلى حالة نفسية أو حلم واعٍ، يأخذك فيه الكاتب إلى داخل لحظات شبه متقطعة، منمّقة أحيانًا، لكنها تمتلك خطًا داخليًا يربط بين الانعكاس والذاكرة والواقع.
❞ حين نتكلم عن أنفسنا بضمير الغائب نكون أكثر صدقًا وشفافية، حيث نضع بيننا وبين أنفسنا مسافةً للتأمل والتدقيق في التفاصيل التي يسكنها الشيطان، وهي أعمَق ما في حياتنا ❝
القراءة هنا تختلف تمامًا عن الرواية العاديّة؛ أنت لا تبحث عن حبكة تصاعدية، بل عن إيقاع داخلي يتكرر ويتبدّل، كأن النص كله هو قيلولة طويلة تشرق فيها الصور وتتلاشى بلا رجوع. هذه هي قوة العمل… وأحيانًا ضعفه أيضًا.
❞ بعد أن انتهى من قراءة سيرة ابن خلدون، بدت له الحياة شبيهة بالغطاء القصير تسحبه لتغطي رأسك فتتعرى الأرجل، وتسحبه لتغطي الأرجل فيتعرى الرأس. تصبح علَّامة برأس مملوء بالفلسفة والتاريخ والأدب ولكن قدميك عاريتين للبرد، وقد تكون قدماك دافئتين تحت غطاء من قطن ولكن رأسك فارغ من أي معنى. عليك أن تختار إما تغطية الرِّجْلين أو الرأس؟ ❝
لا توجد شخصيات بمعنى الشخصيات التقليدية، بل هناك حالات وتجارب تُعرض بالتناوب كأنها لقطات في حلم: لقاءات، مشاهد، ذكريات، وأحاديث داخل الرأس أكثر من خارجها. في بعض المواضع تشعر بأنك داخل ذهن الراوي أو بطل الرواية، وليس ضمن عالم محيط به، وهذا ما يعطي الرواية طابعًا داخليًا جدًا قريب من التأمل الروحي، أو تدوين الحلم.
❞ الحرب طويل أمدُها حتى ولو دامت يومًا واحدًا، ولكل حرب مهما كانت فداحتها نهاية، تنتهي بتسمية منتصر فيها ومهزوم، تنتهي حرب لتبدأ أخرى، وأيام السلم هي استراحة بين حربين، والناس الأبرياء حطبُها ووقودُها. ❝
في بعض المواضع، تشعر بأن العمل يتأخر في نفسه، يكرر نفس الإحساس أو الفكرة بصيغ مختلفة دون أن يضيف طبقة جديدة أو ينتقل إلى مساحة أخرى. هذا لا يفسد التجربة كليًا، لكنه يمكن أن يربك قارئًا يتوق للسردية أو لبناء أكثر تماسكا.
ليست رواية تُقرأ لشيء ما يحدث، بل تُقرأ لما تشعر به وأنت تقرأها. تجربة تشبه الاستيقاظ البطيء من حلم جميل وغريب في آن واحد: لا تفهم كل تفاصيله، لكنك تحمل وقعًا فيه معك. عمل يناسب من يحبون النصوص التي تُغلق أكثر مما تُفتح، وتترك مساحة للقارئ أن يتساءل ويكمل النص في داخله..
هذا ما قد نستخلصه من “منام القيلولة” من خلال شخصياتها وتطور مجرياتها في جزائر الاستعمار ثم في جزائر الإرهاب. فترتين زمنيتين مختلفتين في الأعداء، مشتركتين في الضحايا وتتقاسمان نفس المخلَّفات: القتل، الدمار، الألم، الخوف، الرعب…الجنون!
اغتيال ابن و جنون أم لفقده و عودة أخ مفقود و حيرة شقيقة هاربة في وطن خارج من استعمار و يستعد للدخول في عشرية ستكون سوداء. عمل مكتوب على لسان ابن او حفيد لآل القارح سيكون شاهدا على حادث جنون لالة مسعودة/الام ليتحول الى السرد الى راو عليم كلي الاطلاع و ينشطر ال شخصيات راوية : الاخت حليمة و الاخ عبد القادر و يعود مرة أخرى للرواية العليم و ينتهي بشخصية الطفل ابن عائلة القارح في مزيج من الفانتازيا و ماهو معقول و في تكسير لخط زمني بعد استقلال الجزائر و بداية العشرية السوداء رغم انها كمساحة زمنية أكثر من 25 سنة. العمل يكسر منطقية الحدث لصالح الحالة النفسية و الوجدانية للشخصيات التي ترمز للوطن، للفساد ، للحب و للألم.
منام القيلولة لأمين الزاوي أو الصلاة السادسة لأهل قرية ينبو الجزائرية، رواية دائرية تبدأ بمشهد وتنتهي به، لالّة مسعودة القارح المرأة العصامية التي عبرت حياتها فوق الجمر، جمرة فجمرة، كيّة بعد كيّة، تسوقها سيارة الإسعاف إلى مشفى الأمراض العقلية بعد أن اغتال المتطرّفون ولدها عبد القادر المخ، وكانت المرأة قد جرّبت كل آلام الحياة، زوجها حميد النوري استشهد مع ثوار الجبل، وقد كان رمز قرية أعنان حيث عاشت معه وأطفالها الثلاثة، قبل أن تذبح بيدها المجاهد سليمان الأعوج الذي أراد تشويه صورة زوجها طمعا بها، لتنتقل وأولادها إلى البيت الكبير في ينبو لدى سيدي مولاي عبد الله القارح، رئيس فرقة مقرئي الجنائز، ابنها إدريس الغول ربما لأنه شهد عملية الذبح طفلا فقدَ جزءا من عقله حين كبر، فبعد أن كان فطنا ذكيا فجأة صار مضطربا شرها يرعبه الماء ويهيم على وجهه يلاحق الكلاب والقطط ويحمل سكينا يريد ذبح أخته حليمة دونما سبب مقنع ثم اختفى فجأة، حليمة هُرّبت إلى بيت عمها في أعنان وتركت المدرسة ثم تزوجت وانتقلت إلى وهران، وهناك عانت من زوجها الرياضي سليم بوعزة المتدين لكن المتحرش بالأطفال، الوحشي الذي انضم إلى الجماعة في الجبل وعاث فسادا حتى قتلَ صهره عبد القادر المخ سارق القرآن من المسجد، المخ الذي كان يطمح إلى أن يصبح رئيسا لجمهورية الجزائر انطلاقا من رئاسة البلدية بعد أن شغل مقهى ابن خلدون الذي أسسه مساحة للمناقشات واللقاءات السياسية والاجتماعية لكن الإرهاب فجر المكان، في وهران اكتشفت حليمة الفرق بين حياة المدن والقرى، فحضور الناس مزعج في القرية وغيابهم رهيب في المدينة، في القرية يتعلم الواحد منذ الطفولة مراقبة الجار والتلصص على الجارة ومتابعة تفاصيل سيرة ابنة العم والحفر في أسباب خروج ودخول الأخت، والتنصّت على حديث الجيران، أمّا في المدينة فيتعلّم الواحد السرعة في اجتياز الرصيف والقفز للركوب في الحافلة قبل أن تقلع، والوقوف في طابور شراء الخبز بصمت، والاستماع إلى نشرة الأخبار دون تعليق واهتمام. وفي المدينة تعرّفت حليمة إلى أناس مختلفين كجارتها في الطابق الرابع زبيدة فرحاني الغريبة وزوجها أبي أرنب موظف حديقة الحيوانات، وبنعلال الرومي صاحب أشهر مخابز وهران وقصة غرامه القديم على أكياس الطحين. وكعادة الزاوي في أعماله لا بد من ضخ كم معتبر من الأعمال الأدبية وأسماء الأعلام في النص كالجاحظ وابن خلدون والمعري وسرفانتس وعبد الفتاح كيليطو وغيرهم. تعدد الرواة والنظرة الأحادية والصور النمطية والأدلجة واللا منطق والغرائبية والرمزية غير المقنعة أو المفهومة والتشتت والتشظي السردي والاضطراب والهوس الجنسي والأخطاء والعشوائية في النص الناجمة ربما عن شخصيات الأولاد الثلاثة وأمهم والخلل في عقولهم، كل ذلك جعل من الرواية ثقيلة عليّ غير مستساغة عندي غرّبتني عنها ولم تعجبني البتة، فضلا عن هناتها اللغوية والسموم التي تبثها بين ثناياها، من مثل المحجبات شبقات، المتحرش لا بدّ أن يكون متدينا، إن ارتكبت الأجنبية فاحشة على الكون أن يصفق، الدنيا بلا كحول لا يعوّل عليها، الخير لا يأتي إلا من الخمر، الشعب أحمق لأنه اختار الإسلاميين، الخ.. ما أسّس نموذجا واضحا بالنسبة لي أن كيف يمكن أن يتجلّى الحقد في صورة أدب. التقييم: ٣.٥/١٠
تشكل منام القيلولة لأمين الزاوي، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة ومن ثم إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2026 تجربة سردية كثيفة ومركّبة، تمزج بين التاريخي والوجودي، وتكتب الذاكرة الجزائرية من زاوية إنسانية حميمة، عبر الاشتباك مع حقبة مفصلية من تاريخ الجزائر في بدايات العشرية السوداء، حين بدأت الجماعات الإسلامية المتطرفة تفرض حضورها العنيف على السلطة والمجتمع والحياة اليومية.
لا يتعامل الزاوي مع هذه المرحلة بوصفها مجرد سياق سياسي، بل كجرح مفتوح يتسرّب إلى تفاصيل الشخصيات ووعيها، ويعيد تشكيل العلاقات والخوف واللغة نفسها.
القيلولة في العنوان تتحوّل إلى مساحة رمزية معلّقة بين اليقظة والكابوس، بين ما يُعاش وما يُكبت، وبين الواقع الذي ينهار والحلم الذي يحاول النجاة.
يعتمد السرد على لغة هادئة ومكثّفة، بعيدة عن الخطابية، تفضّل الإيحاء والتأمل على التفسير المباشر، وتكشف أثر العنف الأيديولوجي على الفرد، وخصوصًا على المرأة، بوصفها جسدًا وذاكرةً وموقعًا للمقاومة الصامتة.
تتقاطع في الرواية ثيمات الخوف، والانكسار، والذاكرة، وسؤال الحرية في زمن المصادرة، ضمن بناء سردي يتقدّم ببطء محسوب، لكنه مشحون بدلالات ثقيلة.
في منام القيلولة، يفكك أمين الزاوي العشرية السوداء من الداخل، لا عبر مشاهد الدم وحدها، بل من خلال أثرها النفسي والوجودي العميق، وذلك من خلال رواية سياسية اجتماعية واسعة الأفق نحو أسئلة الإنسان والذاكرة والمعنى.
تبدأ الرواية وتنتهي بذكر لالة المسعودي(وهي المتعبة نفسيا لفقدها جميع أولادها) وأخذها الى مستشفى الأمراض العقلية. ثم يبدأ السرد، لا أعرف هنا من السارد، ربما هو الكاتب نفسه، ومن البداية تعلمت معنى صلاة القيلولة وهو النوم بعد الغذاء الى ما قبل المغرب ويعرفه الذين يعيشون في تلك القرية من انحناءة ا��شمس على الجدار العالي.
لالة المسعودي إمرأة ليست ككل النساء، لم تقبل على نفسها بأن يتحكم بها أي شخص فما بالك بشخص خائن لبلده وهو سليمان الاعرج، والذي أراد ان ينتهكها، والعجيب هو مجيء زوجها من الجبال لأنه كان من ضمن المحاربين، وقبلها اخبرها سليمان الاعرج بأنه مات، ولذا قتلته، ولكن للأسف رأى ابنها ادريس هذه الحادثة وأصبح من المجانين واراد ان ينتهك اخته ويقتلها فأبعدوه وربطوه في الشجرة، وهذه كانت أول مأساة، إذ اصاب حليمة مرضا نفسيا واصاب ادريس خلل في العقل. أودع إدريس المستشفى وتزوجت البنت من مدرس وهي في ١٦ من العمر، ولكنه اتهم بأنه يغتصب الأطفال الذين يدرسهم في البيت دروساً خصوصية وأودع في السجن ولما خرج اصبح من هؤلاء الذين يعتقدون بأنهم سيحرّرون بلدهم. وهذه نقطة مهمة جدا في الرواية، إذ أنها ربما تشير الى اصحاب الأحزاب الدينية وغيرها بأنهم تجمع من نفوس غير سوية ولذا لا تنجح القيادة معهم إلا لأنهم يقودون بحد السيف.
في الرواية ايضا ذكرت زبيدة وزوجها حارس حديقة الحيوانات، ومأساتهما معا! أما الجزء المهم جدا هو حديث عبدالقادر المخ ( سمته لالة أمه بهذا الاسم لأنه كثير القراءة، ويقرأ المخ للجاحظ ويضحك مما جعلني اسجل ملحوظة لأقرأ هذا الكتاب، ربما يثير بي نفس البهجة التي أحسها المخ عند قرائته) هل من المعقول ان يطرد من مدرسة المعلمين داهية مثله؟ لقد كان قارئا نهما، وكان ينجح في الاختبارات! لم إذن طُرد؟ كان يقول بأنه يود أن يكون رئيسا للجمهورية، وأعتقد بأن له من المواهب ما يناسب هذه المهنة، ولكنه انتهى الى فتح قهوة يتجمع فيها الجميع، ويتحدثون ويشربون شاي الزنجبيل والبيرة، وبعدها احرقت القهوة وانضم إلى المجاهدين وقتل! إذاّ لم يبقى الى لالة أحد ، بالتأكيد ستصاب بالجنون.
وأعتقد أن ذكر جميلة بوحريد، جينا لولو برجيدا، بريجيت باردوا لم يأتي اعتباطا إذ ان الرواية تبدأ منذ الاستعمار والثورة بقيادة جميلة بوحريد، الى ان انتهى كل شي عندما أخذت المنظمات المنحرفة (سواء كانت إسلامية او غيرها) جميع مجالات السلطة في الجزائر.
من الجيد ان تذكرنا الروايات بالماضي، ولكني احس بأن ذكر الحروب والاقتتالات والسياسة في القصص قد ازدادت اليوم، فكلما أبدأ برواية فإنها تتحدث عن حرب ما، وقليل من الروايات التي تتحدث مثلا عن مجالات أخرى والتي يبدو لي بأنه من واجب القصاصين ان يتحدثوا عنها، كمثال قرأت رواية عن زمن الكورونا وما احس به الناس من خواء وربما بعض الأمراض العقلية لوجودهم لوحدهم في المنازل، وقد كانت رواية رائعة تدخلني للنفس البشرية وتشرحها. لا أستطيع ان أقول بأن الروايات التاريخية لا تستهويني، بل بالعكس، إنها رائعة ولكن انظروا ماذا يحدث لهؤلاء الذين يعيشون في تلك الحقبة؟ اما الجنون، او التشرد او العذاب.
هل تستحق الرواية الوصول إلى القائمة القصيرة؟ نعم، وعلى الرغم من كثرة الكتب عن الموضوع نفسه، فقد فازت رواية صلاة القلق والتي تحكي عن الحرب ايضا بجائزة البوكر في العام الفائت، لن أستغرب إذا فازت هذه الرواية في هذا العام ايضا، لأن الجرأة التي تتطلبها كتابة هذا النوع من الكتب ربما تكون محببة.
أما أنا، فأشد ما أكرهه في صيف القرية هي ساعة القيلولة، حين يستسلم الجميع لأحضان شيطان القيلولة (شيطان القايلة، هكذا نسميه)، أخرج إلى المراح أجلس تحت شجرة الرُّمَّان العتيقة ❝
❞ لقهوة العصر سحر خاص. ❝ الموت هو الآخر يحلم
❞ في المدن الكبيرة يشعر الإنسان بالغربة التي تمنحه الحرية. ❝
❞ غريب أن تعيش في مدينة بمليون نسمة أو يزيد وتشعر بأنك تعيش فيها وحدك، وتعيش في قرية بأقل من ثلاثمائة ساكن فتشعر بأن مليون شخص يراقبك! ❝ ولكل حرب مهما كانت فداحتها نهاية، تنتهيربتسمية منتصر فيها ومهزوم، تنتهي حرب لتبدأ أخرى، وأيام السلم هي إستراحة بين حربين، والناس الأبرياء حطبها ووقودُها
فرق شاسع ما بين ثورة البارحة وما تريده جماعة الجبل اليوم، البارحة كنا ضد مستعمر أجنبي غازٍ وغداً سنكون ضد بعضنا البعض، سيقتل الأخ اخاه والعم أباه والأخ اخته والأب ابنه، في الأفق نفق كبير
كنت متيقنا بأن كتابا مثل هذا لا يُقرأ إلا برفقة وعاء من النبيذ (كتاب الغفران للمعرّي)
أما مع النساء، لا إنرأة قادرة على إخفاء أخرى، فالنساء كواكب القلوب
هل ضربك حمار الليل أم فقدت عقلك، أيها النوري
الرجل الذي يملأ الذهب فمه يملأ سرير زوجته إمتاعاّ
تمنيت لو أنها ظلت جالسة عند الباب، ربما سيعود ذاك المرسول بسلاح المحسوسة هذه الليلة ويرشني برصاص خزان كامل الإنسان غريب الأطوار هو الحيوان الوحيد الذي لا يعرف كيف يختار مكان عيشه، المدينة أم الغابة؟ يتحلى بأخلاق الغابة، ويعيش في المدينة
إن صغار الأرانب الوحشية بمجرد نزولها بالشقة مُسخت في هيئة أنحاش الحمير الوحشية المخططة
عندنا الأمومة قبل الأنوثة، إننا مجتمع الأمومة وعدو الأنوثة
منام القيلولة: أو حين يتحول الوطن إلى قيلولة طويلة لا يستيقظ منها أحد…
قراءة في رواية ''منام القيلولة" للأديب الجزائري أمين الزاوي الصادرة عن دار النشر"العين" بمصر سنة 2025.
يقول محمود درويش:
“لا تعتذر عمّا فعلت – أقول في سرّي
أقول لآخري الشخصي:
ها هي ذكرياتك كلها مرئية:
ضجر الظهيرة في نعاس القط
عرف الديك
عطر المريمية
قهوة الأم…”
ولعل هذه الكلمات، وإن لم ترد في رواية منام القيلولة، إلا أنها تبدو وكأنها خرجت من صميمها، لا بوصفها اقتباسا، بل كصدى بعيد لها، كأن النصين يتجاوران في منطقة خفية من الذاكرة، حيث لا يعود ممكنا التمييز بين ما قيل شعرا وما كتب سردا، لأن ما يفعله أمين الزاوي لا يختلف كثيرا عما يلمح إليه درويش: استدعاء الذاكرة لا كما حدثت، بل كما تبقت، كما ترسبت في الحواس، كما نجت من الانمحاء وهي في حالة نصف يقظة، نصف غياب، ولهذا لا تفتتح هذه الكلمات نصا شعريا بقدر ما تفتح بابا صدئا لذاكرة لم تعد تعرف إن كانت تخص صاحبها أم تخصّ زمنا سقط منه، لأن القيلولة في هذا السياق ليست استراحة، بل انسحاب خفيف من الواقع، انسحاب لا يعلن نفسه، بل يتخفى في هيئة نعاس، في حين أنه في العمق شكل من أشكال مقاومة المعنى، أو الهروب منه.
ففي هذه الرواية، لا يستعاد الماضي، بل يستجوب وهو نائم، يحاصر في لحظة رخاوة/هيولى، حين لا يكون قادرا على الدفاع عن نفسه، أو حتى على ترتيب وقائعه، ولذلك تتحول القيلولة من فعل يومي بسيط إلى بنية وجودية كاملة، إلى زمن مائع لا يقاس بالدقائق بل بدرجة خفوت الصوت في الداخل، وبمدى قدرة الذاكرة على التسرب دون أن تمسك، فالظهيرة أو فترة الصمت والارتخاء، هنا ليست ساعة في النهار بل حالة من التعليق بين اليقظة والانطفاء، بين أن ترى العالم وأن تفقده في اللحظة نفسها، ولهذا يبدو العنوان: "منام القيلولة” ليس مجازا جماليا بل توصيفا دقيقا لحالة كونية، حيث كل شيء موجود لكنه فاقد للحركة، وكل شيء حيّ لكنه مؤجل، وكأن العالم نفسه قد قرر أن يستريح قليلا من فظاعة أن يكون مفهوما، فينكمش داخل تفاصيل صغيرة: قهوة العصر، قهوة الأم، صوت الديك، غرفة العولة، بوشراوط، لا بوصفها ذكريات بل بوصفها بقايا حياة نجت من مجزرة المعنى، بقايا لم تنقذ لأنها مهمة، بل لأنها غير ملحوظة بما يكفي لكي تمحى.
وإذا كان هذا الدخول يتم عبر الذاكرة، فإن الخروج منه لا يتم أبدا، لأن الرواية منذ صفحتها الأولى تزرع قارئها داخل مفارقة لا فكاك منها، حين يقول الزاوي: "الموت ليس غريبا، هو الوجه الآخر للحياة، فقط طريقة حضوره هي الغريبة، نتخطاه مع كل خطوة، نقيم له سريراًد خاصا به إلى جانب الحياة، لكنهما ينامان متعانقين على سرير واحد، ورأساهما على مخدة واحدة وحلم واحد". (ص 15)، فهنا لا يعود الموت حدثا طارئا بل يصبح البنية التحتية لكل ما يحدث، لا كخاتمة بل كقرين دائم، كظل لا يرى إلا حين نحاول تجاهله، وكأن الحياة ليست إلا طريقة مؤقتة لتأجيل الاعتراف بالموت، أو لنقل لتعويد الذات عليه تدريجيا، وهذا ما يجعل الرواية لا تحكي عن الموت بقدر ما تطبّعه، تدخله في تفاصيل اليومي حتى يصبح النوم نفسه تمرينا عليه، وحتى تصبح القيلولة بروفة صغيرة على الغياب، تجربة مصغرة للفناء، تمارس يوميا دون وعي.
هذا التداخل بين الحياة والموت لا ينتج فقط رؤية فلسفية، بل ينتج أيضا ارتباكا سرديا مقصودا، حيث يغيب الراوي، أو يتأخر ظهوره، أو يتشظى إلى أصوات غير قابلة للتحديد، إذ حتى الصفحة 38 لا نعرف من يتكلم، لا لأن الكاتب عاجز عن تحديده، بل لأن الصوت نفسه فقد مرجعيته، لم يعد هناك “أنا” يمكن الوثوق بها، بل هناك بقايا وعي تتناوب على الكلام، كأن الرواية تروى من داخل رأس مكسور، أو من داخل ذاكرة جماعية فقدت حقها في التماسك، وهذا الغياب ليس تقنيا بل وجودي، لأن الرواية نفسها تكتب من موقع الشك في إمكانية الحكي، من داخل أزمة المعنى لا من خارجه.
ومن هذه المنطقة المأزومة ينبثق إدريس، لا كشخصية بل كحادثة، ككسر فجائي في منطق العالم، ككائن استيقظ من نومه ليكتشف أن ذاكرته سرقت منه دفعة واحدة، لا بالتدريج، فصار يطارد الحيوانات، يخاف منه الأطفال، وتكبّله أمه بالأصفاد، لا لأنه خطر حقيقي بل لأنه لا يُفهم، لأنه يذكرهم بشيء لا يريدون تذكره، وهنا تتحول صورته إلى ما يشبه مجازا قاسيا لوطن بلا ذاكرة، وطن فقد ماضيه فلم يعد قادرا على تفسير حاضره، فصار إما مفترسا أو مقيدا، لا يملك إلا أن يتخبط داخل ذاته، وكأن الجنون هنا ليس حالة فردية بل نتيجة منطقية لفقدان السردية، وهذا ما يجعل القسوة التي تمارسها مسعودة عليه ليست مجرد قسوة أم، بل قسوة ذاكرة تحاول أن تُخضع ما تبقى منها حتى لا تنفجر، لأن ما لا يُفهم يُكبّل، وما لا يُروى يتحول إلى خطر.
وفي هذا المجتمع، لا تدار الأخلاق وفق القيم بل وفق الخوف، وهو ما تكشفه الجملة القاسية: "تردم الفضيحة تحت تراب الزواج البارد" (ص 43)، حيث يتحول الزواج من رابطة إنسانية إلى آلية دفن، من بداية إلى نهاية، ومن وعد إلى ستر، وهنا تختزل المرأة في حليمة، لا كفرد بل كجسد مهدد بالانفجار، كقنبلة يجب تعطيلها قبل أن تشتعل، ولذلك تُوقف عن الدراسة، يُسلب حلمها بأن تصبح قائدة طائرة، وتُساق إلى وهران لا كاختيار بل كترحيل، وكأن المدينة نفسها ليست فضاء للحرية بل مرحلة أخرى من القسر، لكن بقناع أكثر تهذيبا، لأن الرواية لا تقدم ثنائية بسيطة بين القرية والمدينة، بل تفضح الاثنين معا، حين تقول: "في المدن الكبيرة يشعر الإنسان بالغربة التي تمتحه الحرية" (ص 51)، و*"حضور الناس مزعج في القرية وغيابهم رهيب في المدينة"* (ص 68)، حيث تتحول القرية إلى فضاء للرقابة الجماعية، والمدينة إلى فضاء للعزلة الفردية، الأولى تخنقك بالناس، والثانية تفرغك منهم، وبين الاثنين تضيع الذات، لا لأنها تبحث عن الحرية، بل لأنها لا تجد شكلا ممكنا للعيش دون أن تكون مراقبة أو متروكة، دون أن تكون مرئية أكثر مما يجب أو غير مرئية تماما.
وإذا كان المكان يتشظى، فإن الزمن ينهار تماما، فلا يعود هناك فرق واضح بين ثورة التحرير، ومرحلة بناء الدولة، والعشرية السوداء، بل يبدو الزمن وكأنه كتلة واحدة متلاصقة، يتكرر فيها العنف بأسماء مختلفة، وهو ما يلمّح إليه الزاوي بقوله: "المجاهد إنسان بشر قد يضعف وقد يخون" (ص 21)، جملة تهدم قداسة السردية الوطنية وتعيدها إلى مستوى الإنسان، بما يحمله من ضعف وخيانة، ثم تتكرر هذه الفكرة في صورة أكثر قسوة: "القتلة، الخونة عادوا، الحركة الجدد عادوا..." (ص 248)، حيث لا يعود الفرق واضحا بين المستعمر والمتطرف، بين العميل والمجاهد المنحرف، لأن الجميع يلتقون في نقطة واحدة: العنف، وكأن التاريخ لا يتقدم بل يعيد إنتاج نفسه، وهو ما يتأكد في العبارة الأكثر كثافة: "تنتهي الحرب لتبدأ أخرى، وأيام السلم هي استراحة بين حربين، والناس الأبرياء حطبها ووقودها" (ص 98)، حيث لا يعود السلم حالة طبيعية بل استثناء مؤقت، فاصلا قصيرا بين حربين.
وفي هذا العالم الذي فقد منطقه، لا يعود الواقع قابلا للوصف إلا عبر الغرائبية، لا كزخرفة بل كضرورة، حيث يولد الأطفال في أقل من خمسة وأربعين يوما (ص 195)، وتلد النساء دفعة واحدة تحت تأثير أنزار إله المطر (ص 197)، وتدفن الذباب في قبور جماعية (ص 199)، وهي ليست مبالغات بقدر ما هي اعتراف ضمني بأن الواقع نفسه صار غير معقول، وأن اللغة الواقعية لم تعد كافية لاحتوائه، فلا بد من كسرها، من إدخالها في منطقة الهذيان حتى تقترب من الحقيقة، لأن الحقيقة هنا ليست ما حدث، بل ما لا يمكن تصديقه.
وفي قلب هذا كله، ينبثق السؤال الطفولي: "أين يذهب اللون الأبيض حين يذوب الثلج" (ص 177)، وهو ليس سؤالا عن اللون بل عن الزوال، عن ما يحدث للأشياء حين تختفي، عن الذاكرة حين تمحى، عن الوطن حين يتفكك، عن الإنسان حين يفقد نفسه، وكأن الرواية كلها محاولة للإجابة عن هذا السؤال دون أن تقوله، أو ربما محاولة للإبقاء عليه مفتوحا، لأن الإجابة تعني النهاية، والرواية ترفض النهاية.
ولهذا، حين تقول: "نصبح كبارا حين ندفن أمهاتنا..." (ص 115)، يبدو الأمر وكأنه وعد بالنضج، لكن الرواية تسحب هذا الوعد بهدوء، لأن أحدا لا يكبر هنا، الجميع يظلون عالقين في ظهيرة طويلة، في قيلولة ممتدة، حيث الزمن لا يتحرك، والذاكرة لا تكتمل، والحياة لا تُ
عاش بل تؤجل، وكأن الوطن نفسه قد استلقى أخيرا، لا ليرتاح، بل لأنه لم يعد يعرف كيف ينهض.
في رواية منام القيلولة، يبرز حضور القاموس المحلي المسيردي كعنصر سردي محوري، ينسج بين الأصالة والرمزية. مصطلحات مثل العولة، الڨايلة، القارح، أعنان، سيدي سليمان، جبل زندل، بورابح، بوشراوط، البياضة، البوبوش ليست مجرد مفردات مكانية أو زمانية، بل أدوات لتثبيت الأرضية الثقافية للشخصيات، وإضفاء طابع محلي متماسك يربط القارئ ببيئة مألوفة لكنها متخيلة في أحيان كثيرة. غياب الزمن الصريح في الرواية يقابله حضور أماكن رمزية، مثل قرية أعنان الصغيرة المتخيلة، وقرية ينبو الواقعية، الواقعة في دائرة باب العسة والمعروفة تاريخيا برحاها الممتازة للقمح، لتصبح مقصدا للناس من كل القرى المجاورة، وهو ما يعكس قدرة الرواية على المزج بين الواقع والخيال بشكل سلس يعكس الذاكرة الجمعية والرمزية المكانية.
أما في الشخصيات، فصورة الإرهابي المنغلق باللباس الأفغاني وسليم الملتحي، ابن عم حليمة، تقدم مفارقة صادمة: الرجل المتطرف يظهر صامتا، انطوائيا، مرضيا، بيدوفيليا، مغتصبا للأطفال، يترك زوجته الحامل دون دخل أو حماية، ويختفي في الجبال لينضم إلى الجماعات المسلحة المتطرفة، بينما تشرع حليمة في رحلة البحث عن عمل، متجاوزة القسر الاجتماعي لتصبح رمزاً للمعاناة المستمرة التي تلحقها الدولة والظروف القاسية بالعائلات. هذه الشخصيات المركبة تجسد تلاقيا بين الانحراف الفردي والمعاناة المجتمعية، وتحمل في طياتها نقدا لاذعا للسلطة الاجتماعية والقانونية التي تفشل في حماية الأبرياء، كما تكشف عن بنية اجتماعية مشوهة، حيث الجبال والمجتمعات المحلية تتحول إلى مسرح لصراعات القوة والعدالة الإلهية المعلقة.
بينما تتحول الحيوانات؛ الحمير والأرانب في فضاء زينب فرحاني إلى رموز كافكاوية للغموض والاضطراب ، تذكر بأن عالم الرواية ليس واقعا مستقرا، بل فضاء متحركا تتداخل فيه الحياة والرمز. هذا الحضور الحيواني يوازي حضور الكتب والأدب، مع أسماء لامعة يعشقها الكاتب مثل المعري، أبي نواس، الجاحظ، ما يعكس التقاء القيم الثقافية والفكرية بالواقع اليومي للشخصيات، حيث يصبح الأدب مرجعية أخلاقية ومعرفية، بل وسلاحا ضد الغياب العقلي والفوضى المجتمعية.
يظهر ذلك بوضوح في العلاقة الغريبة بين المصحف الشريف وكتاب البخلاء للجاحظ: فعبد القادر القارح يبعد ابن مسعودة عن المصحف، بينما تحاول مسعودة أن تقرب البخلاء من المصحف لتطارد الشياطين وتحمي عقل ابنها، في مقابل شقيقه إدريس، الذي يبدو خارج نطاق الحماية، كأنها محاولة لتوجيه التربية الأخلاقية والفكرية عبر أدوات ثقافية وعقلية متشابكة، ما يعكس اهتمام الرواية بالتأثير العميق للذاكرة والتعليم على تشكيل الأفراد.
وأخيرا، يقدم الكاتب نقدا صادقا للدولة الوطنية، من خلال حلم عبد القادر بأن يصبح رئيسا، وهو حلم ينهار أمام رؤية الكاتب الواقعية: الرؤساء لا يصنعهم الحلم الفردي ولا الإرادة الشعبية، بل مخططات العسكر، ما يضع السلطة السياسية تحت المجهر، ويكشف التناقض بين الطموحات الفردية والأنظمة التي تحكمها مصالح فوقية، في إدانة صريحة لكل الوهم المؤسس على الحلم البريء في مجتمع يسوده القسر والسيطرة.
منام القيلولة ليست مجرد نص سردي، بل هي فضاء تجريبي يتحدى التصنيفات التقليدية للرواية، ويعيد تعريف العلاقة بين الزمن والذاكرة والوعي. في هذا النص، يغيب البطل الصريح يتحرك في محور درامي، بل نجد تعددية الوعي، حيث تتناوب الأصوات – حليمة، عبد القادر المخ، مسعودة القارح، إدريس – على احتلال الحيز السردي، وتخلق شبكة من التجارب الإنسانية المتشابكة، كأنها لقطات في حلم جماعي أو سيمفونية من الوعي المتصدع. الرواية لا تروى من منظور خارجي، بل من داخل ذاكرتها، من داخل وعي الشخصية، أو ربما من وعي مجتمع بأكمله، بحيث يتحول السرد إلى تجربة معرفية تأملية، أكثر من كونه سردا تقليديا.
وهكذا، منام القيلولة هي تأمل فلسفي، نص شعري سردي، نقد وجودي، تجربة تقود القارئ إلى داخل الذات، إلى وعي متقطع لكنه مكثف، حيث كل كلمة، كل فعل، كل تفاعل بين الشخصيات يصبح رمزا لما وراء الواقع، محاولة لتفسير الوجود بطريقة شعرية وفلسفية، وكأن الكاتب يعيد صياغة سؤال الإنسان الأزلي: ما معنى الحياة حين يكون الموت متحكما؟، وما معنى الوطن حين يختفي الوقت والمكان؟ وكيف يمكن للفرد أن يجد ذاته وسط شظايا التاريخ والذاكرة؟ هذه الرواية، بهذا العمق، تتجاوز السرد لتصبح نصا ينقل المحلي إلى الكوني، نصا فكريًا، نصا شعريا، نصا يفتح عوالم المعرفة والموت والحياة والذاكرة، لتظل محفورة في الوعي، مثل منام طويل في قيلولة لم تنته بعد.
"بعد أن انتهى من قراءة سيرة ابن خلدون، بدت له الحياة شبيهة بالغطاء القصير تسحبه لتغطي رأسك فتتعرى الأرجل، وتسحبه لتغطي الأرجل فيتعرى الرأس. تصبح علَّامة برأس مملوء بالفلسفة والتاريخ والأدب ولكن قدميك عاريتين للبرد، وقد تكون قدماك دافئتين تحت غطاء من قطن ولكن رأسك فارغ من أي معنى. عليك أن تختار إما تغطية الرِّجْلين أو الرأس؟"
انتهيت من قراءة رواية #منام_القيلولة للكاتب الجزائري #أمين_الزاوي، وهي من الأعمال التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2026، وتندرج ضمن مشروع الزاوي السردي الذي ينشغل منذ بداياته بأسئلة الهوية والذاكرة والجسد، وبالعلاقة الملتبسة بين التاريخ والعنف والإنسان. فالزاوي، الذي كتب بالعربية والفرنسية واشتغل في مجالات النقد والإعلام، يواصل هنا تفكيك التاريخ الجزائري لا بوصفه سردية بطولية، بل كتجربة إنسانية هشّة ومفتوحة على التصدعات. تُعدّ الرواية نصًا سرديًا رمزيًا كثيفًا يشتبك مع التاريخ والذاكرة والذات الإنسانية في لحظة انكسارها. فهي لا تقدّم حكاية تقليدية عن مرحلة سياسية، بل تنفذ إلى ما هو أعمق: كيف يتحوّل التاريخ من حدث خارجي إلى ندبة داخلية تسكن الفرد والعائلة والمجتمع. تمتد أحداثها من زمن الثورة الجزائرية إلى ما يُعرف بالعشرية السوداء في التسعينيات، حيث تنزلق البلاد من حلم التحرر إلى واقع العنف الداخلي. شدّتني الرواية في بدايتها، خصوصًا في صفحاتها السبعون الأولى، حيث بدا السرد متماسكًا ومشحونًا بطاقة درامية عالية. غير أنّها، مع التقدم، أخذت تنحو نحو تكثيف رمزي وفانتازي وإيحائي، أفقدها—من وجهة نظري—بعضًا من لذة التلقي الأولى، وخلق مسافة بين النص والقارئ. يحمل العنوان “منام القيلولة” دلالة رمزية مركزية، إذ يشير إلى حالة بين اليقظة والحلم، حيث تختلط الحقيقة بالوهم. وكأن الجزائر، بعد الاستقلال، لم تستيقظ تمامًا، بل دخلت في قيلولة طويلة تحوّلت إلى كابوس خلال العشرية السوداء. بهذا المعنى، يصبح العنوان مفتاحًا لقراءة الرواية بو��فها تعبيرًا عن وعي مضطرب، لا عن وقائع مستقرة. تتمحور الرواية حول عائلة “القارح”، التي تتحول إلى استعارة مكثفة لتاريخ الجزائر الحديث. فالأم، مسعودة القارح، تجسد صورة الوطن المقاوم في زمن الثورة، لكنها تبدو هشّة أمام تحولات ما بعد الاستقلال. أما الأب الشهيد، فيمثل الحلم المؤسس الذي سرعان ما يُترك خلفه، لتواجه العائلة مصيرها في واقع متصدّع. تشكّل حادثة قتل مسعودة لصديق زوجها لحظة مفصلية مزدوجة: فهي فعل مقاومة من جهة، وبذرة عنف كامنة من جهة أخرى. هذه اللحظة، التي يشهدها الطفل إدريس، تتحول إلى صدمة نفسية عميقة تتفجر لاحقًا في شكل جنون، وكأن الرواية تؤكد أن العنف—even حين يكون مبررًا—يخلّف آثارًا لا تزول. على المستوى السردي، يعتمد الزاوي على تعدد الأصوات وتكسير الخط الزمني، حيث يتناوب الراوي العليم مع أصوات الشخصيات، خصوصًا حليمة وعبد القادر. هذا البناء يعكس تفكك الوعي الداخلي للشخصيات، ويجسد انهيار مركزية الحقيقة. كما أن المزج بين الواقعي والمتخيل، والانزلاق نحو الفانتازيا، يجعل القارئ يعيش حالة التباس مشابهة لما تعيشه الشخصيات، حيث لا يعود المهم “ما حدث” بل “كيف يُعاش”. الجنون في الرواية ليس مجرد حالة مرضية، بل هو استعارة لانهيار أوسع. إدريس يمثل ذاكرة الصدمة الطفولية التي تنفجر لاحقًا في سلوك عنيف، بينما تجسد حليمة الجسد الأنثوي المحاصر بين العنف الأسري والرقابة الاجتماعية والتشدد، لتتحول إلى وعي منقسم بين الواقع والهلوسة. أما عبد القادر “المخ”، فيمثل العقل النقدي الذي يُقصى ويُوصم بالجنون، قبل أن يُغتال، في صورة رمزية لاغتيال العقل في زمن الفوضى. تحتل حليمة موقعًا محوريًا، ليس فقط كشخصية، بل كصوت سردي وشاهد على التحولات. من خلالها، نتابع تفاصيل الحياة اليومية، خصوصًا في مدينة وهران، ونرصد التحولات الاجتماعية والصدام بين القرية والمدينة. هذا الانتقال المكاني يعكس تحولات أعمق في الهوية، نتيجة النزوح الريفي والتغيرات الديمغرافية وما صاحبها من أزمات. لا تخلو الرواية من جرأة في تناول موضوعات حساسة، خاصة ما يتعلق بالدين والجسد والسلطة. غير أن هذه الجرأة قد تُفهم أحيانًا بوصفها انحيازًا أيديولوجيًا، خصوصًا في تصوير التيارات الدينية، الذي قد يبدو نمطيًا لبعض القراء، مما يحدّ من تعددية الرؤية داخل النص. في المحصلة، ينجح أمين الزاوي في تقديم عمل يتجاوز الحكاية إلى التأمل، ويحوّل التاريخ إلى تجربة نفسية معيشة. إنها رواية عن العنف في مستواه العميق، لا الدموي فقط، وعن آثاره التي تستقر في الإنسان طويلًا. ومن خلال عائلة تتآكل تحت وطأة الصدمات، يرسم صورة لوطن يعيش انقسامًا داخليًا حادًا، حيث يتجاور الحلم والجنون، والذاكرة والنسيان. ورغم قوة الأسلوب وجمال اللغة، فإن كثافة الرموز والإيحاءات قد تُربك القارئ وتُضعف ترابط المعنى أحيانًا، وربما كان ذلك مقصودًا لمحاكاة واقع مضطرب. لذلك يمكن القول إنها رواية جيدة جدًا، لكنها ليست متوازنة تمامًا؛ عمل قوي في لغته ورؤيته، لكنه مثقل أحيانًا برمزيته ومواقفه الواضحة، وهو ما يجعلني—على المستوى الشخصي—لا أراها الأجدر بالفوز بالبوكر 2026، خاصة وأن موضوعها، رغم أهميته، طُرح كثيرًا من قبل، وجاء هنا محمّلًا بنبرة أيديولوجية واضحة تقلّل من انفتاح النص
⭐️⭐️⭐️ مراجعة:شهيرة إبراهيم التركماني إبريل 2026
اقتباسات ✨ ❞ حين نتكلم عن أنفسنا بضمير الغائب نكون أكثر صدقًا وشفافية، حيث نضع بيننا وبين أنفسنا مسافةً للتأمل والتدقيق في التفاصيل التي يسكنها الشيطان، وهي أعمَق ما في حياتنا ❝ ✨ ❞ بعد أن انتهى من قراءة سيرة ابن خلدون، بدت له الحياة شبيهة بالغطاء القصير تسحبه لتغطي رأسك فتتعرى الأرجل، وتسحبه لتغطي الأرجل فيتعرى الرأس. تصبح علَّامة برأس مملوء بالفلسفة والتاريخ والأدب ولكن قدميك عاريتين للبرد، وقد تكون قدماك دافئتين تحت غطاء من قطن ولكن رأسك فارغ من أي معنى. عليك أن تختار إما تغطية الرِّجْلين أو الرأس؟ ❝ ✨❞ الحرب طويل أمدُها حتى ولو دامت يومًا واحدًا، ولكل" حرب مهما كانت فداحتها نهاية، تنتهي بتسمية منتصر فيها ومهزوم، تنتهي حرب لتبدأ أخرى، وأيام السلم هي استراحة بين حربين، والناس الأبرياء حطبُها ووقودُها. ❝ ✨"هل المرأة قادرة أن تخفي صورة امرأة أخرى في قلب العاشق؟ يحدث هذا في حركة القطارات بالمحطات الكبرى، فالقطار قد يخفي آخر، أما مع النساء، لا امرأة قادرة على إخفاء أخرى." ✨"غريب أمر الإنسان حين يكون الآخر مِلْك يديه لا ينتبه إلى الطاقة التي يمنحها وجوده فيه، وحين يفقده يدرك على الفور هول الخسارة وعمق الهاوية السحيقة التي ينحدر إليها في غيابه."
قرأتُ في أحد المصادر أن الفصام (كمرض نفسي) له جين مسؤول عنه وينتقل بالوراثة. ولكنه يكون في حالة غير مفعلّة في جسم حامله إلى أن يتعرض لحادثة تُيقظ هذا الجين فيصاب صاحبه بالمرض. وحسب البيئة التي تحتوي الشخص إما يتم السيطرة على أفكاره وسلوكياته ومعاناته أو تترك لتستفحل فيجن أو يتوهم أشخاص أو أصوات ويتنقل بين عدة طبقات من شخصيته.
عائلة مسعودة القارح وزوجها حميد النوري هي أسرة قروية بسيطة تمتلك كل مؤهلات العيش الهني لو هُيئ لها. زوجين متحابين وشخصياتهم معطاءة محبة للحياة مفعمة بالفرح والعمل، وثلاث أطفال في غاية الذكاء والتميّز.
إلا أن الثورة، تختار مجاهديها من الأخيار، وبرحيل حميد النوري إلى الجبال للجهاد يترك زوجته عرضة للافتراس وكان أول المفترسين صديقه الذي كاد له. تقتل مسعودة هذا الصديق في مشهد وحشي يشهده ابنها إدريس، وهي بداية الأحداث الفارقة التي ستقود العائلة بكل أفرادها للجنون. صدمات الطفولة التي لا تتعافى، لا تشفى.. وتظهر لاحقاً كمرض كالفصام الذي تجلى في أوضح صوره على شخصية الأخت حليمة.
يرصد الكاتب من خلال الشخصيات المختلفة لأفراد هذه الأسرة أحوال الجزائر في تلك الفترة السياسية العصيبة.
في الرواية راوٍ عليم لا نعرف من هو حكى عن حياة مسعودة القارح وإدريس ابنها البكر الذي جن، وكليهما شخصيات مهمة ومحركة للأحداث. إلا أن البطولة هي لأبني مسعودة الآخرين؛ حليمة وعبد القادر المخ، وكليهما من رواة الرواية. . في البداية لابد من توضيح رؤيتي للشخصيات: جين مرض الفصام موجود في مورثات هذه الأسرة ولكنه غير مفعّل، إلى أن يتعرض أحد الأفراد لموقف يفعّل هذا الجين... فيفقد قواه العقلية في مرحلة لاحقة بعد أن يُشهد له بالذكاء والألمعية والتفوّق الدراسي. . الشخصيات: إدريس:............ طفل متقد الذكاء ولكنه يشهد حادثة ذبح أمه لصديق والده وقطع الرأس وقد وضع أباه الجثة في كيس خيش وخرج به. في البداية تجاوز إدريس الحادثة إلا أنها مكثت في أعماقه تؤرقه إلى أن سلبت عقله. وعلى عادة أهل القرى سابقاً، يسرح المجنون في الشوارع فإما يكون لطيفاً بشوشاً يحبه الجميع ويعطف عليه، أو شرساً مؤذياً كحالة إدريس الذي أخاف كل أهل القرية إلا أن أذاه تجلى في أبشع صوره عندما حاول الاعتداء على أخته ليلاً وذبحها. وهذه الحادثة كانت المحرّك الأساسي ليتغير مسار حياة حليمة أولاً ولتفقد بدورها اتزانها النفسي لاحقاً. . حليمة: ...........فتاة جميلة ومتفوقة وذكية ولكنها ابنة المجاهد الشهيد ومسعودة الأرملة التي تعيش في غرفة مؤونة أخيها الأكبر. وحادثة اعتداء أخيها عليها لن تمر مرور الكرام في أجواء القرية التي باتت تراقب انتفاخ بطنها. تُرسل للعيش مع عمها في قرية أخرى وهي مرحلة فاصلة بين حليمة الذكية العاقلة وحليمة المنفصمة التي تهلوس وترى شخصيات غير موجودة وتسمع أصوات من نسج خيالها. يتجلى فصامها عندما تنتقل للعيش في المدينة مع زوجها الإسلامي المتشدد الذي يغيب عنها بالأيام أولاً ثم غيبة شبه كاملة. حليمة هي الرواي الأساسي في الرواية في سردها لأحوال الجزائر والتفاصيل اليومية لمدينة وهران والمقارنة بين القرية والمدينة. ترى حليمة أخيها إدريس في شتى تلفتاتها، تشعر بتربصه ومراقبته لها... وهو أمر مبرر مأخوذ من تجربة حقيقية مرعبة عاشتها معه. إلا أن الأمر يتطور لأن تذكر جارتها أمامها طفلين توأم فتسمع بكائهما في كل وقتٍ وحين. يختلط عندها ما يحدث حقيقة وما تتخيله حتى تتداخل الأزمنة والأماكن والشخوص. ولكنها ولاشك تقع في غرام مدير عملها الخباز الذي يعتبرها مجرد صدر حانن يشكو له حبة القديم. . عبد القادر المخ: وهو آخر من يفقد توازنة النفسي والعقلي بين الإخوة الثلاثة، أما الحادثة التي أفقدته رشده فهي انعزاله وتعرضه لما يشبه التنمر بعد أن شكوا في قواه العقلية. المشكلة أن سبب الشك هو أن له أخ مجنون ومعروف بجنونه. فكان أن تحوّل حلمه في أن يكون يصبح رئيس الجمهورية إلى شرارة الشك في عقله في مدرسة إعداد المعلمين. التهمة أولاً، ثم التشهير به، ثم نقله على أعين زملائه إلى مصحة عقلية وإتخامه بالأدوية والصعق الكهربي، وعودته منزوياً يتجنبه الجميع. كل ذلك كان كفيلاً في أن يضعه على خطى أخوته ليهلوس ويفقد عقله، إلا أنه كان أكثرهم تماسكاً. عبد القادر لديه شطحات الجنون الخاصة به بالطبع إلا أنه شاب ذكي وشغيل وناجح في النهاية.. استفاد من ورثة والدته ليفتتح مقهى وجعل المقهى علامة فارقة رفعت أسهم القرية وأصبحت معلماً ومقصداً. مشى عبد القادر، الراوي الثاني في الرواية، والذي رصدت حياته بدقة أكبر الجانب السياسي من الرواية بخطوات واثقة المعترك السياسي ضد الإسلاميين. إلا أن قدره أن يعيش في فترة كان الاغتيال مصير من يقف في وجههم. اغتاله صهره، وموته بدوره كان القشة التي قسمت ظهر البعير.. وأودت بعقل مسعودة القارح التي افتُتحت الرواية بنقلها في سيارة إسعاف، واختُتمت بتوجه سيارة الإسعاف إلى مشفى المجانين.
السرد:
المزج بين الواقعي والمتخيل هي سمة السرد الحديث... والتشظي هو عنوان عريض تندرج تحته كل أساليب وطرق الحبك التي يلجأ إليها الكتّاب لتنويع الرواة وخلط الحاضر بالماضي والواقعي بالمتخيل. أعتقد أن الكاتب لجأ لشخصيات فصامية لحل هذه الأزمة السردية. الرواية عنونت باسم منام القيلولة لأنها تشبه أحلام العصر بكل ما فيها من لا منطق وسوداوية واختلاطات.
لا أتوقع لها الفوز بالبوكر 2026 موضوع الرواية قديم وقد عفى عليه الزمن واستهلك حتى الإتخام. وهو معاناة الجزائريين بعد الإستقلال من الإسلاميين. مليئة بالأخطاء الإملائية لغة الكاتب الحقيقية وانتماءه واضح ومقروء ونمطي مما يقتل روح النص. فواضح مثلاً أن الكاتب علماني أولاً، ينظر لكل مسلم على أنه متشدد وإرهابي ثانياً، يكرر سرديات معروف أنها خلقت لتأجيج النفوس (ككل المحجبات شبقات، وهن بالذات من يمارسن الخلاعة في الحدائق) ثالثاً. والمشروب الكحولي مقترن بالشخص الذكي المثقف في العائلة الذي يكسر الأنماط وينطلق للحياة رابعاً.
مراجعة رواية "منام القيلولة" للكاتب الجزائري "أمين الزاوي". كتبها: حسين قاطرجي. القائمة القصيرة لجائزة البوكر 2026.
تتناول هذه الرواية فترةً قريبةً من تاريخ الجزائر المعاصر وهي ما اصطُلح على تسميتها "العشرية السوداء" وهي الفترة بين عامَي (2002-1991) عندما حقق حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزاً ساحقاً في الدور الأول من انتخاباتٍ تشريعية تعدديّة؛ أثار هذا الفوز حفيظة الجيش فألغى نتيجة الانتخابات ومنع تشكيل حكومة إسلامية؛ فاندلعت إثر هذا الانقلاب حربٌ أهليةٌ دامية استمرّت عشرة أعوام.
بين قريتي ينبو وأعنان الجزائريتين تبدأ الرواية بحكايةٍ مثيرة عن "لالّة مسعودة القارح" الزوجة النبيلة والوفيّة لزوجها "حميد النوري" والتي طمع بها "سليمان الأعوج" فاختلق قصةً تشوّه سيرة زوجها لتنبو عينها منه، لكنها رفضت هذا البهتان فذبحت "سليمان الأعوج" ذبح النعاج وانطلقت رفقة أبنائها الثلاثة إلى البيت الكبير لتعيش هناك في كنف سيدي مولاي "عبد الله القارح" رئيس فرقة مقرئي الجنائز.
يشهد ابنها "إدريس الغول" ليلة الذبح فيفقد عقله ويأتي بأفعالٍ مخزية ليس آخرها محاولاته المتعدّدة لذبح أخته "حليمة" دونما سببٍ واضح إلا غشاوة عقله واضطرابه.
تتزوج "حليمة" وتنتقل إلى "وهران" ويبقى خيال أخيها "إدريس الغول" يلاحقها ويصير هاجساً يعذّبها وينغّص عليها حياتها. وهناك تكتشف الفرق بين حياة الريف والمدينة وطبائع أهل الحضر والبادية، وعند هذا الجزء من الرواية وما خلفه نجد بلادة الكاتب (عذراً) في تقرير أفكارٍ مكرّرة مضى عليها زمان وزمان.
أراد الكاتب، وتحديداً في النصف الثاني من الرواية، إشهار علمانيته؛ فأسقط الرواية في فخ الأدلجة والتنميط فكرّر ماقيل ويُقال عن الجماعات المتطرفة وما يُكال إليها من اتهاماتٍ حول الشبق الجنسي والتحرّش بالأطفال، ثمّ ألحّ في تمجيد الخمرة وغيرها من السمات المعلّبة التي تحكي عن الجهل بدلاً من تفكيكه وتدلّ على عجز الكاتب عن النفاذ إلى جوهر الأشياء.
لا أنكر أنّ تعدّد الأصوات في الرواية أرهقني، وكنت أفضّل لو اكتفى الكاتب بصوت الراوي العليم لأنّ ذلك أخيرُ من أن تلقننا بعض الشخصيات التي تتناوب السرد دروساً في الاخلاق والسياسة مما يحيل النص إلى "منشور حزبي" مغلف بغلاف أدبي زائف.
استخدم الكاتب (لغة تبريرية) حيث تتحوّل البلاغة من أداة للكشف والبيان إلى أداة للتبرير والترويج، فتفقد اللغة عذريتها وتصبح مثقلة بحمولات غريبة عن جسد الأدب، ولأنّنا عرفنا غرض الكاتب من روايته (وهو تكرار التهم لجبهة الإنقاذ وتحميلها مسؤولية العشرية السوداء) فإنّ ذلك يُغيّب الدهشة وتصير الرواية مجرد سياقاتٍ حكواتية لاننتظر منها إلا أن تنتهي.
☆ مقتبسان من الرواية توضّح ماسبق:
¤ ❞ شيئاً فشيئاً دخلت البلاد في فوضى أمنية، ثم في تعددية سياسية غير ناضجة، نُظمت انتخابات بلدية جديدة وفاز الحزب الإسلامي بغالبية البلديات على المستوى الوطني، تقدم عبد القادر المخ للانتخابات كمُترشِّح مستقل فأُعيد انتخابه بأغلبية كبيرة، على الرغم من عمليات التزوير والتهديد وشراء الأصوات التي تعرَّض لها الناخبون من قِبل الحزب الإسلامي المهيمن. ❝
¤ ❞ اختفت المخلوقات التي كانت تعمر حديقة الحرية، وجاء آخرون رجالًا ونساء بألبسة غريبة فاستعمروها، نصبوا فيها بعض الخيام ورفعوا فوق سطح عمارتنا مُكبِّرات الصوت يتحدثون من خلاله لساكنة الحي، قائلين بلغة عربية فصيحة إنهم قَدِموا من القرى والمداشر لحماية الإسلام وإعادة البلديات الإسلامية إلى مستحقيها وتحرير المدن من رجس الكفار والاشتراكيين والشيوعيين والعِلْمَانيِّين، هؤلاء جميعًا يتزوجون أخواتهم.❝
إنّ الروائي الحقّ هو من يمنح شخصيّاته حق العصيان على أفكاره الشخصيّة، وهو من يقتحم منطقة الرمادي الفاصلة بين الأبيض والأسود أما الرواية المؤدلجة الغارقة في التنميط فما هي إلا جثة أدبية ولدت ميتة؛ وأنا هنا لا أعدّ (منام القيلولة) بكلّ هذا السّوء لكنّ حرص "الزاوي" على إثبات علمانيّته أدّى به إلى اغتيال روح النّصّ وجماليّته.
☆ من فضائل الرواية تمرير الكاتب لمفردات من المحكية الجزائرية تطعّم النص بجمالية اصطلاحات أهل البلد دون أن تتعب القارئ غير الجزائري، ومنها إتيان الكاتب لبعض العادات والتقاليد الموروثة المحبّبة التي تقرّب القارئ من بيئة الرواية.
وأهم ممّا سبق فإنّ الرواية تذكّرنا بعقدٍ أسود مرّ بتاريخ وطننا العربي لعلنا نحذر من تكراره ولايبدو أننا سنفعل. ذلك أنّنا نحن معشر العرب قلّ ما تعلمنا من دروس التاريخ وكأنّنا على ميعادٍ أزليٍّ مع النسيان، وها هي سورية تقف شاهداً عدلاً على فصولٍ مشابهة لعشرية الجزائر السوداء التي نقتات على ذكراها دون أن نهضم العبرة وكأنّنا مصابون بعُقم التعلم من دروس الأقارب ومِحن أزمنتهم ولانجيد إلا رسم الخيبات بذات اليد التي أضاعت الطريق.
● منام القيلولة ● أمين الزاوي ● دار العين للنشر ● الطبعة الأولى 2025، 256 صفحة.
انتهيت من قراءة الرواية مراجعتي و انطباعي الشخصي عنها 👇🏻
تدور الرواية حول تحولات المجتمع الجزائري عبر عدة مراحل تاريخية، تمتد من زمن الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 عام والاستقلال 1954 إلى سنوات العنف في التسعينيات العشرية السوداء 1992. يروي الكاتب التحولات التي طرأت على المجتمع من خلال حكايات أشخاص عاديين يعيشون في قرية "ينبو" ثم الانتقال إلى مدن مثل وهران وتلمسان. ومن خلال هذه الشخصيات رسم الكاتب صورة مجتمع عاش صدمات متتالية بين الحلم بالاستقرار والواقع المليء بالعنف. يبدأ الكاتب الرواية بمشهد مؤثر: نقل لالة مسعودة إلى مستشفى الأمراض العقلية بعد اغتيال ابنها عبد القادر المخ . هذا المشهد يكشف منذ البداية المأساة التي ستدور حولها الرواية. تظهر لالة مسعودة كامرأة قوية عاشت حياتها "فوق الجمر"، لكنها تنهار عندما تفقد ابنها. ومن الفصول التي اعجتني في الرواية قصة "حديقة الحيوانات" في مدينة وهران وموت الأسد مورو وضياع الحارس مولود الزين ولد الزين - ابو ارنب . فحين يموت الأسد يندهش الأطفال لأنهم لم يتخيلوا أن ملك الغابة يمكن أن يموت . هذا المشهد في رأي يحمل معنى رمزيا عميقا لانه يشير لسقوط كل المسلمات التي تربينا عليها ، وايضا يعكس حالة الحزن والانكسار التي يعيشها المجتمع. الرمزية في عنوان الرواية جاءت معبرة جدا لفكرة الكاتب وارى ان الكاتب كان موفق بشكل كبير في اختياره العنوان "منام القيلولة" وايضا عندما كرر الكاتب أن "القيلولة صلاة سادسة" اي ان المجتمع يعيش حالة بين النوم واليقظة، يحاول الهروب من واقعه القاسي عبر الحلم. في النهاية الرواية عمل أدبي غني بالأفكار والرموز، وقد نجح الكاتب في تصوير مأساة المجتمع الجزائري بطريقة إنسانية عميقة وبسخرية لاذعة. بعض المقاطع كانت مؤثرة وممتعة خاصة تلك التي تتناول حياة الشخصيات وعلاقتها بالمكان والذاكرة. لكن في بعض الاحيان شعرت بأن الرواية مثقلة بالرموز والإسقاطات السياسية كما أن كثرة الشخصيات وتعدد الاصوات و الحكايات جعلتني اجد صعوبة في متابعة أحداث الرواية. ووجدت القراءة في بعض الفصول مملة و صعبة احيانا.
نادرا ما اقرأ لروائيين غير مصريين.. فأنا أري ان الرواية هي ابنة المجتمع و شكل من أشكال تشريحه.. إلا ان هذه الرواية للكاتب الجزائري أمين الزاوي شدتني و اعجبتني بشدة ربما قرأتها بناء على ترشيح من صديق أو لإني رأيت على تطبيق أبجد أنها مرشحة لجائزة ما و الحقيقة أنها تستحق و بشدة عن المجتمع الجزائري و بدايات العشرية السوداء و سيطرة بعض الجماعات الأرهابية المتطرفة على المجتمع… رواية هي نوع من التشريح ايضاً و لكن للمجتمع الجزائري بداية منذ الجهاد و النضال ضد الإستعمار و نهاية ببداية التطرف و العنف من جماعات محسوبة على التيار الإسلامي أسلوب الكاتب شيق و جميل و الرواية تدور في اكثر من محور و حول اكثر من شخصية لالة مستعدة الأم و التي تحتضن أبنائها و تمثل الأصالة و ربما الفطرة.. أبنائها و كل يمثل ما آلت اليه الأحوال بعد الإستقلال إدريس الغول…حليمة المغلوبة على امرها و التي تساق إلى أقدارها بلا ادنى ارادة…عبد القادر الباحث عن ذاته و الطموح و المفكر و الذي لم يستوعبه مجتمعه و لم يفهمه و يعطيه حق قدره.. لا الذاهب عقله..نجا و لا المغلوبة على امرها و مسلوب الإرادة قدرت على النجاة..و لا حتى المفكر الطموح عندما يجتمع التطرف بالجهل بالعنف ….ينتهي كل شيء رواية اعجبتني
بلغة سردية مميزة كما هي كتابات امين الزاوي يروي لنا عن حقبة تاريخية مؤثرة من تاريخ الجزائر حيث بداية سيطرة الجماعات الاسلاميه علي المجتمع الجزائري و ذلك عبر شخصيات انسانية بالدرجه الاولي من خلال مزيج بين الواقعية و الخيال ليبين مدي تاثير هذا التغير علي مجتمع تتغير هويته و لم يلحق ان ينتهي من حكم استعماري كان له تاثيره هو الاخر. الراوية وصلت للقائمة القصيرة للجائزة العالميه للرواية العربيه ٢٠٢٦
نصٌّ يبدو كأنه لم يُصقل بما يكفي؛ أفكار مبعثرة، وبناء يفتقد التماسك، ولغة تحتاج إلى تهذيب أطول مما مُنحت. شعرتُ أن الرواية لم تكتمل بعد، وكأنها مسودة استعجلت الخروج. لم تلامسني… ولم أجد فيها ما يدفعني للبقاء.
في هذه الرواية التي وصلت للقائمة الثصيرة لجائزة البوكرالعربية لعام 2026 يحاول الكاتب ان يسرد تاريخ الجزائر من خلال عائلة القارح ولكن هذا السرد حمل بين طياته رموز كثيرة كانت غير مترابطة وتبدو انها مجمعة وتجعل القارئ يفقد تركيزه من كثرة الترميز الشخصيات مضطربة تعاني امراض نفسية لكن بين السطور كثير من المواضيع تم طرحها مثل معاناة المراة في زمنين الاول الاستعمار الفرنسي والثاني فترة الارهاب وسيطرة الاسلاميينمن ناحية اخرى امتاز بجرأة في كسر التابوهات مثل الدين والجنس والسياسة بالمجمل غرائبية المشهد والوصف وق��ت حاجز بيني وبين اعجابي بالرواية
رواية تدور أحداثها في الجزائر في فترة التسعينات أو ما يسمى بالعشرية السوداء ..
و لا أنكر أنني أحسست في بعض المواطن أن الرواية تاهت مني فلم أستطع استيعاب بعض الرمزيات و خصوصا المتعلقة بالحيوانات في الشقة أو الأطفال الرضع أو الجزء الذي استعرض شخصية "المخ" ..
فيها مشاهد مقززة نوعا ما و أحداث غير منطقية لم اتبين مغزاها لكن على كل حال رواية جيدة تحتاج لقراءة متأنية لتفكيك معانيها و استيعاب أفكارها ..