"التحرر لا يأتي دفعة واحدة، ولا بلون واحد. ليس له تعويضه سحرية ولا يستجيب لأي صفارات إنذار مهما علا صوتها،هو لا يخرج من الأرض جاهزًا، ولا يسقط من السماء كاملًا. هو لا يصنع كيفيًا، وليس بمادة تستورد من الخارج. ليس علاجًا يُحضر في المختبر، أو وجبة تُهيأ بالاعتماد على كتاب مجرب هو الأكثر مبيعًا في فن الطبخ،بل هو فسيفساء من الاقدام والأحجام، من الكلمات المكتوبة وتلك التي ظللت معلقة بين انفراجة الشفاه، من المحاولات اليائسة التي لا يعرف عنها أحد، ومن الأحذية الملونة المهترئة من الركض خلف الأحلام المستحيلة التي خبئت تحت أسرة الفتيات الصغيرات، من خصل الشعر المجعد التي شكلت قصصًا على شكل جدائل دفنت تحت الرمال، من السقطات المدوية في فضاء لا يتنقل الصوت عبره في رحلة تيه أبدية، من الضياع في غابات إستوائية كثيفة دون رفقة أو خريطة"
هنا "خزانة تغريد أبو شاور"، "حلم يارا زريقات"، "معبر دانا جودة"، "اغتراب ضحى ابو الزيت"، "زوايا رنيم أبو رميلة"، "استرداد علا خليل" و "مقاومة مريم الدجاني". هنا إفصاح وتصالح، بوح وتحرر، حديث لنساء من بلادنا، قدمت كل واحدة منهن، ما يُعري ملايين السيدات في العالم، في مجتمعنا خاصة، يفتح باب التساؤلات الذاتية لكل منا، حتى الرجال، وآه لو يقرأه رجالنا، علهم يقتربون من عالمنا، صراعاتنا مع أنفسنا ونحن ساكتات!
الكتاب أعمق وأهم من تلخيصه في منشور، إنما أردت الإشارة إليه، ف"الكلمة وسيلة للحرية والوجود" و "الكتاب محاولة للتأريخ عبر رواية تجاربنا المتجردة والحقيقية بوصفنا نساء، في إحداث وجود حقيقي لنا، يبدأ باعترافنا بمشاعرنا وصراعاتنا، ويمر بإعلاننا عن أفكارنا، وينتهي بتدوينها بالكتابة التي تدفع بالتاريخ قُدمًا، لأنها تتضمن صيرورة التحرك إلى الأمام، وبناء عالم شديد الاتساع" ولا أجدى الآن مسارعة الكتابة عنه، سوى مشاركة بعض الاقتباسات منه.
وحتى أني لوصف حالتي بينما أقرأه أيضًا اقتبس "تبينت ذاتي في تمزقات كل واحدة منهن، واكتشفنا معًا كم نتشارك جميعًا الجوهر ذاته، وإن تباينت ظواهرنا وأدياننا وأعمارنا وأصولنا وتواريخنا"
الإثنوغرافيا، علم منهجي يعتمد التفاعل العميق لدراسة ثقافة الإنسان من الداخل، تفهمه لذاته. وهذا الكتاب باكورة نتاج ورشة كتابية دعت إليها الصيدلانية والكاتبة مريم الدجاني، في ظلال مشروع (تجلي- Epiphany) لتعزيز وعي جمعي ينطلق من أفراد هن ركيزة المجتمعات.