تمر العربات محملة بالقش ويتطاير الدخان من مدائن الرماد التي يغمرها البؤس من أبعادها الأربعة؛ رؤى تحلق في عيني وأنا أبصر هذه المدائن التي تتلاشى في الضباب وأعمدة الدخان مخابئ يستوطنها الغجر، بيوت من الطين والصفيح بنيت بشكل عشوائي، على حافات المجن في قلب الهامش والنسيان جموع بشرية تتكدس في أكواخ مهترئة، كان قد تركها سكانها من البلغار إبان الحقبة الشيوعية التي حكمت بلغاريا في القرن الماضي واستوطن الغجر هذه الهوامش المترامية كانت رحلتي إلى مدائن الغجر أشبه ما تكون بالحلم ومازالت الصدمة ماثلة في داخلي من هول ما رأيت وعشت إذ إنني كنت قريبا منهم حد الانصهار! كنت أشبه ظلالهم العابرة في الهامش، وجدتني واحدا منهم دون سابق إنذار أتوغل في تفاصيل حياتهم اليومية، وأشاركهم مناسباتهم وهمومهم، وكلما تبادر إلى ذهني سؤال واستفسار كنت أسألهم وتزداد معرفتي بهم أكثر أمر في مساكن الغجر وصهيل الخيل يتعالى كشهقات الثكالى والمحرومين وكصرخات الأطفال الذين وطدوا علاقتهم بالأرض وهم يتوغلون بالتراب والطين ملابسهم الرثة المرقعة ووجوههم المضمخة بالسخام يركضون بمرح رغم ما يحيط بهم من بؤس.