في هذا الكتاب، يأخذنا إدغار موران، الفيلسوف وعالم الاجتماع ومفكر التعقيد، إلى قلب المفارقات التي تُحيط بوجودنا: المعرفة والجهل، النظام والفوضى، المحدود واللامتناهي. منذ عقود وهو يكشف لنا أن العالم لا يُفهم إلا عبر التناقضات، وأن العقل البشري يظل في دوارٍ دائم بين الوضوح والغموض. هنا، في سن السادسة والتسعين، يواصل موران منحنا مفاتيح لفهم مستقبلٍ يتأرجح بين الكارثة والانبهار، داعياً إيانا إلى الإبحار في محيطٍ من اللايقين، حيث لا تنفصل الأسئلة عن الإجابات، ولا يُفصل العلم عن الفلسفة. إنه درس في حدود معرفتنا، وفي قدرة الفكر الإنساني على مواجهة أسرار الكون والحياة والإنسان.
Edgar Morin (born Edgar Nahoum, 1921-2026) was a French philosopher and sociologist of the theory of information who has been recognised for his work on complexity and "complex thought" (pensée complexe), and for his scholarly contributions to such diverse fields as media studies, politics, sociology, visual anthropology, ecology, education, and systems biology. He held two bachelors, one in history and geography and one in law, and never did a Ph.D.
During his academic career, Morin was primarily associated with the École des hautes études en sciences sociales (EHESS) in Paris. Although less well known in the Anglophone world due to the limited availability of English translations of his over 60 books, Morin is renowned in the French-speaking world, Europe, and Latin America.
في حضرة موران مجددا. تنطلق اطروحته الحالية من فكرة مفادها انه لو قدر لنا فهم طبيعة مختلف مناحي الكون؛ وهو مايصير اكثر غموضا كلما تقدمنا في سبر أغواره، لما استطعنا ذلك دون وضعه تحت مجهر يرى كل مكوناته المتناقضة.
فلا المعرفة يمكن فهمها دون فهم الجهل الذي يترتب عنها، ولا الغموض يمكن فهمه دون فهم المعرفة التي تميط اللثام عنه، ولا العلم قابل للفهم في غياب الفلسفة. تتكون الحياة بالمتناقضات ومن المتناقضات، ويستحيل تبعا لذلك فهم ابعادها بمعزل عنها.
اختلافي الوحيد مع الكاتب يتمثل في ما قاله عن ان الإله، وليس الآلهة فقط، من اختراع الانسان ولولا وجود البشر لما وجد الإله، اي ان وجوده رهين بوجود من يؤمنون به. فهو جراء ذلك ينتفي وجوده حين زوال المؤمنين به. اذن لو كان كذلك، كما يزعم الكاتب، لانعدمت قدرة الله الحصرية على الخلق ولصار مخلوقا من قبل البشر، على مستوى إدراكهم، وفاقدا لصفة الألوهية ذات القدرات اللامحدودة. لكن هذا الأمر يتعارض مع الصفة المتعارف عليها والغالبة على تعريف الله لغويا، باعتباره خالقا لنا ومستغنيا عن وجودنا، ولاينتفي من الوجود بمجرد انتفائنا نحن المؤمنين به لأنه واجب الوجود.
وباستثناء هذا الاختلاف، فمحتوى الكتاب مفيد جدا وينفتح على افاق فكرية واسعة و رحبة.
«إن للعلوم طرفين يلمس كل منهما الآخر؛ الأول هو الجهل الطبيعي المحض الذي يوجد فيه جميع البشر عند الولادة. أما الطرف الآخر فهو ذلك الذي تصل إليه النفوس العظيمة، التي بعد أن مرَّت بكل ما يعرفه الرجال، تجد أنها لا تعرف شيئًا، وتجد نفسها في ذلك الجهل الذي بدأت منه: ولكنه جهل مكتسب يعرف نفسه». (بليز باسكال)
«من زادَ معرفتَه زادَ جهلَه » (فريدريش شليغل)
«الإنسان الذي لا يتأمل يعيش في العمى، والإنسان الذي يتأمل يعيش في الظلام». (ڤيكتور هوغو)
لا أزال أشعر بلذة الاكتشافات والإيضاحات، سواء فيما يتعلق بالكون أو بالتفاصيل الصغيرة للحياة اليومية. لقد أثار هذا بداخلي، بشكل متزايد، الدهشة ــ أحيانًا الدهشة، وأحيانًا أخرى الدوار ــ كوني على قيد الحياة، أمشي، وكوني تحت الشمس، وأشاهد القمر يرتفع في سماء الليل، أتأمل مجموعات النجوم، الصغيرة في عينيَّ، لكنها هائلة حسب معرفتي. كل ما هو واضح، وكل ما هو معروف يصبح دهشةً وغموضًا. تزداد دهشتي مع كل نظرة، مع كل إحساس. إنه ليس فقط غموض الحياة، والوجود، والواقع، بل هو أيضًا رؤوس المارة في الشارع، والأشجار، والحيوانات. لدي شعور قوي بأن ما هو غير مرئي مختبئ في المرئي. إنني أشعر بما شعرت به عقول كثيرة في حضارات كثيرة، وهو الشعور بحقيقة سرية، يجب البحث عنها بإصرار وزهد، حتى تأتي المبادرة التي تمنحنا في النهاية إمكانية الوصول إلى الحقيقة الباطنية. لكنني توصلت إلى إدراك أن هذه الحقيقة ستظل مخفية إلى الأبد عن وعينا. إن الذين يعتقدون أنهم قد وصلوا إلى هذا الأمر يخدعون أنفسهم بكلمة جوهرية تنير لهم الطريق. وبالإضافة إلى ذلك، فإنني أشعر بالاستغراب دائمًا عندما أسمع أولئك الذين يلوحون بالكلمة التي تبدّد كل الظلام: اللّٰه، المادة، الروح، العقل، الحتمية. أنا من أولئك الذين يدهشهم الكون، ولكنني لست من أولئك الذين يجدون فيه معنى أو يجدون له تفسيرًا منطقيًّا. كلما رأينا ما هو عقلاني، كان لزامًا علينا أن نرى أيضًا ما يفلت من العقل. يمكننا أن نتعجب من النظام المتناغم للقوانين الكونية، لكننا نتجاهل حقيقة أن كوننا عبارة عن لعبة متعددة من النظام والفوضى. وكما أكد (هيراقليطس) بشكل حاسم قبل خمسة قرون من الميلاد، فإن الانسجام والتنافر يتحدان، ما هو في حالة انسجام وما هو متنافر يندمجان معًا، وإذا لم يكن الصراع هو الأب الوحيد لكل الأشياء؛ لأنه لا ينفصل عن الاتحاد، فإن (إيروس) و(ثاناتوس) يكونان في تكاملية وعداء دائمين في آن. لا ينبغي لنا أن نجمّل الكون على الرغم من روعته، لا ينبغي لنا أن نعقلنه أيضًا، على الرغم من اتساقه، ودعونا نرى أيضًا ما يفلت من عقولنا. يعتقد البعض أنهم وجدوا سرّ الكون في خوارزمية عُليا. ولكن من أين جاءت هذه الخوارزمية، وهي نسخة رياضية مجردة للغاية للّٰه الخالق، والتي، علاوة على ذلك، لا يمكنها إلا أن تنتج النظام؟ قال (دوستويفسكي): «الإنسان لغز. لو قضينا حياتنا كلها في محاولة فهمه، لما أضعنا وقتنا». وأضاف: «أنا مهتم بهذا اللغز؛ لأني أريد أن أكون إنسانًا. لقد قضيت حياتي كلها منشغلًا ومهتمًا بالغموض الإنساني». إنه جزء من لغز أكبر.
:الفصل الأول المعرفة الجاهلة
نحن نعيش في مجتمع تتوسع فيه المعرفة، ولكن أيضًا مجتمع تتراجع فيه المعرفة. إن توسع المعرفة لا يُقاوم مثل توسع الكون. إن العقل البشري يفتقر القدرة على استيعاب واحتضان وتنظيم ضخامتها المتزايدة. إذا كان بإمكانه، من خلال القواميس والموسوعات والإنترنت والبيانات الضخمة، تجميعها، وإذا كان بإمكانه أو أمكنه «خوارزمية» بعضها، فلن يتمكن من احتضان الكل عبر هذا التوسع. حتى داخل تخصص مثل علم الأحياء الجزيئي، تتوسع المعرفة بسرعة، ولا يمكن الوصول إلى معرفة شاملة أو نهائية. يمكننا أن نقتصر على المعرفة الشاملة لجزء صغير من المعرفة، حيث، كما قال (ريمون آرون) سوف نعرف كل شيء عن لا شيء. هل معرفتنا محكوم عليها بأن تكون جزئية، أو على الرغم من أنها غير مكتملة وغير قابلة للاكتمال، هل هناك، بالنسبة لنا، البشر في القرن الحادي والعشرين، طريقة لاكتشاف المعرفة الأساسية وربطها، من أجل معالجة المشكلات الأساسية والعالمية؟ إن فهم المشكلات الأساسية والعالمية يتطلب ربط المعرفة المنفصلة والمجزأة والمقسمة والمشتتة. لكن تعليمنا يعلمنا فصل المعرفة، وليس ربطها، لكننا نحتاج إلى المعرفة القادرة على الربط. ولهذا السبب، وعلى مدى ثلاثين عامًا من العمل، تمكنت، استنادًا إلى مفاهيم صِيغت بالفعل، ولكنها لم تُستخدم بالشكل الكافي، ولم يتم تقديرها بالشكل الكافي، ناهيك عن تجاهلها، من تطوير طريقة لربط المعرفة مع بعضها البعض وجعلها متكاملة. يهدف المنهج إلى إدراك التعقيد، وليس الاكتمال؛ لأننا محكومون بعدم الاكتمال. إن المعرفة المعقدة لا تستطيع إزالة عدم اليقين، وعدم الكفاية، وعدم الاكتمال داخلها، ولكن لديها ميزة الاعتراف بعدم اليقين وعدم اكتمال معرفتنا وعدم كفايتها. إن توزيع المعرفة وتقسيمها إلى تخصصات متخصصة يزيل المشكلات الرئيسة التي تنشأ عند الجمع بين المعرفة المحصورة داخل التخصصات. وأيضًا تُزال الأسئلة الأساسية. إن جهلهم يحافظ على جاهلية تسود ليس فقط على معاصرينا، بل وعلى العلماء والخبراء أيضًا، جاهلين بجهلهم. إننا مدينون للتقدم في مجال العلوم منذ الفيزياء الكمومية، إلى علم الكونيات بعد (هابل) إلى علم الأحياء الجزيئي، وعلم الوراثة، وعلم سلوك الحيوان، إلى توحيد علوم الأرض وتطور علم البيئة، والاكتشافات والإيضاحات غير العادية حول الكون والأرض والحياة. لكن الإيضاحات العلمية الضخمة تخفي عنه عماه. إنه يجهل افتراضاته، التي أوضحها على الرغم من ذلك فلاسفة العلوم: (إدموند هوسرل)، (جاستون باشلار)، (كارل بوبر)، (توماس كون)، (بول فايرابن)، (ماريو بونغ)، (غيرالد هالتون)، (إيزابيل ستينغرز)، (ميشيل سير). إنه يجهل عماه الناتج عن الانفصال (الذي يفصل ما هو غير قابل للفصل بشكل طبيعي مثل الدماغ/العقل، الإنسان/الطبيعة) والاختزال (الذي يعتقد أنه يمكنه تفسير الكل من الأجزاء التي تشكله، في حين أن ينتج صفات غير معروفة للأجزاء). إنه لا يرى إلا فوائده ويروج لها، إنه أعمى، إلا في حالات قليلة، عن المخاطر الأخلاقية والسياسية الهائلة التي أحدثتها تطوراته الفيزيائية (الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الموت الشامل) والتطورات البيولوچية (مخاطر التلاعب بالأدمغة والتلاعب بالچينات). هناك ثقب أسود في نشاط وعقول العلماء عندما يتأكدون من امتلاكهم جداول للعقل. والأفضل من ذلك: أن التقدم المذهل للمعرفة العلمية كشف باستمرار عن طبقات أعمق وأوسع من الجهل؛ إن الجهل الجديد يختلف عن الجهل القديم الذي يأتي من عدم المعرفة؛ الجديد ينبع من المعرفة نفسها. لقد تم إحياء الألغاز القديمة، مثل طبيعة واقعنا، من خلال الفيزياء الدقيقة والفيزياء الفلكية. لقد كشف التقدم في مجال الفيزياء الدقيقة عن حقيقة فرعية في أسس كوننا؛ حيث اختفى الزمان والفضاء والمكان. لقد أغرقنا التقدم في مجال الفيزياء الفلكية في لغز الأصول، وكشف ليس فقط عن غرابة الكون، ولكن أيضًا عن عدم إمكانية رؤيته بنسبة تزيد عن 97 %. ويُعتقد حاليًا أن مادته لا تشكل سوى 4 % من واقعه، وهو ما تتقاسمه المادة المظلمة والطاقة المظلمة؛ حيث تم اكتشاف هذه الأخيرة أو افتراضها من خلال قوة تمددها. وأخيرًا فإن تقدم المعرفة يؤدي إلى جهل جديد وعميق للغاية؛ لأن كل التقدم في علوم الكون يؤدي إلى المجهول: عدم معرفة الأصل إذا كان هناك أصل، وعدم معرفة النهاية إذا كانت هناك نهاية، وعدم معرفة جوهر الواقع. هذا هو معنى مغامرتي الحالية: أن أجوب حدود المعرفة لأستوعب وأشعر بعدم الانفصال بين المعرفة والجهل والغموض.
الفصل الثاني : الواقع
كل شيء واقعي وليس واقعيًّا واقعي وغير واقعي في آن لا واقعي ولا غير واقعي هذا هو درس السيد (بوذا). *الفيلسوف (ناجارچونا) نقلًا عن (فريدريك نيف)
أجمل الوهم هو أن نعتقد أننا نعيش في عالم واقعي والعكس صحيح. *(موريس شابيلان)
إن الواقع هو انحراف عن عن الممكن. *(بيير أندريه تيرزيان)
إن واقعنا هو واقع عالم ثلاثي الأبعاد؛ حيث توجد الأشياء والأنشطة، وتجري فيه الأحداث في الزمان والمكان. فهو يتكون من المادة والطاقة والمعلومات. على الرغم من الشعور الواضح بواقعنا، أي واقع وجودنا الشخصي، واقع أحداثنا، واقع طبيعتنا، أرضنا، عالمنا، الزمان والمكان، إلا أننا نشعر أحيانًا بعدم واقعية واقعنا. الفكرة قديمة وقد صِيغت في مناسبات عديدة. وفقًا للفكر الفيدي، فإن واقعنا سيكون مايا (عالم الأوهام). وفقًا للفكر البوذي، سيكون سامسارا (عالم المظاهر). في الغرب، رُوّج لفكرة أفلاطون، تلك الفكرة التي تقول بأننا لا نعرف عن الواقع سوى ظلال، بطرق مختلفة. لقد ظهرت فكرة أن الحياة عبارة عن حلم مرارًا وتكرارًا في ثقافتنا، ولا سيما مع صياغة (شكسبير) في مسرحية العاصفة: «نحن مصنوعون من مادة الأحلام». لقد وصل (ليوباردي) إلى هذا الانقلاب المنطقي: «إنه أمر سخيف، ولكنه صحيح تمامًا أنه بما أن الواقع ليس شيئًا، فلا يوجد شيء حقيقي وجوهري في العالم سوى الأوهام» (زيبالدون). وبطريقة أخرى، فإننا نعلم، منذ (كانط)، ما أكدته المعرفة العلمية حول الدماغ البشري، وهو أن إدراكنا للعالم الخارجي تنتجه بشكل مشترك القوى التنظيمية للدماغ. هل الواقعي هو تجسيد لواقع ليس مصنوعًا من أشياء ولكننا «نشيّئه»؟ هل الواقع شبه خيالي؟ على أية حال، لا يمكننا أن ندرك الواقع إلا من خلال تمثيلات وتفسيرات. اقترح (كارل بريبرام) أن دماغنا يحول إلى صور ثلاثية الأبعاد (أو صور بارزة) واقع «مكون فقط من موجات ترددية». لكن تُترجم هذه الموجات إلى لغة علمية مستوى ملاحظة يشبه مستوى الأشعة السينية التي ترى العظام فقط وليس اللحم. الموجات الترددية هي أيضًا شيء آخر غير موجات التردد. ومن هنا جاءت فكرة بناء تمثيل الواقع بواسطة العقل (چان لوي لومواني). ويُضاف إلى ذلك فكرة البناء الاجتماعي للواقع، التي استكشفها علماء الاجتماع (بيتر بيرغر)، (توماس لوكمان)، (كلاوس كريبندورف). وهكذا فإن واقع العالم الخارجي هو واقع مؤنسن: نحن لا نعرفه بشكل مباشر، ولكن من خلال عقلنا البشري، بناؤه ليس فقط من خلال إدراكاتنا وفيها، ولكن أيضًا من خلال لغتنا وفيها، ومن خلال نظرياتنا أو فلسفاتنا وفيها، ومن خلال ثقافاتنا ومجتمعاتنا وفيها. من ناحيتي، أنا من أتباع نظرية البنائين المشاركين، وأعتقد أننا نبني، على المستويات النفسية والاجتماعية والتاريخية، ترجمة لواقع خارجي بالنسبة لنا. علاوة على ذلك، فإن واقعنا الإنساني منسوج من الخيال: أحلام اليقظة، والاستيهامات، والخيالات، والهواجس، والأمنيات، ورواياتنا، وأفلامنا، ومسلسلاتنا التلفزيونية، وترفيهنا، كلها مكونات مشاركة في واقعنا الإنساني. أثناء نومنا، نضفي على أحلامنا واقعًا، وفي الصباح فقط ننتزعه منها. في السينما، نضفي واقعًا قويًا جدًّا على الشخصيات ومغامراتها، وفقط ضوء ليلي صغير في أذهاننا يذكرنا، أثناء العرض، أننا مجرد متفرجين على كرسي بذراعين. علاوة على ذلك، فإن واقعنا البشري ينتج أساطير، وآلهة، وأيديولوچيات نمنحها واقعًا أسمى من واقعنا، أو حتى بالنسبة للآلهة، نمنحها واقعًا أسمى، على الرغم من أنه من إنتاج عقولنا. إن واقع أساطيرنا، وآلهتنا، وأفكارنا تظل رهنًا بجماعات العقول التي تغذيها. وهكذا تموت الآلهة، وتتلاشى الأساطير، وتمر الأفكار: إن واقعه المطلق بالنسبة للمؤمن يزول مع المؤمن، ولكنه كان مطلقًا في الإيمان. إن ما ينطبق على الآلهة ينطبق على الأفكار، وخاصة الأيديولوچيات العظيمة التي تتمتع بواقع أسمى يثير الإيمان المتقد: فالشيوعية كانت في الواقع دين الخلاص الأرضي، والذي، مثل كل الأديان العظيمة، أنتج أبطالًا وشهداء وجلادين. نعتبر خيال الآخرين غير واقعي، على الرغم من أنه واقعي جدًّا بالنسبة لهم، من دون أن ندرك أن واقعنا يتضمن، في جوهره، الخيال. إذا كان بإمكاننا الشك في واقع العالم المحسوس، فهل يُمكننا القول إن حصن الواقع المُطلق يكمن في يقين الذات، الذي يتجلى في التأكيد المُطلق لـ«أنا هو»، أي ليس فقط «أنا إنسان»، بل أيضًا «أنا هو أنا»، ذات حية تُؤكد ذاتها وتضع نفسها في مركز عالمها؟ ومع ذلك، يحدث أن يضعف واقع «الأنا» من خلال الواقع الأعلى لـ«نحن»، الذي يُصبح حينئذٍ واقعًا، كما في تجاربنا المشتركة لاندماج الذات في «نحن» اللقاءات النارية، «نحن» مباريات كرة القدم، «نحن» الراقصين المحمومين، «نحن» المواجهة بالجسدية من أجل الحب. في كلٍّ منا، أحيانًا تغرق الـ«نحن» أو الـ«أنا». تغمر الـ«أنا» في طقوس التملك؛ حيث يُصبح الشخص مسكونًا بـ«أوريشيا»(أرواح الآلهة)؛ ويبدو وكأنه يتلاشى من خلال سموه نفسه، مما يقوده إلى النشوة والاندماج والالتباس بين الذات والـ«أوريشيا». إن الحصن الأسمى والأخير لواقعنا يكمن، بالنسبة لكلٍّ منا، في قلب معاناتنا، ومتعتنا، ومسرتنا، وحبنا، وخوفنا، ورغباتنا. من هذا المنظور، تبدو مشاعرنا الذاتية المُعاشة أكثر واقعيةً لنا من أي شيء آخر. بالنسبة لنا نحن ــ البشر ــ، تُشكّل العاطفة، وهي الذاتية بحدّ ذاتها، نواة واقعنا الصلبة. «كل شيء يتدفق Ta panta rhei»، كما قال (هيراقليطس) كل شيء زائل، كما قال المتيقظ أو المستنير (لقب بوذا). بالطبع، واقعنا هش، مُقدّر له أن يتطور ويختفي، ولكنه، على وجه التحديد، يبدو لنا أكثر قيمة؛ لأنه زائل: نشعر أن أثمن ما في الواقع هو الأكثر هشاشة ــ الجمال، والخير، والحب.
*
لا تُنكروا على العالم طابعه المُقلق والمُلغز. (فريدريك نيتشه)
الحياة ذكية، بارعة، مبدعة، رائعة، مليئة بالمعنى، وفي الوقت نفسه، غير مفهومة، عبثية، لا معنى لها، وفظيعة. تنظيم الكائنات الحية تحفة فنية في التعقيد، لكن الحياة جنون محض. نتمنى بشدة أن نجد معنى للحياة، ولكن إن وُجد معنى فهو ليس بالمعنى الذي نفهم به كلمة «معنى»، بل هو مختبئ في أعماق الجنون. المعنى الوحيد للحياة يكمن في غايتها: أن نعيش من أجل العيش، وهي غاية لا يمكن العثور على معناها. أعيش أكثر فأكثر بوعيٍ وإحساسٍ بحضور المجهول في المعلوم، وباللغز في المألوف، وبالسرّ في كلّ شيء، ولا سيما بتقدّم جهلٍ جديد مع كلّ تقدّم في المعرفة.
J’avoue ne pas comprendre le flot d’éloges pour la pensée d’ Edgar Morin. À moins que le livre par lequel j’ai commencé ne soit près représentatif. Au moins il était court. Mais j’avoue ne pas accrocher à la sur-utilisation de phrases et expressions volontairement compliquées pour exprimer des choses sommes toute assez simples et exprimables plus clairement. Je n’accroche vraiment pas aux raccourcis qui présentent l’existence d’ un être supérieur comme seule explication possible à des « émergences » mieux expliquées autrement par la science en l’état actuel. Et quand il s’agit de biologie, il y a des raccourcis, et des interprétations fausses de ce qu’on l’on sait actuellement qui sont choquantes et font planer un doute sur la valeur intellectuelle de l’ensemble.
الواقع معقّد لن تفهمه، تركيبة الوجود هي الصيرورة فالثبات وهم لغوي وذهني، وهذه الحركة المعقدة مادتها التناقض والصراع؛ وبالطبع لابد أن يقال "لا وجود لمعنى فنحن نعيش لأننا نعيش". تفضّل مبروك عليك فلسفة هيراقليطس "لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين" بنكهة فرنسية ما يحتاج تدفع قيمة وقتك ومالك لأجل كتاب تكرر فيه لفظة معقّد أكثر من خمسين مره. فيه كتب جادّة ومنهجية لإدغار موران، وفيه كتب تجارية..هذا كتاب تجاري.
Una lettura che consiglio in questo momento storico. La visione di Morin può sembrare, a tratti, un po' fantasiosa ma sicuramente offre importanti spunti di riflessione e una prospettiva interessante sullo sviluppo dell'umanità.
الجهل بالنسبة للمعرفة؛ ليس ضدّها البعيد. بل هو جارها اللصيق، و سرّها العميق. فالجهل هو حدّها الذي تُعرّف به، والغموض الذي يسكن قعرها كلما غصت إليه. وهذا الكتاب هو تجوال فيلسوف على تخوم المعرفة، يتحسسّ الجهل ويحاول التعرّف إليه. هو –كما وصف- حامل المصباح (أو عود الثقاب) الذي يضيء في العتمة، فيكشف تغوّل الظلمة وعظمها. كتاب فلسفي سهل التناول؛ فيه دعوة للاعتراف والتصالح، بل والاحتفاء باللايقين، واللا-اكتمال، وبالجهل لازماً للمعرفة، وبالغموض حليفاً للوضوح.
Comprei o livro pelo título, mas me surpreendi positivamente com o conteúdo. São assuntos leves e de respostas impossíveis e o autor te oferece caminhos e raciocínios seguros pra seguir. Pelo menos eu me senti confortável com eles :)
كتاب فلسفي سهل تنتهي منه بجلسه او جلستين يدعو فيها الى التامل وان الكون والمعرفه به تبدا بداخلنا لكن الكاتب اعتقد كان يحمل الكثير من الافكار لذلك الكتاب كان مزعج شوي اشعر كانه كتاب كتب لشيء تجاري -دش معلومات- ولكن لاباس فيه قد تخرج منه بكم فائده عن هذا الكون الواسع