يحدث كثيرًا أن يجتمع شخصان على حُب فتاة، دون أن يدركا أن الأمر مدبَّر، وأنه لا يعدو كونه مجرد انتقام وغضب، فتَنقلب حياتهما رأسًا على عقب. من خلال سرد رائق وجميل، تقدِّم الرواية دراما كاشفة عن ذات معذَّبة تهفو إلى معرفة الحقيقة، وترسم بعناية خطوات قلب يبحث عن الحياة بعد فراره من الحرب والوجع، وهجرته إلى الشمال حيث منبع النهر، وحيث تختلط الحكايات بالخرافات والقوة بالسلطة. هناك، يتورَّط في قصة مع شخص آخر يطارده كظله، لتتضح لنا الحقيقة بأن الصمت ليس مجرد رداء تُدفن فيه الأسرار وتُختبر البراءة، بل خيار لا يمكن لأي رحلة أن تنأى عنه، مهما امتدت المسافات. بين الحدود والسـدود، بين السـلطة والنفوذ، وبين الحب والانتقام… تتقاطع الطُّرق كما تتقاطع الأنهار، بعضها يجري هادئًا، وبعضها يفيض بالغضب والطوفان، ويبقى السؤال: ماذا يختبئ وراء طيات الرداء الأخير للصمت؟
اسم العمل: رداء أخير للصمت المؤلف: عبير حامد النوع: رواية_ نفسي_ اجتماعي صادر عن: عصير الكتب عدد الصفحات: 247
العائلة هي رقم واحد في حياة أي إنسان عاقل، وما بعدها يمكن تعويضه. الحرمان من أي فرد منها يؤثر بشكل سلبي على الصحة النفسية للفرد، حتى لو فقد المنزل نفسه أو جدرانه أو أثاثه، كلها تؤثر بشكل أو بآخر.
تبدأ الرواية بجريمة اختفاء لسيدة تُدعى ليلى، أبلغ عن اختفاءها زوجها علي بعد ارتيابه من غيابها، فلا توجد خلافات تؤدي إلى خروجها من البيت كل هذا الوقت، كما أنهما احتفلا بعيد ميلادها الثاني والثلاثين ليلة اختفاءها. فيا ترى أين يمكن أن تكون، ربما اختفت أو ربما اخُتطفت والأسوأ أن تكون قد قُتلت.
نعود بالذاكرة للوراء لنتعرف بشكل تفصيلي على علي وحياته في بغداد قبل رحيله إلى تركيا، وكيف وصل وتعرف على زوجته ليلى. لقاؤه ب عمار صديقه، هل هو محض صدفة أن يقابل ابن بلده في الغربة، أيُعقل أن يتشابها في الاسم ولو مصادفة، لا أحد يعلم.
الزواج ليس قيد يوضع في يد الزوجة، فكل أحلامها يمكن أن تتحقق مع رجل يجعلها في أعلى المراتب، وإن كان زوجا قاسيا لا يلين، فالعقل يرجح أن تتفق على مستقبلها معه قبل عقد القران، ليكن كل شيء على نور من البداية، لا يغريكِ فرحة البدايات والكلام المعسول والهدايا فما بعد الزواج أنت من تخططينه لكنكِ دون أن تدري تتنازلين عنه بمنتهى البساطة.
يحدث أن يحب فتاة شخصان في نفس الوقت، لكن كلا منهما لا يعلم بحب الآخر، لكن الأغرب أن يشعر الاثنان بالحب المتدفق من الفتاة، ويكأن هناك خدعة لا يراها أحد، إن كان قلبها لفلان فبالتأكيد لن تحب أحدا غيره مهما حدث.
احيانا يكون الوقت عبء على مواطنيه، حينما يفكر ابناؤه في الهجرة فالوطن لا يسهم وقتها، التجنيد الاجباري في العراق والخوف من جماعة داعش آنذاك هو ما دفع شخصية علي وعمار على الرحيل، وإلا ماتو بالبطيء.
الصحة النفسية للأطفال شيء مهم جدا ابتداء وانتهاء، فما يرونه ينعكس في كبرهم، الطفل الذي يحيا مع اب قاسي لا يعرف سوى الصراخ والضرب وايذاء أطفاله سواء عن قصد أو دون قصد، لا تنتظر أن يحملك الطفل حينما يكبر، فذاكرته حفرت بشكل كبير كل الاحداث السيئة التي مر بها.
سرد قصصي لاحداث مميزة، بداية تشويقية لحادث اختفاء، صدمة العقل منذ البداية، العودة لبداية الحدوتة، قد تشعر بالملل أولا، لكنه وضع طبيعي لإيضاح الصورة النهائية التي وضعتها بشكل مسبق. تصاعد الأحداث بشكل بطيء نسبيا، الحبكة وضعت بشكل مبدأي في الحدث الأول، وهو ما يجعل القارئ في شوق لمعرفة الحكاية كاملة، وكل فرد بداخلها.
شخصيات وضعتهم الكاتبة في إطارهم الصحيح، والحالة النفسية لكل منهم تكاد تكون عاصرت الأحداث بنفسك أو شعرت بما شعروا بما من مشاعر مختلفة ومتباينة، لدرجة أن تحب وتكره نفس الشخصية وتتعاطف معها أحيانا.
نهاية مقبولة لأحداث جيدة، توقعت أن تكون أقوى لكنها مرضية إلى حد كبير، اختيار غلاف مع عنوان جذاب وبديع في الوقت نفسه.
رواية ناقشت عدة قضايا مهمة للغاية، وسلطت الضوء على جوانب نفسية في شخصيات نعيش معها وربما نكون إحدى الشخصيات في وقت ما كان أو سيكون، باستخدام لغة عربية فصحى جيدة ومناسبة وبأسلوب قصصي مقبول يضعه في مكانة لدى قرائه وربما من يود إعادة قراءته يوما ما.
مراجعة لرواية "رداء أخير للصمت" للكاتبة "عبير حامد الصادرة عن دار نشر @عصير الكتب
- استهلال -
.. "يُمضي الإنسان النصف الأول من حياته وهو ينتظر من والديه أن يفهموه، ويُمضي النصف الثاني وهو يحاول أن يغفر لهما."..
حين أدرت الصفحات الأولى لرواية "رداء أخير للصمت" للكاتبة عبير حامد .. أدركت فوراً أنني لن أدخل إلى عالمها غريبة.. خاصة وأنني كنت قد تذوقت من قبل عذوبة ونضج قلمها في "ظننته فيصل".. بل دخلت محملة بيقين مسبق أنني أمام رواية لن تمر مرورًا عابراً، بل ستترك في روحي "أثراً" غائراً يمتد طويلاً بعد إغلاق الصفحة الأخيرة. .. . فالصمت في هذا العمل ليس مجرد غيابٍ للكلام، بل هو النتيجة الحتمية لصرخات طويلة ومكتومة استمرت لسنوات حتى بُحّ صوت أصحابها، فاختاروا الارتداء بالصمت كدرع أخير لحماية ما تبقى من شظايا أرواحهم....
تأخذنا الكاتبة في هذه الرواية إلى واحدة من أعمق وأعقد القضايا الإنسانية والنفسية، منطقة شديدة الحساسية والوعورة: "عقوق الآباء للأبناء".. . . البيت في هذه السردية إما أن يكون "المصنع الأول للترميم" أو "الموقع الأول للصدمة"، ومن هنا تشرح عبير حامد "سيكولوجية الندبة الوالدية" في سردية مذهلة تمزج بين المأساة الذاتية للأفراد والمأساة الجماعية لوطن بأكمله.
1. الفلسفة المركزية.. عقوق الآباء ومصنع الهشاشة النفسية الإنسان ليس سوى "ذاكرة متحركة"، والطفولة ليست مرحلة زمنية نمر بها ونتركها خلفنا، بل هي الأساس البنيوي الذي نقف عليه طوال عمرنا. عندما يقسو الآباء، هم لا يربون أبناءً أقوياء كما يظنون، بل يبنون جدراناً نفسية هشة، ويزرعون قنابل موقوتة من القلق، الشك، والشعور الدونية.. .. . نحن لا نولد بصفحة بيضاء تماماً، بل نولد بصفحة يكتب فيها الآباء السطور الأولى، وتلك السطور هي التي تحدد كيف سنقرأ بقية كتاب حياتنا...
تلك العقد النفسية التي تظهر في سن النضج ليست سوى "صدى" لصرخات صامتة كُتمت في سن الخامسة والسادسة. نحن بالفعل انعكاس لما عشناه؛ فمن نشأ في بيئة من النقد القاسي أو الجفاء العاطفي، سيقضي عمره إما خائفاً من الاقتراب أو لاهثاً خلف أي اهتمام عابر. القسوة الوالدية تُحدث شرخاً في أقدس مفهوم للأمان، فالأب والأم هما "نسخة الطفل المصغرة عن العالم"، فإذا كان العالم الأول قاسياً ومرفوضاً، كيف يمكن للمرء أن يثق في بقية العالم؟
2. التأصيل الشرعي والإنساني لجناية الآباء في الموروث الثقافي، رُسخ مفهوم "بر الوالدين" كفرض مطلق (وهو كذلك حقاً)، لكن تم إغفال الوجه الآخر للعملة .. أن البر عملية متبادلة، تبدأ من الأعلى إلى الأسفل. الإسلام لم يغفل هذا أبداً، بل أسس لمفهوم "جناية الآباء"، ولعل الأثر الإسلامي الأبرز يتبدى في قصة الرجل الذي جاء إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يشكو عقوق ابنه، فلما سأل عمر الابن، قال الولد: "يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟" قال: بلى، "أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب". فقال الابن: "إنه لم يفعل شيئاً من ذلك"، فالتفت عمر رضي الله عنه إلى الأب وقال كلمته الخالدة التي تصيب كبد الحقيقة: "جئت تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك!" حتى المنظور القرآني حين أمر بالبر، قرنه بـ "الرحمة" الناتجة عن التربية، فقال تعالى: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»؛ فكلمة "كَمَا رَبَّيَانِي" تحمل دلالة السببية الإلهية، فالرحمة والبر في الكبر هما النتيجة الطبيعية للرعاية والاحتواء في الصغر. وفي آية أخرى يحذر الله الآباء من الغلظة التي تدفع الأبناء للتهلكة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا»، فالقسوة تولد النفور، والنفور يولد الضياع.
من خلال هذا الثلاثي، نرى تجسيداً حياً للفكرة النفسية "نحن لسنا سوى انعكاس للمعارك التي خضناها في منازلنا الأولى"..
عمار (الضلع الأكثر وجعاً وتأثيراً) هو الشخصية الأكثر قُرباً وتأثيراً في قلبي.. عمار ليس مجرد حبر على ورق، وإنما هو صرخة كل طفل طُحن بين رحى القسوة والجفاء .. . ما عاشه وشاهده في طفولته كان فوق طاقة الاحتمال، لم يكن مجرد أحداث صعبة بل كان هدماً ممنهجاً لأمانه الداخلي... هذا الوجع صاغ شخصيته في الكبر؛ فجاءت خطواته مثقلة بالخوف، وعلاقاته محكومة بالترقب. الارتباط بعمار عاطفياً ينبع من رؤيتنا فيه كـ "ضحية نبيلة" تقاوم التشويه، ونتألم معه لأن نضجه جاء مغمساً بالدموع والندوب التي ترفض أن تندمل...
ليلى (عقدة "غير المرئية" و"ليست كافية"): تمثل ليلى الضحية الصامتة لخلافات الكبار... المشاحنات المستمرة والحروب المشتعلة بين أهلها جعلتها تكبر وهي تشعر أنها تفصيلة غير مرئية في مشهد صاخب، لأنهم ببساطة لم يكونوا يراعون وجودها. هذا التهميش الوالدي زرع في عمق ليلى متلازمة "أنا لست كافية"، فكبرت تبحث عن القيمة والقبول في عيون الآخرين، وعانت من هشاشة نفسية تجعل أي ريح عابرة قادرة على كسرها، لأن جذور الثقة بالنفس قُطعت في مهدها.
علي (بر الأمان والأمومة كطوق نجاة) على الجانب الآخر، يأتي "علي" ليثبت لنا قانوناً نفسياً عظيماً: "إن وجود شخص واحد يمنحنا حبّاً غير مشروط في طفولتنا، كفيل بأن يحمينا من الجنون ويضمن سلامتنا النفسية". لقد تبهدل علي في الرواية وتجرع مرارة القسوة، ولولا وجود "أمه" كبر أمان ملجأ جدار استند إليه، لكان زمانه ضاع في دهاليز الانكسار... الأمومة هنا لم تكن مجرد صلة قرابة، بل كانت خط الدفاع الأخير عن إنسانيته وصحته النفسية.
سوسن (الأم، الحماية، والسند) إذا كان "علي" قد نجا من دهاليز الضياع، فإن الفضل كله يعود إلى هذه الأيقونة؛ سوسن... سوسن ليست مجرد أم في رواية، بل هي تجسيد حي لـ "الأمومة المحارِبة"... هي المرأة التي كافحت، تعلّمت، وتسلّحت بالوعي لتكون خط الدفاع الأول عن ابنها... لم تقف سوسن متفرجة على قسوة الواقع، بل انتفضت في النهاية ودافعت عن ابنها بكل ما تملك من قوة حتى انتزعت له حقه. .... لقد أحببتُ سوسن بصدق، وشعرتُ طوال القراءة بقربها الشديد من روحي، لدرجة أنني رأيت فيها ملامح أمي رحمها الله وغفر لها ؛ ذلك السند الحقيقي الذي لا يميل، والحماية التي تحوطنا لتنقذنا من قهر الظروف. سوسن أثبتت في الرواية أن الأمومة ليست مجرد لقب، بل هي "بر الأمان" الذي ينتشل الأبناء من الضياع، والمصل الواقي الذي يحميهم من سموم الجحود الوالدين (المتمثل في حسين) ... لولا سوسن، لكان علي ضلعاً منكسراً آخر في هذا المثلث، لكنها كانت الجدار الذي استند عليه ليقاوم وينتصر...
5. الأب الجاحد "حسين التميمي" رمز للمقصلة " يأتي حسين التميمي في الرواية كأقسى وأسوأ مثال للأبوة، إنه تجسيد حي لـ "للوالد الجاحد ". شخصية رُسمت ببراعة فائقة تجعل القارئ يشعر بالاختناق من مجرد حضوره في السطور.. .. . حسين لم يمارس دور الأب الحامي، بل كان هو "الخطر" والتهديد الذي يهرب منه الأبناء، والعدو الأول لأرواحهم، والمعول الذي يهدم البيت فوق رؤوس ساكنيه عوضاً عن أن يكون عموده الساند...
.. التماس الذكي مع حروب العراق وموت صدام وهو ما رفع قيمة الرواية من وجهة نظري وجعلها عملاً أدبياً رفيعاً.. تلك التوليفة العبقرية في دمج "التاريخ العام بالدراما الخاصة"... فالأبطال يتنفسون في فضاء العراق؛ هذا الوطن المحمل بالحروب والتقلبات الصادمة على مدار السنين التي عاصروها. الكاتبة لم تقع في فخ "المقحَم التاريخي" أو سرد الأحداث السياسية كأنها تقتبس من كتاب تاريخ، بل جعلت الحرب والتحولات الكبرى بمثابة المناخ العام الذي يصوغ مصائرهم بسلاسة متناهية وبشكل حلو غير محشور..
الحرب كانعكاس للانكسار الداخلي الحروب الخارجية كانت تتقاطع مع الحروب الداخلية التي يعيشها الأبطال في منازلهم؛ فبينما كان الوطن يتشظى بفعل الصراعات، كانت أرواحهم تتشظى بفعل جحود الآباء. هذا التماهي جعل الخطر مركباً،، خطر يهدد الحياة في الخارج، وخطر يهدد الأمان بالداخل.. و الحديث عن فترات التحول وموت صدام حسين لم يأتِ كخطاب سياسي جاف، بل رُصد عبر عيون الأبطال وحياتهم اليومية، وكيف تنعكس التحولات الكبرى على المواطن البسيط. سقوط الرموز في الواقع الخارجي كان يتزامن مع رغبة الأبطال الدفينة في التحرر من سلطة "الآباء الجلادين" في واقعهم الخاص، مما جعل الاضطرابات التاريخية تمثل لحظة فارقة أحدثت هزة في وعي الأبطال وفي جغرافية المكان من حولهم.
أسلوب الكاتبة في هذه الرواية يُثبت مجدداً ألق قلمها؛ فهو "سرد غارق في الشجن". لغتها منمقة، رصينة، وتملك قدرة عالية على التقاط أرقّ المشاعر الإنسانية المعقدة وتحويلها إلى كلمات تلمس الروح.. . . الكاتبة لا تحكي الأحداث بشكل مسطح، بل تغوص عميقاً تحت جلد الشخصيات، مستخدمةً وتيرة سردية رائعة تجعل القارئ يعيش أدق تفاصيل الألم والتعاطف المطلق مع الأبطال في كل تقلباتهم..
"كلمة ختامية".. رواية "رداء أخير للصمت" مواجهة صعبة وقاسية.. تطرح السؤال المسكوت عنه ماذا لو كان الأعداء هم من منحونا الحياة؟! وهي تؤكد في النهاية على مفهوم التوارث العابر للأجيال للصدمات النفسية، حيث الأب القاسي هو طفل عانى ولم يتعالج فأعاد إنتاج ندوبه في أبنائه...
عمل أدبي رفيع يجمع بين عمق التحليل النفسي وجلال التوثيق التاريخي، ليترك القارئ في النهاية متسائلاً بأسى.. كم "عمار" و"ليلى" يعيشون بيننا الآن، يرتدون الصمت رداءً أخيراً ليخفوا تحته ندوباً صنعتها أيدي آبائهم؟!!
أقتباسات أعجبتني..
لم يكن في داخله سوى فوضى خانقة؛ صور متداخلة من الخيبة، وذكريات تتسلل خلسة إلى الليل، وأصوات بعيدة لا تهدأ. كان ينظر إلى عيني والده كأنه يبحث فيهما عن مبرر لوجوده، عن علامة صغيرة تقول إنه ما زال ابنه، وإنه رغم كل شيء، لم يسقط من عينيه تماما..
كانت تلك الجملة كفيلة بأن تثير مشاعر متضاربة في قلبه، ثم استطرد بنبرة حانية تخفي خلفها حزنًا عميقا أمي... كانت تحب الطبيعة، الحياة البسيطة، لم تزرها من قبل ولم تغادر بغداد يوما. لكن هذه الأماكن تشبهها، تشبه صفاء وجهها، ونقاء قلبها، وتشبه ذلك الهدوء الذي كان يستقر في عينيها حين تصمت طويلا كأنها تصغي إلى ما لا يقال..
لكن ما كان يؤلمه حقًا، أكثر من الجدار البارد، هو الغياب ... سيب والدته، غياب والده، كيف هان عليهما أمره؟ ألم يسألا عنه؟ ألم يقلقهما اختفاؤه؟ كيف مرت الأيام عليهما، ولم يخطر على بالهما أنه قد يكون في مكان مظلم كهذا، ينتظر صوتًا يعرفه، وجها يطمئنه أنه لم يُنس؟
كبرت ليلى وهي تحمل في داخلها ذلك المزيج المعقد من الأمان والخوف، من الحب والكره، من الإعجاب والشفقة. لكن أكثر ما سكن قلبها، رغم كل شيء، كان الحنين لوالدها. كانت تشتاق إلى حضنه، إلى صوته، إلى كلمة منه. كانت ترسل إليه الرسائل وتتحدث إليه أحياناً، لكنه لم يمنحها أولوية، كأنها هامش في دفتر طواه الزمن.
كان البرد يلفه من كل جانب، كأنه مدفوع ليلقى عليه قسوته، بينما المدينة من حوله تقطع يومها في هدوء مثير، دون أن تكترث لرجفة جسده الذي انكمش بالصقيع وابر البرد.
تبدأ الرواية بمشهد يغلفه الدفء الظاهري حيث نحضر احتفالاً بعيد ميلاد ليلي ال 32 فستان أسود وشموع ودفء يملأ المكان وكأننا أمام دراما رومانسية معتادة، لكن الاجواء كانت تحمل مسحة من الوداع، او هدوء الذي يسبق العاصفة. فمع إشراقة شمس اليوم التالي يستيقظ 'علي' وفي ذاكرته صدى ضحكات الأمس، ليتفاجأ بصمت مطبق يبتلع أرجاء البيت. ينادي 'ليلى' فلا مجيب، يبحث عنها في كل زاوية، من المطبخ الذي تفوح منه رائحة القهوة التي لم تُشرب، إلى الحمام، وصولاً إلى كل ركن مألوف، لكنها تبخرت كأنها لم تكن. تتصاعد وتيرة القلق عندما يكتشف أن ليلى لم ترحل بجسدها فقط، بل تركت خلفها لغزاً تقنياً؛ سجل مكالمات ممسوح تماماً إلا من رقم مجهول، وحارس عقار لم يلحظ خروجها. من هنا، تبدأ رحلة البحث المضنية التي لم تكن مجرد بحث عن زوجة غائبة، بل كانت محاولة يائسة لفك شفرة امرأة عاشت معه لسنوات برداء من الصمت، ليجد نفسه يطارد خيوطاً تقوده من هدوء المنزل إلى ضجيج الشكوك والمجهول."
من هنا، تنقلنا الكاتبة ببراعة من دراما الغرف المغلقة إلى قلب السايكو دراما والتشويق، حيث يجد'علي'نفسه مجبراً على تمزيق رداء الصمت الذي غلف حياتهما لسنوات، ليكتشف أن الحقيقة دائماً تكمن في تلك التفاصيل التي نسيناها طويلاً.
تبدأ الكاتبة في دمج الفلاش باك ونكتشف أن ليلي لم تكن داىما صامته بل كان صمتها رداء اختارت ارتداءه تدريجياً. يتذكر "علي" تفاصيل صغيرة كانت تبدو تافهة لكنهة الأن أصبحت أدلة علي أن ليلي كانت تعاني من شئ ما او تخفي حقيقة ماضي بعيد يطاردها الأن.
رحلة البحث عن ليلى لم تكن مجرد مطاردة لخيوط تقنية، بل كانت رحلة غوص في أعماق الماضي لفك شفرة الشخصيات:
⬅️حسين عاش طفولة مشوهة ومنزوعة الأمان تتجلي شخصية حسين كنموذج صارخ للضحية التي تشربت القسوة حتي أصبح جلاداً فرغم معاناته من تيتم الطفولة وجفاء العائلة أبح عاجزاً عن منح الدفء الذي فقده وأعاد إنتاج هذا الألم في حيوات الآخرين إنه رجل مبتور عاطفيا، يهرب من أزماته بالانكفاء وارتداء رداء الصمت. ليعيش دائما خلق جدران نفسية صنعتها صدمات الصِغَر وقسوة السجن.
⬅️نعود مع "علي" لعام 1997 في بغداد، لنفهم كيف تشكلت شخصيته وسط حصار خانق وفجوة عاطفية بين أب يمثل السلطة التقليدية الصارمة، وأم طموحة قايضت حياتها بالتعليم والنجاح المهني في وزارة العدل،بعد ولادته وانشغلت بدراستها وتفوقها المهني لاحقاً، مما جعل علي يشعر بالإهمال العاطفي منها، حيث كانت تكتفي بتوجيه الانتقادات أو الصراخ عند تقصيره الدراسي. مما جعل "علي" ينشأ في بيئة مشحونة بالخلافات وفقدان البراءة المبكر، قضى معظم طفولته في بيت خالته، ونشأ بين أبناء خالته، مما جعله يشعر بنوع من الغربة حتى داخل محيطه القريب.نشأ في عائلة مختلطة المذاهب (أب سني وأم شيعية)، مما ولّد لديه تساؤلات مبكرة حول الاختلافات الدينية والطائفية، ولم يجد إجابات تشفي غليله، مما أدخله في حالة من التشتت والبحث عن الهوية. عاش علي في بغداد تحت وطأة الانفجارات، وسيطرة الجماعات المتطرفة (داعش)، ومشاهد الجثث الملقاة في الشوارع. هذا الواقع الدموي عمق لديه الشعور بالعدمية والضياع، وجعله يتساءل عن قيمة الإنسان وسط هذا الجنون. اختار "علي" الطريق الوعر.. رحلة اللجوء والهروب التي لم تكن مفروشة بالورود. عاش "علي" في الغربة صراعاً جديداً؛ صراع الهوية والبحث عن "علي" الحقيقي بعيداً عن تصنيفات الطائفية التي أرهقته في طفولته. سافر وهو يحمل في حقيبته رائحة خشب المنجرة وخوفه القديم، ليصنع لنفسه "ضفة" ثالثة يعيش عليها بسلام.
⬅️وُلد عمار في قلب الحرب، ونشأ في بيئة سلبته الأمان مبكرًا.فهو الشخص الذي نبت من وسط الحطام ليصنع لنفسه حياة من العدم. تميز منذ صغره بأنه "مراقب صامت"؛ طفل يمتص الأحزان من حوله دون ضجيج. اختفاء والده وهو في الخامسة جعله يحمل ثقل المسؤولية قبل أوانه، فصار ينظر للعالم بعينين أكبر من عمره.فمن أجل أمه وتوأمه المصاب بالتوحد، تخلى عن مقاعد الدراسة والتحق بورشة نجارة عمار كان لا يشتكي، بل حول حزنه إلى طاقة كفاح. حتى في غربته بتركيا، لم تجعل منه المعاناة شخصًا قاسيًا، بل زادته رقة، عمار هو الشخصية التي تُثبت أن الماضي ليس قدراً، فبالرغم من الندوب الغائرة في روحه، إلا أنه اختار أن يكون يدًا تبني لا يدًا تهدم، وصنع من شتاته إنسانًا متكاملًا وقويًا.
🖇علي وعمار.. خطان متوازيان في عالمين مختلفين، يجمعهما نفس الدم وتفرقهما الأيام. وحين قرر القدر أن يتقاطعا، لم يجمعهما كخصمين، بل كصديقين مقربين تشاركا تفاصيل الحياة والهموم، دون أن يدري أي منهما أن هذا الدفء المألوف بينهما ليس إلا نداء الدم.. وأن الصديق الذي يأتمنه على أسراره هو في الحقيقة شقيقه الغائب بسبب خطأ من الماضي. علاقة علي وعمار بوالدهم بتجسد فكرة ضحية الضحية. الأب اللي قسى عليهم، هو نفسه كان ضحية لأب أكتر قسوة. الرواية بتوريك إزاي الوجع بيتنقل بين الأجيال زي الجينات، وإزاي ممكن الإنسان يتحول لجلاد بسبب ماضيه.
⬅️نشأت ليلي في بيئة أسرية مشحونة بالصراعات حيث كانت شاهدة في عمر الثامنة علي صراخ والديها، مما ولد لديها شعوراً مبكراً بأنها غير مرئية وتعرضت لصدمة الفقد برحيل والدها وهو ماترك في قلبها فراغاً عاطفياً لم يمتلئ. أصبح الأمان هو المحرك الأساسي لكل تصرفات ليلى. بالنسبة لها، الحب ليس مجرد مشاعر، بل هو مرادف للأمان الذي فُقد في طفولتها.فكانت تمنح ثقتها بسرعة وبلا تحفظ لأي شخص يمنحها شعوراً مؤقتاً بالاستقرار،
⬅️سوسن نموذج للمرأة الطموحة التي تصطدم بواقع اجتماعي وأسري معقد، تظهر سوسن كشخصية ذات تطلعات فكرية عالية؛ فرغم زواجها التقليدي في سن مبكرة (تصغر زوجها بـ 12 عاماً) وافتقار عائلتها للمال، إلا أنها وضعت شر��اً أساسياً لإتمام الزواج وهو استكمال تعليمها الجامعي. وبالفعل، التحقت بكلية الحقوق، تعيش سوسن صراعاً داخلياً؛ فهي من جهة ملتزمة بمسؤولياتها تجاه البيت والتعليم، ومن جهة أخرى مشغولة بمنصبها في الحكومة والضغوط المهنية، مما جعلها تبدو مراقبة صارمة بدلاً من أن تكون أماً حنونة، الأمر الذي أثر على تكوين "علي" النفسي وجعله يبحث عن الإجابات بعيداً عنها. سوسن هي الشخصية القوية، المتعلمة، والعملية، لكنها في الوقت ذاته قاسية أو مهملة عاطفياً، حيث طغى طموحها الشخصي وانشغالها المهني على دورها التربوي، مما ساهم في تشكيل شخصية ابنها القلقة والباحثة عن الانتماء.
🖇تتحدث الرواية عن فترة من أعقد الفترات السياسية والإنسانية في تاريخ بغداد، حيث سُحقت البراءة وعاش أولئك الصغار طفولةً مريرة تحت القصف. وهنا، لا نرى الحرب من خلال عيون الجنرالات أو خطوط الدفاع، بل نختبرها من خلال عيون الأطفال والشباب الذين نضجوا قبل الأوان في أزقة المدينة المثقلة بالهموم. لقد برعت الكاتبة في نقل مشاعر الخوف والترقب الصامت التي عاشها هؤلاء الشباب مع أصوات الطائرات والانفجارات؛ فلم تكن الحرب بالنسبة إليهم مجرد أخبارٍ عابرة على شاشات التلفاز، بل كانت شبحاً جاثماً يطاردهم في كل لحظة. وتسرد الرواية بكثير من الشجن كيف تحولت طموحاتهم من بناء المستقبل ومواصلة الدراسة، إلى ذعر دائم من جبهات القتال، وفقدان مأساوي للأصدقاء والإخوة، مما خلق جيلاً كاملاً يرزح تحت وطأة مشاعر الفقد المبكر. هذه الرواية ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي وثيقة نفسية بامتياز، تظهر كيف تشوه الحرب والسجون براءة الطفولة، وتحول أحلام الشباب الشغوفة إلى مجرد رغبة مستميتة في البقاء على قيد الحياة ليوم آخر.
شعرت بعد الانتهاء من الرواية رؤيتي لشخصية نرجس وبنين بوزن الصمت الحقيقي في حياتنا، وكأن الكاتبة جعلتني أعيد التفكير في الكثير من الأمور التي لم أقلها.
🖇لم تكتفِ الكاتبة في الرواية برصد الجانب المأساوي والسوداوي للحرب في بغداد، حيث تفاصيل الدمار وأشلاء الضحايا وقسوة الموت المجاني، بل أحدثت توازناً فنيّاً مبهراً عبر أدب الرحلات. لقد نقلنا النص من تراجيديا القتل والدماء في العراق إلى فضاءات ممتدة من السحر والجمال في المدن التركية؛ فطاف بنا بين أزقة إسطنبول التاريخية، وطبيعة أوردو الساكنة، وسحر كابادوكيا، مروراً بأوزنغول وطرابزون. هذا الانتقال الذكي جعل من السفر وسيلة لمعالجة جراح الحرب، ومنح القارئ فرصة لالتقاط أنفاسه وسط كل هذا الركام.
🖇 الكاتبة بانية هيكل الرواية بأسلوب يخلي كل مرحلة في حياة الأبطال كأنها حالة منفصلة وده خلاني أشوفها كمجموعة تجارب إنسانيى داخل رواية. أكثر ما لفت نظري هو تفوق السرد على الحوار؛ فقد كان الحوار قليلاً جداً ومقتضباً، لكن هذا لم يضعف العمل بل كان ذكاءً من الكاتبة لخدمة الحالة العامة. فكثرة السرد جعلتنا نغرق في عالم الشخصيات الداخلي ونلمس أفكارهم المزدحمة، بينما قلة الحوار جسدت ببراعة ملامح الصمت الذي هو بطل الرواية الأساسي، وكأن الصمت هنا لم يكن مجرد غياب للكلام، بل كان هو اللغة الأكثر حضوراً.
🖇أما عن اللغة، فقد جاءت بليغة ومنسابة، امتازت برقة الألفاظ وقدرتها العالية على التعبير عن المشاعر المعقدة دون تكلف. كانت لغة عبير حامد بمثابة الخيط الذي يربط بين السرد الطويل والحوار المقتضب، حيث حولت وصف الحالة النفسية إلى لوحات أدبية تجذب القارئ وتجعله يتأمل في كل جملة، وكأن الكلمات نفسها كانت تعوض غياب الكلام بين الأبطال.
🖇تميزت الشخصيات بواقعية شديدة، حيث لم تكن مثالية، بل كانت بشرية جداً في ضعفها وترددها، وهو ما جعلني أتعلق بمصيرهم.
🖇الغلاف بتصميمه الذي يظهر شخصين ظهرهما لبعضهما وبينهما شرخ، كان مرآة مثالية لما يحدث داخل الصفحات.
🖇 وبعد رحلة طويلة مع صفحات الرواية نقدر نقول إننا قدام عمل بيشرح سيكولوجية العلاقات تحت ضغط الأسرار والمجتمع.
🖇الاقتباسات🖇
📌تذكر كيف قبلته بالأمس علي عينيه فنهرها، فهو يؤمن بذلك المعتقد الذي يقول:«إن قبلة العين فراق»
📌تجمد الزمن لحظة، كأنه التقي نفسه لا ظلا عابرا من ماضٍ بعيد. شعور غريي تملكه؛ صراع بين ملامح يعرفها جيداً، وظل نسيه طويلاً، وصورةلم يختر أن يكونها.
📌 بدأ علي بدرك أن الطائفية متجذرة حتي في أكثر الأماكن انضباطًا. وأن الهروب منها ليس سهلًا، كفايروس يتسلل إليهم ببطء، حتي أصبحت جزءًا من تفكيرهم دون أن يشعروا. وغدوا أشلًء من وطن واحد، كل جزء يميل نحو طائفته، لا نحو إنسانيته.
📌ثمة أشياء لا يمكن للمرء تجاوزها، أشياء تمضغها الذاكرة علي مهل، كأنها إرث موغل في القدم،
📌فهم أخيراً أن الأمر لم يكن مجرد زواج انتهي، بل تجربة غيرته في العمق. جعلته يدرك أن الحب وحده لا يكفي، وأن العلاقات تحكمها أشياء أعقد بكثير، تماماً كما تفعل الحياة نفسها.
مراجعة رواية رداء أخير للصمت 👗 ✒️ للكاتبة: عبير حامد
✒️ دار النشر: عصير الكتب
✒️ عدد الصفحات: 247
✒️ نبذة عن الرواية:
في أجواء تلفحك برودتها، تمامًا مثل صديقنا الذي اجتاحت البرودة أعماقه حتى تغلغلت داخله، فاتخذ قراره بالتخلص منها عن طريق لهيب الشوق، فاليوم لم يكن كسائر أيامه، إنه عيد ميلادها الثاني والثلاثون✨
اليوم الذي قررت فيه الموجودات من حوله أن تشاركه إحتفاله بها، فكانت الشموع تتمايل في خفة وتحيطهم بظلالها وكأنها تحفظ تلك اللحظة للأبد.
وإذ بها تظهر أمامه كملاكٍ أُنزل من السماء، بفستانها الذي لا يعكس نقاء الملائكة في شئ، ولكنه لم يدنس نقاءها هي، وكأنه خُصص لها.
وبرائحة المسك، ذلك العبير الخاص بها الذي أسكره، بدأت تلك الأمسية وكل منهم يتمني أن يتوقف الزمن عند تلك اللحظة ليعيشوها دائمًا.
ولكنهم جهلوا أن الدنيا لا تعطي حلاوة إلا لتذيقك من علقمها، ولكنه سُكر الحب.
استيقط في يومه التالي من حلمه الجميل الذي تمني أن يحياه دومًا، وأخذ يبحث عن "ليلته" ولكنها لم تكن حوله!!
تسارعت دقات قلبه وكأنه يتذمر على ذلك الوضع، وأخذت الألاعيب تُمارس في عقله، وشعر أنه ينجرف في أمواج من التساؤلات لا يحمل إجابة علي أي منها. أخذ يبحث عنها في كل مكان حتى في ذرات الهواء حوله علها تنفسته ذاته.
تذكر وجود هاتفها وشعر بطرف الخيط يلاعب أصابعه ولكنه سرعان ما أفاق وهذا الخيط حول رقبته يخنقه ويسحق آخر أملٍ له.
عقله المنهك كان يرغب في ربط الأحداث ببعضها، أن يجد حل تلك الأحجية التي أرقت حياته بدون سابق إنذار، ولكنه عجز، فسجل المكالمات كان فارغًا إلا من رقم واحدٍ، حتى الحارس لم يرها طوال اليوم....
وأثناء بحثه عنها بدأ يتعرقل في أشياء تؤكد له أن ما حدث لم يكن صدفة، من أصوات سمعها، أشياء مادية تراها عينيه الآن، أشياء وجودها يقلق أكثر ما يطمئن، أشياء تؤكد له أن هناك أيد تعبث في الظلام!!! ولكن أهي كذلك فعلًا!!!
ولكن يا صديقي، تذكر أن خيوط العنكبوت تنسج في أيام حتى يوقع بالفريسة، تمامًا مثل الفجوة التي باتت تتسع بينهما حتي ابتلعته داخلها، ولكنه لم يكن يعلم أنه هو الفريسة، ولكن من يكون ذلك العنكبوت!!!
ظل ممسكًا بما أغدق عليه القدر من أدلة مادية، مفتشًا عل الحروف تتشكل وترشده عن مكانها، ولكن حتي الكلمات يمكن أن تكون قاسية حين تتركك في بحور الحيرة لا تري شاطئ ترسو عليه حتى تتلاشي ملامح الدنيا في عينيك.
ونسافر مع الكاتبة في رحلة عبر الزمن عام 1997 تحديدًا أثناء حرب العراق، حيث كل شيء باهتًا، فقد نزعت الرحمة من قلوب تلك العائلة كما نُزع السلاح، وكأن ما يحدث في الخارج ما هو إلا إنعكاس لهذا التفكك، فنري أب وأم لا يعلما شيئًا عن الأبوة والأمومة سواء إسمها فقط.
فنري الأم "سوسن"، تلك المرأة التي درست "الحقوق" وهي أكثر من كام جاهلًا به، تلك المرأة الطموحة التي أعماها النجاح عما سواه، فباتت مثل الآلة لا مشاعر لها، وكان صغيرها أول ما دُهس من أنانيتها فظل داخله خواء سعي طيلة عمره أن يملأه.
وإعمالًا بمقولة "الأقرباء أولى بالمعروف" فرأت أن خالته هي أولي بصغيرها منها، فكان قلبها لم يسع لكليهما، طموحها وهو، فمكث "علي" في بيتها الدافئ محاولًا أن يذيب برودة الهجر التي شعر بها. أما والده، عمود الأسرة كما نسميه، ذلك النجار الذي بهتت قسوة المطرقة ولهيب المنجرة علي شخصيته فجعلته مثلها علي صغيره، فقد كان ينتقده بإستمرار وكأنه يقيّمه أو ربما كان يخفي فشله في احتواءه، جاهلًا تلك الهشاشة التي تسببت فيها أمه، فرأها نقطة ضعف ثمينة ينقض عليها كذئب جائع، وكأن كلاهما اتفقا علي من يُحدث في روحه أعمق جرح غائر!!
أما عن الطفل، تلك الضحية التي تمنت الاحتواء فلم تجد إلا الخواء، فكما يُقال في المثل "من كان بعيد عن العين فهو بعيد عن القلب" فكانت أمه تعامله بقسوة تتنافي مع حنان الأم، وكأن أمه لم تأخذ من الإسم سوي اللقب تاركة لباقي الصفات، فهي لا تُكتسب بالتسمية فقط!!
وقد شهدت البلاد في تلك الفترة ظروف عصيبة، أثرت على طفولته، سنه الذي يجب أن يبي فيه من الألوان ما يبهجه، ولكنها اقتصرت علي لونين فقط "الرمادي والأحمر" لون الركام والحطام ولون الدم، فلم تجد زهرة طفولته تربة لتزهر فيه، وخلع "رداء" الطفولة وأصبح رجلًا في السوق.
وبالرغم من قسوة السوق الذي يبتلع من هو هشًا مثله، إلا أن السوق أثقله وجعله صلبًا، فالطين يتعرض للنار ليصبح فخارًا والرمل يتعرض للحرارة ليصبح رخامًا. فترك أحلامه في الدراسة تنكمش تلك الأكياس التي يبيعها. ولم تكتف الحياة بذلك، ولكن كان لتنوع المذاهب في أسرته نصيبًا في تشويه شخصيته وتذبذبها، بين والده "الشيعي" ووالدته "السنية" وبقي هو عالقًا بينهم يحاول ملء تلك الفجوة التي كانت تتسع يومًا بعد يوم، وبالرغم من ذلك إلا أنها التنوع الطائفي ساعد في تشكيل وعيه ومعرفته لكل من حوله من انقاسمات طائفية عاشتها البلاد.
ولأن خالته كان هي ملاكه الحارس التي حرسته من الزمن، لم تسعفه إجابتها حين استشارها، وكأن القدر كان يريد له أن يعرف الإجابة من تلقاء نفسه!! ولكن لم يكن يعلم أن ذلك السؤال سوف يطبع على صدره كالجاثوم حتى يخنقه!! لذلك فقد لزم مأمنه حتي يجمع شتات نفسه، ولكنه فوجئ بالشتات يجتاحه كأنه فاقد للبوصلة في صحراء قاحلة.
وأثناء قصف "داعش للمدينة بكل وحشية، كان هناك قصف داخل روحه وعقله فشل في معرفة سببه، فأصر أن يعرف.
فاتخذ قراره بإقتلاع نفسه مو ت��ك الأرض التي يذبل داخلها كل ليلة، راغبًا في أن ينبتها في مكان آخر علها تزهر!! ولكن كيف له أن يتمني الأزهار في أرض لا تعرف سوي الحطام!! ولسوء حظ والده كان هو أول من احترق بنار قسوته علي إبنه، ففاقد الشئ لا يعطيه.
ولكننا نغوص مع الكاتبة في أعماق الأب "حسن التميمي" فلنري الصورة بشكل أوضح علينا أن نرجع للخلف بضع خطوات، لنري أن ما فعله مع ولده هو نتاج ما فُعِل معه، وكأننا ندور في دائرة مغلقة، وكأن القسوة مكتوبة على تلك العائلة وتورث لها مثل الارث!!!
ففي عام 1960 بالتحديد في حي "الكرادة" نجد الطفل "حسن التميمي" الذي لم تسع الأرض له ولأمه، فضحت بها في سبيل أن يحيا هو!! فكيف له أن يحيا طفل نبت في ظروف كهذه!!! ومع والد إختار التملص من المسؤولية وسأترك الباقي لخيالك.
وكأن الحياة استكثرت نعمها القليلة عليه، فأخذت منه والده، ولكن أمثل ذلك الرجل يستحق الحياة!!! وأخذ حسين يزيل كل ما يذكره بأبيه، بات أنه يطوي صفحة من حياته لا يريد تذكرها.
ثم في تلك الأثناء تظهر "نرجس" تلك النار التي لم يكن لهيبها كافيًا لتشكيل حديد "حسين" فأنطفأت معه، وفي يوم أراد القدر أن يحرمه من رؤية من أشتاق لرؤيتهما لأنه لا يستحقهما!!!
ونرجع لعام 2018، حين اتخذ "على" قراره بترك الأرض جاهلًا وجهته، ولكن المتخبط لا يملك رفاهية الإختيار، فيمشي الطريق الذي كُتب عليه آملًا في أن يكون فيه نجاته.
ووصل إلى الحدود التركية بالتحديد في مدينة "أوردو" تلك المدينة الهادئة التي تعشم أن تطبع عليه من هدوئها فترحمه من كثرة التفكير.
ولكن في لحظة ل��وء لله تغيرت حياته وعمل في مطعم بعد توصية، ثم كمرشد سياحي وقد بات وضعه يستقر.
ولأن لا شئ في هذه الحياة يحدث صدفة، كذلك كان في لقاء مع من أسرت روحه!!! وكأنهما كُتبا لبعضعهما، تلك الفاتنة التي جذبته إليها فحافظ هو عليها كأنها جوهرته، ولكن كأن طيف والده كان معه في تلك الأثناء ولم يعجبه هناء ولده حتى بعدما هجره!!! فنغص عليه معيشته وجعله يستغني عن "ليلته" الهادئة ليعيش حياة كالعلقم.
وفي أثناء انشغال "على" تحدث له واقعة تجعله يتعرقل في شخص ما؟؟ ترى ما هو ذلك الشخص
وما علاقة ليلي به؟؟ وما ذلك الشخص الذي يُدعي "فريد"؟
وكيف كان تحكم عائلة "علي" في حياته أن ينهيها؟؟
تتشابك التساؤلات والاحتمالات وكل منها يحمل الصواب ونقيضه!!! ولكن أنت الذي تختار...
✒️ رأيي الشخصي:
من أمتع الروايات التي قرأتها، الرواية بدأت بداية حماسية تخطف الأنفاس، لتمهد لمشاهد ومفاجآت غير متوقعة وكأن الكاتبة كانت تنشط خلايا عقلي لإستيعاب القادم.
✒️ الشخصيات: الشخصيات مركبة وغير سطحية، كل منها لها جذور أدت لتلك الصورة النهائية التي باتت عليها، وأعجبني ان كل شخصية أخذت مساحتها المناسبة في الأحداث دون وجود عنصر "البطل الواحد" وهذا ما أضاف تشويق واستمتاع لكل جزء في الرواية، فكل شخصية هي شخصية "محورية" في الأحداث، وهذا من عناصر التكامل في الرواية.
✒️ السرد والحوار: غلب السرد على الحوار، وفي رأيي هذا منطقي لسبر أغوار كل شخصية، فكل شخصية يجب أن يترك لها المساحة للتعبير عن دوافعها، وهذا ما حدث، فنجد "حسين" وجفاؤه العاطفي مع ولده، وتشرب "على" هذ الجفاء منه، فنري أن لكل خصلة ذميمة سبب وجذور تجعلها منطقية، بل ويمكن أن تتعاطف مع صاحبها، وهذا ما حدث.
✒️ التسلسل: كان منطقي، ذا وتيرة سريعة بالرغم من السرد التفصيلي الذي كان منطقيًا كما ذكرت، وتلك الوتيرة السريعة كانت بسبب مشاهد "الفلاش باك" التي ساعدتني في رسم أبعاد الشخصية وجعلها حية ليست مجرد صفات سطحية، وهذا من ضمن نقاط القوة في العمل.
التنقل بين البلاد كان في غاية السلاسة مما قضي علي الملل أو الفتور من صعوبة بعض البلاد!! فقد كنت تشعر بخصائص كل بلد، بهدوء "أوزنغول" وطبيعة "همسي كوي" وهدوء "أوردو" ، فكانت كل بلد تحوي خصائص تميزها عن غيرها.
✒️ النهاية: كانت غير متوقعة وكانت مناسبة لثقل الأحداث في البداية، فلم يكن مقبول بنهاية اعتيادية بعد تلك المقدمة، بالرغم ما اثارته في نفسي من مشاعر مختلطة، وهذا ما أتكلم عنه، أنني عشت تفاصيل الرواية بجوارحي وليست عيناي أو لساني فقط
✒️ اقتباسات أعجبتني:
"أما هي فكانت كقصيدة نسجت من ضوء القمر"
"كانت تعانق فراغًا لم يستطع أن يملأه يومًا"
"أخذ نفسًا عميقًا، كأنه يستنشق ما تبقي من وجودها هنا"
"بدا كأن البلاد تخلع جلدها"
"بينما اختبأت الشمس خلف السحب، كي لا تكون شاهدة علي تلك المجازر التي تحدث في الأسفل"
"كأنها كانت تحاول أن تمسك ما تبقي منه قبل أن يضيع تمامًا"
📇 اسم مركب من ثلاث كلمات قوية، كل واحدة منها تحمل دلالة ثقيلة .
🔸 فالرداء في اللغة هو ما يُستر به الجسد، لكنه هنا يرمز إلى "القناع" أو "الحماية". هو شيء يختاره المرء ليغطي به عري مشاعره أو أسراره.
🔸الصمت هو الخيار الذي يُتخذ لحماية الأسرار أو اختبار البراءة. الصمت: هو "البطل الخفي" في العمل. الصمت هنا ليس مجرد سكوت، بل هو وسيلة دفاع أو ربما وسيلة عقاب وانتقام. في الرواية .
🔸 أخير ، كلمة تضفي لمسة من "الحتمية" أو "النهاية". وكأن الشخصيات استنفدت كل وسائل الكلام والبوح، ولم يتبقَّ لها سوى هذا الرداء لترتديه قبل الانهيار أو المواجهة النهائية. 🌑
📖 وقد تجسدت هذه المعاني الخفية للكلمات الثلاث بعيدا عن معناها العادي في اللغة لتنسج من خيوط الوجع والهرب "رداءً" نرتديه جميعاً حين تضيق بنا الكلمات. رواية "رداء أخير للصمت" هي مرثية إنسانية عن تلك المسافات التي نقطعها ليس هرباً من أوطان ممزقة فحسب، بل هرباً من شظايا أرواحنا التي تكسرت خلفنا.
💡الاسم يحمل شجناً غريباً. الصمت هنا ليس سكوناً، بل هو فعل. مقاومة. هو الرداء الذي نختاره لنستر به جراحنا حين يخذلنا البوح. وكأن الكاتبة تخبرنا أننا عندما نفقد كل شيء، لا يتبقى لنا سوى صمتنا كحصن أخير نحتمي به من قسوة العالم وتدبير الأقدار.
📔 عادة ما أترك تقييم الغلاف إلى نهاية المراجعة ولكن # #الغلاف هنا بطل من أبطال الحكاية ، فعو تفسير وتحليل نفسي عميق للأحداث وكذلك عنصر جذب رهيب للرواية .
ظلال رجل وامرأة ظهرا لظهر بظلال حمراء داكنة ، من قال ان الأحمر هو رمز للرومانسية ، ان قتامة اللون ودكانته في الغلاف يشير إلى عاطفة محترقة فما هو هنا سوى لون الغضب"، "الانتقام"، و"الدماء". ⚔️ الوضعية "ظهر لظهر" تعكس حالة الاغتراب النفسي. رغم أنهما في إطار واحد، إلا أن كل منهما ينظر في اتجاه مختلف، مما يوحي بوجود أسرار يخفيها كل طرف عن الآخر، أو أن الحقيقة تقع في المنطقة العمياء بينهما.
🪞 حين تقع عيناك على الغلاف، تشعر وكأنك تقف أمام مرآة مشروخة. ذلك الصدع الذي يشق المشهد ليس مجرد تفصيل فني الشرخ الذي يقسم الغلاف طولياً هو أهم عنصر بصري. هو يمثل الانكسار الذي حدث في العلاقة أو في "الذات المعذبة". هذا الصدع يوحي بأن "الرداء" (الصمت) قد بدأ يتمزق، وأن الحقيقة التي يحاولون إخفاءها بدأت تبرز من خلال هذا الشق. في الخلفية تظهر شموع مشتعلة تشكل رقم 32. 🕯️ إضاءة الشموع وسط الغبار واللون البارد في الخلفية تعطي إحساساً بـ "الأمل الضعيف" أو "الطقوس الجنائزية" للماضي
✨أما عن الرواية والحبكة في حد ذاتها ، تنقسم إلى ثلاث أجزاء✨
#الثلث_الاول_للرواية
🧐تعلمت من هذه الرواية ألا تحكم على عمل من أول صفحاته . فقد يخون القلم صاحبه في اسهاب لتفاصيل قد يراها ضرورية وتعتبرها أنت كقاريء تكرار لنفس ذات المعنى بأساليب وتراكيب مختلفة يستعرض بها الكاتب مهاراته اللغوية وحصيلته الإدبية وقدراته التعبيرية ، وبينما أنت كذلك تصطدم بذكريات الأوطان المهدمة ، ذكريات عاشها جيل الثمانينات وشكلت وجدانه ، اثرت فيها وحفرت بداخله ندوب لم تنضب ، تسمع في خلفية عقلك حينما تقع عيناك على العراق وأحداثها صوت القيصر يشدو أحبيني بلا عقد ، ودموع حنان ترك تتهدل أطنانا ومدينة تتدمر وتماثيل تتكسر و مشاهد لجنود دنسوا أوطاننا ، لتجد نفسك تردد ( مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق ) ، فلا تكتفي الكاتبة بانفطار قلبك عزيزي القاريء مع ذكريات العراق العزيز لتعرج بك على سوريا أيضا ، فتجد أشخاص رسمت نتاجا لهذه البيئة وتلك الاحداث ، أشخاص ليسوا ملائكة ولا شياطين؛ هم بشر يدفعهم الألم أحياناً لارتكاب أخطاء يظنونها نجاة.🎭
🔍 ستلمس حيرة الأبطال وهم يسقطون في فخاخ نُصبت لهم بعناية، دون أن يدركوا أن الحب أحياناً يكون جزءاً من خطة انتقام لم يختاروها.لكنك وسط ذلك لا تتعاطف معهم ولا تذرف الدمع لأجلهم .
فكل انسان رهن لاختياره وأفعاله ، ما ذنب أخيك فيما فعله بك أباك ، وما دخل رجل بغدر رجل آخر ، ومتى كانت الحياة الزوجية صفقة ، لالتماس الاحلام ، وكيف تصنف النساء التي تحقق ذاتها وتخفق في حماية من ذواتهم كانت رهنا لحمايتها نساء ناجحات وقويات كيف وقد ضيعن ما أولي إليهم من مسؤولية هي الأسمى في الحياة انها الأمومة ، وهل يمكن محو أثر الاهمال في الصغر وتعويضه في الكبر تحتوشعار الدعم أو المواساة بل كيف تصنف الخائنة ضحية ، مهما كانت ظروف حياتها ، فلايمكن أن يكون هناك مبرر للخيانة .
📌 من أكثر الشخصيات استفزازا في الرواية كانت شخصية سوسن أم علي ، بالنسبة لي كانت زوجة انتهازية ، وأم أنانية بل وامرأة جامدة المشاعر ، وتجلى ذلك زواج ابنها فما عانته بنين هي السبب الأول فيه كونها امرأة.
♥️ من نقاط القوة في الرواية هو #الثلث_الثاني منها :
👌 الكاتبة في هذا الجزء برعت في رسم "التطور النفسي"؛ فكل فصل يخلع عن الشخصية طبقة من رداء صمتها، لتظهر لنا عارية بضعفها وخوفها.
⚡ هنا حيث ذروة الأحداث تمسك بتلابيبك متنقلة بك حيث طبيعة تركيا الخلابة مع طمع النفوس من ناحية ، والعنصرية الفجة التي تجتاح الشعب التركي في معظمه إلا من رحم ربي تجاه كل ما هو عربي .
▶️ ظهور عمار وطريقة رسم سير الاحداث في هذا الجزء يدفع بالقاريء دفعا أن لا يترك الرواية من يده دون أن يقف على ما سيكون وما السبب ولماذا. فيتبع حدسه لهثا وراء ربط الخيوط ببعضها وقد نجحت الكاتبة في أسلوب تطور من بدء الرواية لمنتصفها أن تفعل ذلك بالقاريء .
#الثلث_الأخير
🗯️ في هذا الجزء من الرواية كان لابد أن يكون هناك تنويه في هامش الكتاب لتناول حبة دواء للضغط ، الأمور هنا متأزمة حقا ، وغير مبررة على الاطلاق ، ما كل هذا ولما ، وماذا جنى على ليفعل به ما قد فعل ، أو أن سلبيته وهروبه المستمر قاداه إلى ذاك المصير ، ولكن ما لم أجد له مبرر هو ما فعله عمار ، ليس هناك قاعدة في الحياة بأي حال من الأحوال تقول أن من يُظلم لابد وأن يَظلم ، لم تقنعني الاحداث في هذا الجزء بكل حيادية فبرغم الحبكة التي مسكت بها الكاتبة في منتصف الرواية بمهارة شديدة إلا أنني كنت أنتظر مبررا أكثر عمقا يليق بالأحداث وبالندوب وبالصراعات شيئا يشبه وصف الأوطان ونزيفها ، شيئا يطغى على فكرة الثأر. على الأقل كنت أنتظر مواجهة قوية تتكشف بها الحقيقة كنت أنتظر ثورة عارمة من علي بعد معرفته .
🌋 ولكن ما خفف من وطأة ما انتظرته دون جدوى كانت خاتمة الرواية ، الحق يقال نهاية غير متوقعة على الاطلاق نهاية تليق بالمكر والخديعة ، نهاية سينمائية تطفأ بعدها الانوار وتصفق الجماهير فقد أثلجت صدورهم بها 🎬👏 .
🔚 ختاماً..
✨ يمكنني القول إن "رداء أخير للصمت" لم يكن مجرد نص نمر عليه بصمت، بل كان عملاً قادراً على استفزاز العقل وكسر حاجز التلقي السلبي، وهذا في حد ذاته نجاح يُحسب لقلم عبير حامد. لقد استطاعت أن تنسج عملاً يغوص في تعقيدات النفس البشرية ويترك أثراً، حتى وإن اختلفتُ مع بعض مساراته أو انتقدتُ بعض تفاصيله.
⚡ الرواية كوجبة درامية دسمة، أمتعتني وأثارت حفيظتي في آنٍ واحد. غير أن الإبداع الأدبي، مهما بلغ تحليقه في سماء الخيال والمشاعر، يظل بحاجة إلى أن يرسو على أرض صلبة من البحث والتدقيق المنطقي؛ لكي لا يترك ثغرة تتسلل منها شكوك القارئ لتفسد متعته وتشتت انتباهه عن الرسالة الأساسية للعمل. لذلك، تستقر الرواية عندي عند ثلاث نجمات ونصف (⭐⭐⭐✨)، وهو تقييم يحمل في طياته تقديراً حقيقياً لجهد الكاتبة وبراعتها في تصوير ألم الروح الإنسانية، مع يقين صادق بأن هذا القلم يملك من الموهبة ما يجعله قادراً في أعماله القادمة على حياكة رداء أدبي أكثر إحكاماً، خالٍ من أي ثغرات.
🏜️ رحلة مليئة بالشجن تستحق التأمل، وتجربة أثبتت لي مجدداً أن متعة القراءة الحقيقية تكتمل دائماً بالنقاش الواعي.. حول فنجان قهوة وكتاب.☕📖
📌مراجعة عن رواية "رداء أخير للصمت" 📌الصادرة عن دار : عصير الكتب 📌عدد الصفحات :٢٤٧ 📌اللغة: عربية فصحى راقية ومميزة 📌نبذة عن الكاتبة :..
الكاتبة والروائية عبير حامد، حاصلة على بكالوريوس اللغة العربية، بدأت حياتها العملية في القطاع الثقافي في عالم المكتبات، في وزارة الثقافة الإماراتية، قدمت الكثير من ورش العمل والدورات التدريبية في الكتابة الإبداعية والقراءة التفاعلية، شاركت في إعداد مشاريع معرفية مع العديد من المؤسسات الثقافية العربية والأجنبية، وهي حاضرة في المحافل الثقافية مع كتَّاب وأدباء وناشطين في العمل الثقافي، تعمل حاليًا في وزارة التسامح والتعايش الإماراتية في إدارة مشاريع الإنتاج المعرفي والثقافي. 📌نبذة عن الرواية :.. في متاهاتِ العلاقاتِ المتشابكة، قد يغدو الصمتُ حصنًا أخيرًا، وعباءةَ نجاةٍ تُؤثَر على ضجيجِ العتاب؛ فثمّةَ جحيمٌ لا يُطفِئهُ الكلام، بل يزيدهُ اشتعالًا. هناك، يصبحُ السكوتُ حكمةً مُرّة، وانسحابًا نبيلًا من معاركَ تستنزفُ الروحَ حتى آخرِ نبضها. وفي بعضِ العلاقاتِ المُعقّدة، تتوارثُ القلوبُ أخطاءَ من سبقوها؛ كأنّ الآباءَ يأكلونَ الحُصرُم، بينما الأبناءُ وحدهم من تضرسُ أسنانُهم بمرارةِ الذنبِ والعواقب. فتتشابكُ الخيباتُ، وتتراكمُ الندوبُ فوقَ أرواحٍ لم ترتكبْ سوى أنّها وُلدتْ داخلَ دوائرَ مُثقلةٍ بالخذلان. وقد يُصبحُ الصمتُ حينها أبلغَ من ألفِ مواجهة، لأنّ بعضَ الحقائقِ حين تُقال، لا تُصلِحُ خرابًا، بل تكشفُ اتّساعَه فقط. 📌حبكة الرواية :.. استطاعت كاتبتُنا المبدعة عبير حامد أن تُحكم خيوطَ روايتها ببراعةٍ تُدهشُ العقلَ قبل القلب؛ فكانت تُديرُ الماضي والحاضر بأناملَ واثقة، تُحرّك الأحداث كما لو أنّها تنسجُ قدرًا لا رواية. لم يكن هناك مشهدٌ زائد، ولا تفصيلةٌ عابرة بلا مغزى؛ بل جاءت كلُّ حادثةٍ وكأنّها حجرٌ أُسِّس بعنايةٍ ليكتمل به صرحُ الحكاية دون خللٍ أو ترهّلٍ يُصيب القارئ بالملل. وأكثرُ ما أثار إعجابي تلك العناوينُ الوجيزة التي تصدّرت الفصول؛ كلماتٌ قليلة، لكنها كانت تختصرُ روحَ الفصل بأكمله، وكأنّها مفاتيحُ خفيّة تفتحُ أبوابَ المعاني قبل القراءة. أما الحبكةُ الدرامية، فقد حملتني إلى أمكنةٍ لم تطأها روحي من قبل؛ جعلتني أتجوّل بين أزقّة بغداد، وأتنفّس عبقَ إسطنبول، وأتأمّل سحرَ كابادوكيا وهدوءَ أوردو وجمالَ أوزنغول وروعةَ طرابزون، حتى شعرتُ أنّني أعبرُ تلك المدنَ لا أقرأ عنها فحسب. كما لم تغفل الرواية عن تصويرِ العراقِ بعمقهِ الإنساني؛ من الكرادة إلى الأعظمية، حيث امتزجَ دفءُ الأمكنةِ بقسوةِ الواقع. ولم تكن الحربُ في العراق مجرّدَ خلفيةٍ للأحداث، بل كانت جرحًا نابضًا شعرتُ بارتجافه بين السطور؛ فقد نقلت الكاتبةُ مشاهدَ الانهيار والخسارات والدمار بصدقٍ موجع، حتى خُيّل إليّ أنّني أعيشُ المأساةَ لحظةً بلحظة، أسمعُ ضجيجَ الخراب، وأرى المدنَ وهي تتداعى تحت وطأةِ الألم. ولا يمكنني أن أنسى ذلك التحوّل الصادم في الأحداث، البلوت تويست الذي قلب الرواية رأسًا على عقب، وأعاد ترتيب كلّ شيء في لحظةٍ واحدة. كان مشهدًا أذهلني بحق، حتى وجدتني أصفّق إعجابًا وأرفع القبعة للكاتبة على هذه الحبكة المتقنة والدهاء السردي المذهل.
📌الشخصيات:... حسين التميمي :لم يكن ذلك الرجلُ ضحيةً كاملة، ولا جانيًا خالصًا؛ بل كان إنسانًا يحملُ في داخلهِ بقايا طفولةٍ مشوّهة، تركتْ ندوبها العميقة على روحه قبل أن تنعكس على من حوله، والأثرَ الأكبر فيما عاشته زوجاتُه وأبناؤه لاحقًا من ألمٍ واضطراب.
نرجس :كانت امرأةً لا تريدُ من الحياة سوى بعضِ الطمأنينة وعيشٍ بسيطٍ تحتضنُ فيه أبناءها، لكنّ الدنيا وقسوةَ حسين حرماها حقَّها في الحياة التي تمنّتها. فرحلتْ باكرًا، تاركةً في قلبَي عمار ومحمد جرحًا لا يندمل، وغيابًا لا تملؤه السنوات.
سوسن:كانت امرأةً تُدرك حدودَ ماضيها وحاضرها وما ينتظرها في المستقبل، فلم تنكسر أمام قسوةِ الظروف، بل سعت بكل ما تملك لتؤمّن مستقبلَ أبنائها ورغم أنّها قصّرت أحيانًا في احتضانهم ورعايتهم ، ورغم عصبيتها وصراخها الدائم، كان قلبُها يحمل لهم دفءَ العالم كلّه، وحبًّا خفيًّا لا تُجيده الكلمات.
بنين وبيجام وسيرين :كانت الشخصياتُ الجانبية في الرواية تنمو بهدوءٍ مع الأحداث، ورغم صِغر أدوار بعضها، إلا أنّ أثرها كان محوريًّا وعالقًا بالقلب. بنين كانت أكثرَ شخصيةٍ أثارت شفقتي؛ امرأةٌ وجدت نفسها مجرّد ظلٍّ لزوجةٍ في حياة علي، دون ذنبٍ اقترفته، وكأنّها كانت تُعاقَب فقط لأنها أحبّت في الوقت الخطأ. أما بيجام، فكانت امرأةً قوية، تعرف كيف تكون ملاذًا آمنًا وقت الشدّة، وصدرًا يحتوي الجميع حين تضيق بهم الحياة. وسيرين، رغم أنّ دورها لم يكن بارزًا، إلا أنّ وجودها ظلّ مهمًّا لأنها الزوجةُ الأولى لعلي، وصاحبةُ هديته الأولى في الحياة؛ ابنه إياد.
علي وعمار :كانا وجهين لعملةٍ واحدة؛ شقيقين من الأب ذاته، تفصل بينهما أربعة عشر عامًا، ومع ذلك جمعتهما الصدفة بروابط بدت أقوى من رابطة الدم نفسها. عمار، بغموضه الآسر الذي منح شخصيته تميّزًا خاصًّا، وعليّ بطِيبته التي كانت تتصدّع أحيانًا لتكشف قسوةً تُشبه والده، قسوةً كان يرفضها ويستنكر أن يحملها داخله. كان عمارُ مثقَلًا بظلِّ موتِ أمّه، وبالمشهدِ الأخير لرحيلها، ثم فقدانِ أخيه التوأم في الأسبوعِ نفسه، إلى جانب مرضها، رغم كلِّ ما بذلته من أجلِه ومن أجل أخيه من حبٍّ وتضحية. أما عليّ، فقد تركت في نفسه معاملةُ أبيه القاسية أثرًا عميقًا، من صفعةٍ وكلماتٍ جارحة، كانت سببًا في تغيّر مسار حياته بالكامل؛ فانتقل من الحبس إلى الجيش، ثم انتهى به الطريق إلى الهجرة إلى تركيا، كأنّ حياته سلسلةُ تحوّلاتٍ صنعتها قسوةُ البداية. ومع كل صفحة، كنت أشعر أنّ عليّ وعمار ليسا شخصيتين منفصلتين، بل روحين يُكمل كلٌّ منهما الآخر، وكأنّ ما ينقص أحدهما يجده القارئ في الثاني.
ليلى:أكثرُ الشخصياتِ التي أثارت شفقتي كانت ليلى؛ طفلةٌ دفعت ثمنَ طفولةٍ لم يكن لها ذنبٌ فيها، فنشأت بقلبٍ يرتجفُ خوفًا ويبحثُ عن الأمان في كلِّ اتجاه. ولهذا كانت تقعُ ضحيةَ العلاقات، لا حبًّا في التعلّق، بل بحثًا عن مأوى يطمئنُ روحها المُنهكة. أحبّت عمار بجنون، ورغم بروده وجفائه بعد الانفصال، لم تتوقّف عن المحاولة والتشبّث بما تبقّى منه داخلها. ثم جاء عليّ في طريقها، ولم تكن تنوي إيذاءه يومًا، لكنها كانت عطشى للأمان إلى حدّ جعلها تفعل أيَّ شيء لتحمي روحها من الضياع. وفي النهاية، دفعت ليلى ثمنَ خوفها، وثمنَ قلبٍ لم يكن يريدُ سوى أن يشعر بالطمأنينة.
📌رأيي الشخصي :..
في رأيي الشخصي، استطاعت الكاتبة أن تخطف انتباهي من الصفحة الأولى، بأسلوبٍ يشدّ القارئ ويجعله في حالة ترقّبٍ دائم، حتى إن أنفاسي كانت تتسارع أحيانًا أثناء القراءة، انتظارًا لما ستؤول إليه الأحداث من نتائج وتحوّلات. كان هناك شغفٌ وفضولٌ ممتدّان عبر الصفحات، فلا مجال للملل، وكأن الرواية تمسك بالقارئ من يده دون أن تتركه. غير أنّه يؤخذ عليها – من وجهة نظري – بعضُ الافتقار إلى الحوار، إذ غلب السردُ على النص بشكلٍ واضح. كذلك استوقفتني نقطة عدم معرفة عليّ باسم طليق ليلى، رغم أن الزواج كان رسميًا ومثبتًا في الوثائق، وهو ما بدا لي غير منطقي قليلًا. وأيضًا عدم لفت انتباه عليّ لاسم عمار أو محاولته البحث عنه طوال هذا الوقت كان أمرًا أثار استغرابي. ومع ذلك، تبقى هذه ملاحظاتٍ لا تنتقص من التجربة؛ فقد استمتعتُ بثلاثة أيامٍ من القراءة المكثفة والمتعة الأدبية الحقيقية.
📌إقتباسات أعجبتني :.. "فلطالما شعرت بأنها ليست كافية ،رغم أنها تمتلك ماتتمناه الكثير من النساء جمالًا..تعليمَا..ثقافة،لكنها لاتحب نفسها ..تهرب منها "ص١٦١ "كل هذا لأجلي ..لأجل تلك الفتاة الصغيرة التي وعدتها ألا تُهزم"ص٢٠٩ "أدار علي ظهره وأغمض عينيه..كأنه يهرب ،لامنها،بل من نفسه ،من كل ما ينهش داخله بصمت.البحر أمامه بدا أشبه بمرايا قديمة،فيها من الخداع بقدر مافيها من السحر"ص٢١٨
العمل: رداء أخير للصمت دار النشر: عصير الكتب المؤلفة: عبير حامد عدد الصفحات: ٢٤٧ صفحة ورقية التقييم: ٤.٥/٥
فى خيوط العلاقات العائلية المتشابكة المعقدة نُسجت حكايتنا بمغزل القسوة وتضافرت بالصراخ تارة والتجاهل تارة آخرى وأخيرا تلبست رداءها الأخير بالصمت بعدما استنفذت كل وسائل البوح والعتاب بلا جدوى...
يعود الأصل فى حكايتنا لحسين التميمي، طفل رضيع جُل ذنبه قبل أن يعِ من الدنيا شيئا كان وفاة أمه يوم ولادته، فحمل على إثر الحدث المأسوى نذير الشؤم والنبذ من عائلته وأهله كأنه هو من أنهى حياة والدته حاشا لله لكنها ضريبة الجهل وعمى القلوب التى دفعها طفل لا حول له ولا قوة. لتأتى زوجة أبيه وتكمل سلسال القسوة والصلف وتفرغ كامل همها فى طفل يتيم فيجد أنه لا حل له سوى ترك البيت للحفاظ على ما تبقى له من حياة حتى تصفعه الحياة ثانيةً بموت والده فيقرر غلق صفحة الظلم والتخلص من كل أثر خلفته فى حياته على رأسهم زوجة أبيه... لينغمس حسين فى عمله بمنجرة أبيه والتى ورثها عنه كما ورث حرفتها منه بالمثل ويبدأ فصل جديد من حياته بزواجه من نرجس الذى نتج عنه صبيين لنتفاجئ بقسوة غير مبررة من حسين الأب تجاه زوجته وطفليه وإن كانت نتاج سلسال النبذ والأذى الذين قاساهما طوال حياته لكن سبب وصفى لقسوته بغير المبررة هو عدم إستحقاق عائلته لهذه المعاملة فليس ذنب أىٍ منهم ما عاناه منذ ميلاده! كذلك هو الإنسان؛ تربة خصبة تُنبت ما زُرع بأراضيها لتلقيه ثمار مضاعفة فلا الزارع أدرك فساد بذوره ولا الجانى إستحق عفن ثماره!
عثرة تُضاف لحياة حسين التميمي البائسة وهى إعتقاله إثر أحداث حرب العراق المشهورة والتى أجادت الكاتبة رسمها ووصفها مستخدمة أدواتها وحصيلتها اللغوية الثرية ما بلغ منى مبلغ عظيم فأصبحت اقرأ بينما أبصر حولى الركام والحطام والدماء المتناثرة من الجثث هنا وهناك ليعود منها صاحبنا وما زادته إلا بؤسا على بؤس وقسوة على صلف و حِدة على تجهم ليصحبهم بالكأس والخمر فتكتمل لوحة الصمت الثقيل والإهمال لزوجته المريضة وطفليه تنفصل حياته عن حياة أسرته بأشد الطرق إيلاما لتحل محلها فتاة فى الثانوية ستنال نصيبها من مسلسل الآلام لحسين التميمي، بيد أن سوسن كانت أعقل وأنضج من نرجس بالرغم من فارق العمر بينهما إلا أن سوسن لم تسمح لعاطفتها بالسيطرة عليها فزواجها من حسين كان عملية حسابية بسيطة موزونة الأركان -أو هكذا ظنت- فهى وضعت شريطة الزواج أن يسمح لها حسين بإتمام تعليمها الأمر الذى وافق عليه الزوج ظنا منه أنها سرعان ما ستتراجع ما إن ترهقها المسؤوليات وأنها ستسحق تحت عبء بيتها مع الأطفال والدراسة.! لم يدرى من طموحها شئ ولم ينغمس بشغف العلم مثلما فعلت فهو أُمىّ بالكاد يحسن كتابة إسمه على خلاف سوسن التى رأت فى العلم نجاتها، كان هو الغاية وليس الوسيلة، لنفسها ولأطفالها كذلك وإن لم تحسن الموازنة بينهم فألقت عن كاهلها تنشئتهم وأعالتها لشقيقتها التى تربى علي -أكبر أطفال سوسن- بين أطفالها كشقيق لهم وعرف من الدفء والمحبة ببيت خالته ما لم يذقه فى بيت أبويه فكبر لا يعرف من أبيه سوى مهاجمته والسخرية منه وأمه لا تعلم عن الإهتمام سوى الصراخ بوجهه إذا ما أساء التصرف، لم تحسن مصادقة صغيرها والإهتمام بمشاعره وحاله فكبر علي وعلاقته بأبويه مشوهة ممسوخة الأمر الذى دفعه دفعا لترك البلاد خاصة مع دمار الحرب حوله من كل جهة فغادر حاملا ما تبقى من روحه بين كفيه حاملا على ظهره بقايا من أمل وفى قلبه شظية نور صغيرة عساها تجد متنفس فتضئ بين جنبيه ليزهر الأمل وتنبض روحه بالحياة من جديد، عساها تحمل الأراضى التركية ما ضن عليه أهله وبلده به!
من أوردو بدأت رحلة علي بتركيا حيث الرفض كان مستهلها بكثير من الأعمال التى سرعان ما تم قبوله بإحداها تلاها الأخرى إلى إن أستقر كمرشد سياحى بأحد المكاتب السياحية المهنة التى أحبته وأحبها فعرف بها الأماكن والمزارات والمدن السياحية بتركيا فأتقن حفظ الأسماء والأماكن بمهارة كبيرة...
تتقاطع طرقه مع "عمار" الذى يشارك "علي" فى لقبه، ترى هل يشاركه ما هو أكثر من مجرد اللقب وهو عنه غافل؟!! أما ليلى فوجدها وكأنما عاش سنين عمره فقط ليلقاها، تعرف عليها قلبه قبل عينيه وصافحتها روحه قبل يده وعانقتها أنفاسه قبل جسده فكان لِزاما عليهما الزواج لما وجد مردودا لمشاعره لديها بغض النظر عمن سبقنها إلى حياته ومن سبقه إلى حياتها
ما يجب أن نعرفه عن "ليلى" أنها ضحية إنفصال والديها، نتج عنها خوف وبحث عن مصدر لأمانٍ غاب عنها مع غياب والدها فأصبحت تبحث عنه فى كل علاقة وتمنح بها الكثير والكثير فقط لتطمئن وتجد أمانها المسلوب وهو ما لم يحدث بطبيعة الحال فنشئت ليلى فتاة مستنزفة لا تحب نفسها بل تبغضها أحيانا ولا تقدر ما تمتلكه من مميزات تتمناها فتيات أخريات كثقافتها، تعليمها، جمالها وجاذبيتها تبحث عن القبول وتدفع ثمنه مقدما فتعددت علاقاتها وتزوجت مرة قبل زواجها بعلي لمدة ثلاثة أشهر فحسب، سأترك لكم متعة إكتشاف هوية زوجها السابق🫣
بين بكاء على الأطلال ورغبة فى الإنتقام، وجدت ليلى فى زواجها من علي بغيتها ولم تكتفِ بهذا بل أشركته فى عملٍ مشبوه مطلعةً إياه على ما ينبغى له معرفته فقط دون إدانتها أو الشك بها... لكن تأتى الرياح بما لا تشتهي السفن فبينما يحتفل على مع ليلاه بعيد مولدها الثانِ والثلاثين ظاناً أن الحياة أخيرا تضحك له غفل عن أنيابها التى كشرت عنها بوجهه لتلتهم ما تبقى فى روحه من نور، فبعد ليلة كالحلم مع حبيبته شاركه فى الإحتفال بها ضوء الشموع وظلالها المتمايلة برفق على الأثاث بل وبدا الأثاث نفسه أكثر دفئاً وأناقة بلونه الرمادى والسجاد الخمرى الأنيق فكانت لوحة دافئة كأنما سُرقت من الجنة لتهبط إليها ليلاه كالحور العين ببشرتها الصافية الرقراقة تناقض سواد خصلاتها الفحمية التى تغازل وجهها وتنسدل على كتفيها فى بهاء ودلال خاطف للأنفاس ومثلها كان فستانها الأسود الناعم الأنثوى يحتضن حناياها لينساب بنعومة حول جسدها فإكتمل مشهد الأحلام مع أمنيات بدوامه للأبد لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه إستيقظ على صباح اليوم التالى بدون ليلاه غافلا بما ينتظره من مصائب تم التخطيط لإيقاعه فى شِركها أين ذهبت ليلى، هل تم إختطافها أم إنها تركت زوجها ورحلت بمحض إرادتها؟ ما دور عمار الحقيقي بحياة علي وليلى؟ هل تنفض سوسن عنها عبء تقصيرها فى حق وليدها وتهب لنجدته؟ ما الذى ينتظر علي بعد إفاقته من حلم كالخيال؟ هو ما سنعرفه فى صفحات الرواية😉
✨️اللغة: كانت فصحى سليمة ثرية بدون تعقيد سردا وحوارا
✨️الأحداث: متواترة بسرعة معتدلة أحيانا وسريعة أحيانا أخرى مع وجود المنطقية والسببية فأنتجت حبكة متماسكة متقنة
✨️الشخصيات: عميقة معتمدة على الجانب النفسى الإنسانى لكلٍ منها ما يجعل تصرفات كل شخصية مبررة وممنهجة بشكل مقنع حتى إن لم تتفق معه غالبا ستجد نفسك متعاطفا مع الشخصية لوجود الخلفية النفسية المسببة للفعل كما تعددت البطولة فى العمل فلا نستطيع إسناد البطولة لشخصية واحدة أو إثنتين، كل شخصية تحمل من الأهمية والمساحة ما يجعلها مشاركة للبطولة
✨️السرد: غلب السرد على الحوار وهو المنطقى لشرح الخلفية النفسية والعاطفية لكل شخصية وهو ما رأيته ضروريا
✨️الأماكن: تفوقت الكاتبة فى إبراز الأماكن كحدث رئيسي فى العمل وأعطتها من الوصف ما جعلني أسافر لأراها بعين خيالى كامنة أمامى فى سطورها فرأيت جمال ورقى إسطنبول وجمال الشمال التركى فى أوردو و أوزنغول وجمال الطبيعة الخضراء بإختلاف درجاتها الزاهية ألوانها بهمسي كوي مع الطبيعة الساحرة بكابادوكيا
✨️الصمت: من رأيى كان الصمت البطل الأول للعمل لعب الصمت دور البطولة فى جميع التحولات العاطفية المحورية للعلاقات، كأنما الصمت فى ثقله أبلغ و أوفى من الكلمات، هو مصدر الشرخ العميق بكل علاقة فبالرغم من الإختلاف والقسوة والألم إلا أن التواصل يعنى الأمل لإنقاذ العلاقة مهما تقظم وتضاءل لكن الصمت بمثابة سكينٍ حاد يقطع كل خيوط الود وروابط المحبة بلا عودة💔
🥀 "كثيراً ما تجبرنا الحياة على ارتداء الكثير من الأقنعة بعيدة كل البعد عن حقيقتنا أحياناً نرتديها وأحياناً نتركها ولكن عندما نرتدى الصمت هل سنستطيع خلعه هو الآخر أم أنه سيلحقنا ويذهب معنا إلى اى مكان."
🥀 تبدأ الرواية برجل وفتاة تحتفل بعيد ميلادها الثانى والثلاثون ينتهى الاحتفال ويذهب الزوجان إلى النوم ولكن فى الصباح وعندما يستيقظ الزوج يجد أن زوجته ليس بجانبه فى البداية يظن أنها فى مكان ما فى المنزل ولكن مع البحث يدرك أنها لم تكن فى المنزل وكل أغراضها موجودة حتى هاتفها يستمر الزوج بالبحث عن زوجته كثيراً ولم يجدها فى اى مكان لذلك يذهب إلى مركز الشرطة ويقدم بلاغ باختفاء زوجته ويكمل هو أيضاً البحث ولكن أثناء بحث البطل عن زوجته نرجع معه إلى ماضيه وليس ماضيه هو وحسب بل ماضى شخصيات الرواية فنرى أشخاص ذات ماضى مولم مشوه خلق لنا شخصيات هشه وضعيفة كانت أوضاع وطن دمرته الحروب وجعلته مكان غير صالح للعيش والأحلام ، وانانية أهل ملؤن بالقسوة واللامبالاة دمروا ماضى أولادهم وحاضرهم ومستقبلهم أيضاً.
🥀نعود مع بطل الرواية ( على) إلى حدث صار قبل مولده ولكنه ترتب عليه كل حدث بعد ذالك نعود إلى يوم مولد الاب حسين الذى لفظه كل من حوله لأن والدته توفيت فى نفس يوم ميلاده طفل برئ صغير لم يدرك شئ من الحياة بعد فتح عيونه على القسوة والكره لسبب ليس له دخل فيه دفع ثمن شئ لم يكن له ذنب فيه فكانت النتيجة تجاهله كل من حوله واللوم من الجميع ولكن كانت المأساة الحقيقية حين تزوج والده وجلب له امراءة قاسية لم تبالى بطفل صغير يتيم كل ذنبه أن القدر اختار ان يكون يوم ميلاده هو يوم وفاة والدته
🥀كبر حسين وصار رجل صامتاً متجهم الملامح ملئ بالقسوة والكلام اللازع الذى لم تنجى منه زوجته وأبنائه ولكن بطالنا حاول كثيراً أن يتحمل هذه القسوة والمضى قدما فى حياته ولكنه لم يستطع فكيف يفعل ذلك فقد نشأ مع والد مشبع القسوة وأيضا وضع البلد سيئ للغايه فقد دمرته الحرب ومحت كل ملامحه الذى كان يعرفها فالشوارع معادت نفسها بل باتت مليئة بالجثث والخراب وكان على أثناء الحرب رأى وعايش الكثير فكل هذه الأحداث جعلت فكرة ترك البلد والذهاب إلى بلد آخر ليبدء من جديد تتبلور فى رأسه وبالفعل ذهب على إلى تركيا ليبدأ حياه جديدة بعيداً عن وطن ما عاد يعرفه واب رجل كان من المفترض أن يكون درع امان وحمايه وعوننا ولكن بدلاً من ذلك اغرقه بقسوته ودمر حياته ففضل الهروب لعله يستطيع إنقاذ ما تبقى من حياته .
🥀ذهب على إلى تركيا وعانى كثيرا حتى استطاع أن يؤسس عمل وحياه هناك ولكنه لم يدرك أنه تحول إلى نسخة من رجل هرب حتى لا يصبح مثله فى شئ ولكنه صار مثل والده نفس القسوة والعصبية على زوجته بنين وابنه الصغير فصار عندما ينظر إلى حاله فى المرآة يرى قسوة ظن أنه نجى منها ولكنه فى الحقيقة كان سجين لها وذلك لأنه لم يستطيع أن يهرب من ماضية بل حمله معه فى صمت .
🥀أثناء مكوث على فى تركيا يتعرف مصادفة إلى رجل غامض يدعى عمار من بغداد وتنشأ بينهما علاقة صداقة كان يورقها غموض عمار وغموض أفعاله ولكن مع مضى الأحداث يبدأ الغموض فى الانقشاع رويداً رويداً ونرى أن عمار أيضاً يحمل ماضى مؤلم مرير لدرجة كبيرة ولكن كانت المفاجأة بمعرفة طبيعة علاقته الحقيقية بعلى.
🥀تعرف على فى تركيا بشخصية أخرى تدعى ليلى فتاة جميلة سورية الأصل التقى بها على فى أحدى الرحلات الذى يكون مسؤل عنها وتنشأ بينهم قصة حب يتبعها الزواج ولكن هل كل ما نراه هو الحقيقة ، فى الظاهر كان على قد تزوج بفتاة جميلة رقيقة ولكنها عكس ذلك ومع الوقت وأثناء البحث عن أسباب اختفائها سيدرك على أنه تزوج من امرأة لم يعرفها ولم تكن حب حياته بل اكبر أخطائه.
🥀ليلى امرأة ذات طفوله مولمة فقد نشأت فى منزل فقدت فيه الاستقرار والأمان بانفصال والديها ومغادرة والدها المنزل وحياتها بدون وداع حتى تركها والدها وتزوج من أخرى بل وانجب أيضا ونسى أثناء تأسيسه لحياته وبنائه من جديد ابنته الصغيرة التى كانت تشتاق فقط إلى احتضانه أو حتى رساله يقوم بإرسالها يسأل فيها عن حالها وحتى الرد على رسائلها التى كانت ترسلها ولكنه لم يفعل اى من ذلك .
كانت مأساة تتلخص كلها فى بحثها عن الأمان فقد كانت عندما تحب تهب كل شىء لديها ومع ذلك كانت تتعرض للخذلان والترك فقد تركها حبيبها اول مرة وبعد ذلك زوجها الذى أحبته كثيراً
كل هذه الأمور ولدت لنا هذه الشخصية المعقدة للغاية والذى يصعب تحديد شعورك اتجاها هل تتعاطف معها ام تلومها.
🥀ولكن ما استوقفني فعلاً هو لماذا حينما نجرح ونتعرض للغدر والخذلان نجرح أشخاص ليس لهم اى ذنب سوى أنهم احبوا بصدق ؟
🥀عند قرأتك للرواية سوف تدرك أن جميع هذه الشخصيات المعقدة تربطهم علاقة عميقة ومعقدة جدا وفى الوقت نفسه مؤذية جدا للجميع
🥀نجحت الكاتبة فى وصف المشاهد والأحداث وخاصة فى حديثها عن الحرب وما خلفته من دمار وتغير أصاب المكان فعندما تحدثت عن الشوارع التى كانت مليئة بضحكات الاطفال ولعبهم شعرت فعلاً اننى أرى حجم هذا الدمار والتغير الذى خلفته الحروب سواء على البلد والأشخاص.
🥀كما أنها نجحت جدا فى وصف مشاعر الابطال والصراع الداخلى لديهم والذى بين مدى هشاشة شخصيتهم المحطمة وهذا ما جعلنا نرى إلى مدى كانت مهتمه بالبناء الداخلى وتفاصيل الشخصيات
🥀تنقلت الكاتبة بين ماضى وحاضر الشخصيات بسلسة شديدة لم تجعلنا نشعر بالتشتت والضياع.
🥀جاءت شخصيات الرواية حتى الثانوية ذات دور مهم ومرتبطة كذلك بالاحداث حتى البحر الذى كان شاهد على الكثير مما يحدث شعرت أنه كان له دور مهم فى القصة .
🥀جميع الشخصيات فى الرواية كانت ذات ماضى مؤلم قاسى شكل حاضرهم ومستقبلهم أيضاً وجعلهم يرتكبون أخطاء قد تكون مبررة من وجهة نظرهم وهذا ما يجعلك تشعر بتعاطف كبير معهم جميعاً
🥀أخيراً رواية رداء اخير للصمت رواية عن وطن دمرته الحروب حتى فقد شكله وهويته رواية عن المعاناة والقسوة والخذلان رواية عن الحب والغضب والانتقام الذى يدمر فى طريقة كل شىء ، رواية عن القوة والاستسلام الضعف والتمسك بالحياة رواية عن الامومه والتضحيات
🥀رواية عن ماضى ظن أبطاله أنهم تجاوزه ونجوا منه وفى الحقيقة أنه ابتلاعهم بداخله فى صمت من دون أن نشعر.
🥀وفى النهاية ليست كل صمت يعنى موافقة أو مثلما يقولون علامة رضى فأحياناً يصبح الصمت اكبر من ذلك أكبر كثيراً فهو فى البداية يكون مثل درع الحماية لنا ثم ندرك بعد ذلك أنها تحول إلى بئر عميق وقعنا فيها بكامل إرادتنا.
🥀 اقتباسات راقت لى من الرواية
"هل قيمة الإنسان لا تتحقق إلا حين يمحى ؟ لم يكن يمتلك شجاعة الموت ، ولا شجاعة الحياة . كان عالقاً بين فكرة عبثية لا يجرؤ على تنفيذها ، وواقع لا يملك أدوات تغييره .وهكذا عاش فى منطقة رمادية ، لا لون لها لا رائحة ، لا صوت... سوى صوت داخلى ضعيف ، يهمس له أنت ما زلت حيا ."
"كان يعلم جيداً أن التاريخ لن يمحى ، ومهما أسأت الحروب والطائفية ، فإن هناك هوية ووطنا تلاشت بعض تفاصيلهما ، لكن جذورهما العميقة باقية ، متأصلة فيهما ، ثابتة لا تمحى ."
"فى الامثال القديمة يشيرون إلى وجود حد فاصل بين الواقع و الحلم ، حد مجهول ، لكنه يظل حاضراً و موجوداً فى كل الأوقات ولا يمكن تجاهله."
"قالوا قديمًا إن ما يفعله المرء فى لحظات الحب ،من شأنه أن يقرر ما سيفعله طوال حياته " #فنجان_قهوة_وكتاب #رداء_أخير_للصمت #عبير_حامد
#ريفيو رواية : رداء اخير للصمت * الكاتبة : عبير حامد * الصفحات : ٢٤٦ * دار النشر : عصير الكتب * التقييم :🌸🌸🌸🌸
⭐️قراءت للكاتبة رواية ظننته فيصل( ريفيو/٢٠٢٥) وكانت رواية جميله فعلا استمتعت بها . ⭐️احداث الرواية تقع فى العراق ، الزمان مابعد سنة ١٩٦٠ ومابعدها ، تاريخ العراق ، معاناه الشعب العراقى بسبب عدم وجود الأمن والأمان غير انهيار الحالة الاقتصادية مما اثر على الحياة اليومية للمواطن العراقى ( الحرب الايرانية / العراقية ، مقتل صدام ، التفجيرات والدمار فى كل مكان ، الجيش فى الشوارع والميادين ، الجثث فى كل مكان ، داعش ) ⭐️ أثرت تلك الاحداث ☝️ على سلوك ومشاعر المواطن العراقى من ناحية الحب والعاطفة والالفة و تبدلت بالقسوة والعنف وعدم وجود الرحمة والرافة ، واصبح الشعب تسيطر على تصرفاته القسوة فى التعامل مع الاخريين . ⭐️ على / عمار شخصان من العراق لا يعرفوا بعض ، قرروا الهروب الى تركيا بسبب سوء الأحوال فى العراق من ناحية الحرب والدمار والحالة الاقتصادية ، بحثا عن حياة جديدة ، والاستقرار فى العمل وتكوين عائلة ، أمور كانت صعبة تواجدها فى العراق ، فهل تم لهما ما أرادوا ؟ ⭐️لماذا وكيف عرف عمار العلاقة بينه وبين على ، فى حين لم يعرف على تلك العلاقة الا عند النهاية ؟ ⭐️هل أثرت الحرب السورية فى شخصية ليلى ؟، فهى تنتقل من رجل الى اخر بحثا عن الاستقرار والأمان. ⭐️لماذا ينجح الانسان خارج بلده ؟ ولماذا عندنا ينجح لايرجع الى عائلته وبلده ؟
🚹شخصيات الرواية : 🕳على التميمي : عاش طفولته فى حاله من التشتت ، لم يجد من يوجهه او يحتويه او يسمعه ، والده ووالدته كانوا مختلفان كليا ، والاثنين كانوا يعاملوه معامله سيئه ، فتعود على الرفض والتنمر وكسر التقاليد والاعراف ، واصبح مثل والده عنيد وقاسي . 🕳حسين التميمي والد على التميمي : أثرت الحرب والدمار على سلوكه وطباعه فأصبح عنيفة وقاسي وعنيد مع زوجته وابنه ، عاش فى توتر وقلق . 🕳عمار : مر بظرف صعبة بعد اختفاء والده ووفاه امه واخوك ولكن بالتعب وبذل الجهد استطاع ان يكمل دراسته ، وترك العراق الى تركيا . 🕳سوسن المحامية : شخصية قوية متعلمة ، تحب اولادها ، تقاتل داخل البيت وخارجه ، لم تكن ام مثالية ولكنها كانت تقف فى وجهه كل من حاول ان يسرق ذاتها ، كانت تحب ان يفتخر بها اولادها . 🕳ليلى : امرأة راقية نقية قوية حساسة ، انفصل والديها وبالتالى فقدت الاستقرار العاطفي والأمان، تعرفت على رجال كثير ولكن لم تنجح مع اى منهم فقلبها مفتوح للجميع 😂.
🛑الاقتباسات : ❄️ بين الحدود والسدود ، بين السلطة والنفوذ ، بين الحب والانتقام....تتقاطع الطرق كما تتقاطع الانهار ، بعضها يجرى هادئا ، وبعضها يفيض بالغضب والطوفان . ❄ ️التاريخ لن يمحى ، مهما اساءت الحروب والطائفية، فإن هناك هوية ووطنا تلاشت بعض تفاصيلهما ، لكن جذورهما العميقة باقية ، متاصلة فيهما ، ثابتة لاتمحى . ❄️ ثمة أشياء لا يمكن للمرء تجاوزها ، أشياء تمضغها الذاكرة على مهل ، كأنها إرث .
🌼ملاحظات فى صالح العمل : 🔥 تميزت الكاتبة بالوصف الدقيق الجميل للاماكن ( البيوت من الداخل والخارج . الجناين والميادين ) و الوصف البديع للاشخاص ، يتخيلة القارئ كأنه يراها امامه ( بشرتها تشع نعومة ونقاء ، شعرها الأسود ينساب كليل هادئ يعانق الفجر ، فى عينيها سحر ساكن وفى شفتيها ابتسامة حب ) 🔥اخذتنا الكاتبة فى رحلة ممتعة الى العراق و تركيا لكى نتعرف على الكثير من المدن و المساجد والكنائس والميادين والشوارع المشهورة بالأكل والملابس والعطور ونهرى دجلة والفرات والاماكن السياحية بتركيا. 🔥اوضحت الكاتبة الفرق بين الشيعة والسنة فى العراق والخلافات بين الشعب التى نتجت عن ذلك ،فى الصلاة وانتشار اللون الاسود فى اللباس والرايات ، و الانقسامات الطائفية ، و طبائع الناس .
💥النهاية : جاءت شيقة مثيرة لم اتوقعها ، بالرغم ان بعض الاحداث كانت متوقعة خلال احداث الروايةولكن جاءت مختلفة فى النهاية . 💥السرد ..جاء السرد بالفصحى البسيطة سلسا شيقا، وجاء الانتقال من الماضى الى الحاضر وبالعكس فى يسر وسهولة دون تشتيت القارئ ، كما جاء تخصيص كل فصل لاحد أبطال العمل جيد جدا . 💥الحوار ايضا جاء بالفصحى وان كان أقل من السرد 💥اسم العمل جاء مناسب لموضوع الرواية . 💥الغلاف جاء رائع هادئ من ناحية الألوان. 💥اللغة جاءت بالفصحى سواء السرد او الحوار .
هناك روايات نقرأها فننتهي منها، وهناك روايات تنتهي لكنها تبقى عالقة داخلنا لفترة طويلة، تترك شعورا ًثقيلا لا نستطيع تفسيره بسهولة، وكأنها لامست جزءا حساساً نحاول دائما الهروب منه. وهذه الرواية كانت واحدة من تلك الأعمال التي لا تمر مرورا عادياً. منذ الصفحات الأولى شعرت أن الرواية لا تحكي عن أشخاص فقط، بل عن أرواح متعبة تحمل داخلها خوفا قديما لم يهدأ يوماً. كل الشخصيات كانت تسير وهي مثقلة بشيء ما، ذنب، فقد، خوف، أو شعور دائم بعدم الأمان. أسلوب عبير حامد كان هادئاً لكنه موجع نفسيا كما اعتدنا علي قلمها الذي دائماً قادراً على رسم الأوجاع بدقة. لم تعتمد على الأحداث الصاخبة بقدر اعتمادها على المشاعر المكبوتة والصراعات الداخلية، لذلك كان الألم يتسلل بهدوء حتى تجد نفسك غارقا داخل الشخصيات دون أن تشعر. أكثر ما شدني أن الرواية لم تقدم شخصيات كاملة أو مثالية، بل شخصيات مشروخة من الداخل، وكل واحد منهم يحاول النجاة بطريقته الخاصة حتى لو آذى نفسه والآخرين. فمثلا نجد حسين التميمي لم يكن مجرد رجل قاس، بل إنسان تربى على أن السيطرة هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على مكانته.. كان انعكاس لما مر به وعاشه. بعض الناس حين لا يعرفون كيف يعبرون عن ألمهم يتحولون إلى مصدر للألم نفسه، وهذا ما كان عليه حسين تماما. أما نرجس فكانت تمثل الإنسان الذي استنزفه الصبر، امرأة ظلت تتحمل حتى فقدت قدرتها على المقاومة،كانت أم بكل معنى الكلمة ونموذج للزوجة الصبورة المقهورة.. شخصيتها جعلتني أفكر كيف يمكن للصمت الطويل أن يدمر الإنسان أكثر من أي مواجهة. لكن سوسن كانت على النقيض منها تماماً امرأة تسعى لإثبات أنها قادرة على تحقيق ما تريد رغم المجمتع والأمومة والزوج المعقد. وأما علي كان أكثر الشخصيات صراعا مع نفسه، كان يهرب طوال الوقت من صورة والده داخله ثم يكتشف أنه نسخة منه، شعرت أن غضبه لم يكن موجها للآخرين فقط، بل لنفسه أيضا، لأنه كان يرى داخله شيئا لا يريد الاعتراف به. أما عمار فكان الحزن يمشي معه في كل مشهد مع كل ما عاشه من تلك الخيبات المبكرة جعلته شخصاً يخاف التعلق حتى وهو يحب لهذا سعى طول الحكاية للتمسك بالوجه الجامد البارد الذي يخفي وراءه بركان حزن وغضب.. لكن الشخصية التي كسرتني فعلا كانت ليلى... ليلى لم تكن تبحث عن الحب بقدر ما كانت تبحث عن الشعور بالأمان، كانت تشبه الأطفال الذين يكبرون وهم محرومون من الطمأنينة، فيقضون حياتهم كلها وهم يتعلقون بأي شخص يمنحهم شعورا مؤقتا بالاحتواء، كل تصرفاتها كانت نابعة من خوف عميق خوف من الوحدة، من الهجر، ومن فكرة أنها غير كافية ليبقى أحد لأجلها. ولهذا كانت تتشبث بمن تحب بصورة مؤلمة، حتى عندما كانت تعرف أن ذلك يؤذيها،،حسيت أن ليلى لم تعش حياتها كامرأة ناضجة بالكامل، بل كطفلة خائفة تحاول حماية قلبها بأي طريقة. ولهذا كانت أخطاؤها حزينة أكثر مما هي مستفزة، نهاية حكايتها كانت من أكثر النهايات التي أثرت في نفسياً، لأنها لم تبد كنهاية شخصية فقط، بل كنهاية روح ظلت طوال الرواية تركض بحثا عن مكان آمن ثم تعبت أخيراً، تركت داخلي حزناً ثقيلاً وشعوراً بالعجز، وكأن بعض الأشخاص لا يهزمهم العالم دفعة واحدة، بل يهزمهم الخوف بالتدريج. الرواية أيضاً نجحت في تصوير أثر الحرب والهجرة والخسارات القديمة على النفس البشرية. كل الشخصيات كانت تحمل ندوباً غير مرئية، ولهذا بدا الصمت في الرواية ليس هدوءا، بل امتلاء بالألم الذي لم يجد طريقة للخروج. التنقل بين العراق وتركيا أعطى الرواية روحا مختلفة، خاصة أن الأماكن لم تكن مجرد خلفيات، بل انعكاسا للحالة النفسية للشخصيات؛ مدن مليئة بالجمال الخارجي، لكنها تخفي تحتها الكثير من الحنين والخسارة. .. الرواية نجحت في أن تجعلني أعيش مشاعرها بالكامل، وهذا أهم ما أحبه في كل ما أقرأه، هي ليست رواية خفيفة، بل رواية عن البشر الذين أتعبتهم الحياة حتى أصبح الصمت بالنسبة لهم أرحم من الكلام.
"المجروح من عيلته لا يشفى مهما طال الزمن…" يمكن دي أكتر جملة لخصت الرواية بالنسبة لي، لأن الشخصيات ما كانتش بتعاني من حاضرها بس، لكنها كانت شايلة معاها أثر سنين طويلة من الخذلان، والقسوة، والاحتياج اللي ما اتملاش. الرواية ما قدمتش الألم كحدث عابر، بل كطريقة عيش كاملة. كل شخصية كانت ماشية وهي شايلة جرح قديم متخبي تحت الصمت، وكأنهم اتعلموا من بدري إن الكلام مش هيغير حاجة، فاختاروا يخبوا مشاعرهم بدل ما يواجهوها. وده ظهر بذكاء جدًا في عنوان الرواية "رداء أخير للصمت". الصمت هنا ما كانش هدوء، كان وسيلة نجاة. لما الإنسان يكبر في بيئة مش بتسمع خوفه أو احتياجه، بيتعلم يسكت… ومع الوقت الصمت يبقى أأمن من البوح.
كل شخصية جوا الحكاية كانوا بيدوروا على أمان ما عرفوش يحسوا بيه من البداية... حتى شخصية حسين بكل قسوتها وجبروتها كان جواها هشاشة وجرح وتشوه التربية وزمن غير الزمن .. الضحية اللي بجد كان الجيل التاني ليلى ، عمار، علي،،.. فضلت طول حكاية مستنية أخرها عشان أحقق حلم جوايا انهم على وعمار يعيشيو إخوتهم سوا وانهم يكونو ضماد لبعض من كل اللي عاشوه ويعيشيو الإخوة بجد.. واللي ميز الرواية فعلاً إن الكاتبة ما اكتفتش بالجانب النفسي فقط، بل استخدمت المكان والمجتمع والحرب كجزء أساسي من تكوين الشخصيات نفسها. تركيا مثلًا ما كانتش مجرد مكان للأحداث، كانت مساحة هروب ومحاولة بداية جديدة، لكن حتى هناك الشخصيات ما قدرتش تهرب من نفسها. إسطنبول، طرابزون، أوزنجول، وكابادوكيا… الأماكن كان فيها جمال وهدوء، لكن الشخصيات كانت داخليًا مليانة فوضى وخوف، وده خلق تناقض جميل جدًا بين جمال المكان وثقل المشاعر. أما ريزا فكان لها حضور مختلف، كأنها مكان يحمل هدوء خارجياً يخفي تحته كل التعب النفسي اللي الشخصيات شايله معاها. الطبيعة هناك كانت مريحة، لكن الرواية كانت تقول بشكل غير مباشر إن الإنسان لا يقدر يهرب من جروحه بمجرد تغيير المكان. وحرب العراق لعبت دور مهم جداً في الرواية، لأنها ما كانتش مجرد خلفية سياسية، بل كانت جرح نفسي ممتد داخل الشخصيات. الحرب هنا أثّرت على طريقة خوفهم، علاقتهم بالحياة، وحتى شعورهم بالأمان. كل الخسارات والاضطراب اللي عاشوه خلى شخصيات الرواية تعيش طول الوقت وكأنها مستعدة للفقد في أي لحظة. حتى المجتمع نفسه كان له دور واضح؛ وكأن المجتمع كان بيشارك في صناعة الجرح، مش مجرد متفرج عليه. الرواية في النهاية ما كانتش عن الحب فقط، ولا عن الحرب ولا السياسة لكنها كانت عن الإنسان لما يحاول يعيش وهو شايل طفولته المكسورة وجواه، ويحاول طول الوقت يلاقي مكان أو شخص يشعره إن الحياة ممكن تكون أهدى من كل اللي عاشه.
رداء أخير للصمت أيكون للصمت رداء؟ فرداؤه فى غاية الوحشية ،رداء رث، بالي ،لا يستر، به ندوب من الماضى ،وملطخ بحماس المستقبل الذى لا أمل فيه ولا حياة .
رداء أخير للصمت تلك هى المشكلة الصمت أشبه بالموت ، الصمت على مالانطيق من حياة ليست بإختيارنا
دعونا نتأمل المشهد رجل يتزوج امرأة ، رجل مشوه بندوب الماضي وبدلاً من بداية جديدة وحياة جديدة يُشوه حاضره ومستقبل أولاده
حسين التميمى : ذلك هو المشكلة الرجل الذى ليس دمر حياته فقط ولكنه دمر حياه زوجاته وأبناؤه ليجعلهم يعيشون مشاعر متضاربة
عمار: الشخص الذى اختار الوحدة أو لنقل الوحدة اختارته وربما اختار عدم الحياة
علي : الرجل الذى يعيد نفس المشهد ، ندوب الماضى يكررها كما هى مع زوجته ، وعندما أحب اختار بكامل ارادته ان يُتلاعب به ، لا يركز فى التفاصيل فيخسر خاف عليها من نفسه ، ترك لها نفسه والنهاية خداع ، حيرة ، خذلان
بنين : الفتاة التى تزوجت من رجل لا تعرفه اختارت أن تكون على هامش الحياة لا تعرف زوجها ولا تعرف مستقبلها تعيش يوم بيومه زوجوها أهلها ، ذهبت إلى المجهول وصمتت لبست رداء الصمت الممزق ولعبت دور العروس والزوجة المظلومة بجدارة .............. تعاطفت مع عمار ومع علي برغم اخطاؤهم وكرهت حسين
وتساءلت بماذا أخطات سوسن ؟ تلك الفتاة التى هربت من أهل ظالمى انفسهم واولادهم، باعوها لحسين بمسمى الزواج اختارت الحياة ، تعلمت وأصبحت محامية واستقلت بنفسها ولكن هل خطؤها عندما سمحت لندوب حسين ان تشوه علي وحيدها ام انها اختارت الهرب بنفسها فقط ،لم تهرب بإبنها معنوياً من كل هذا الظلم بل كانت تفرغ فيه طاقة حسين السلبية فأصبح يلاحظ نفسه فى أحيان كثيرة انه اصبح مثل حسين اهو ظالم ام اياد وبنين ام انه مظلوم
ليلى : تلك الفتاة التى لم تعرف الأمان فى والدها فبحثت عنه فى الخارج ولم تجده
أصبحت تجيد فن الخداع ، اختارت مصلحتها
الرواية ممتعة وشيقة ، أسلوب الكاتبة سهل ممتنع عميق الأثر يجعلك تسأل هل تأثير الاهل لهذه الدرجة؟ التى تشوه الحاضر والمستقبل
كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته هل فى تلك الرواية الأهل حملوا الأمانة وهل أخطاء الماضى قادرة على تدمير الحاضر والمستقبل وفى النهاية
جاءت كلمة الختام كل إنسان مسؤل عن ذاته ، عن قراراته ، وعن الطريق الذى اختاره
الرواية تحفة فنية من بداية إختيار الاسم الى حبكة مميزة ، كلمات معبرة ، وصمت وجاءت النهاية بالكثير من العظة لنتعلم حتى لا نكرر أخطاء من سبقونا