يعالج هذا الكتاب مسألة الليبرالية في سياق الهيمنة الإمبراطورية في الشرق الأوسط الحديث، ويسرد تجربة مصر الليبرالية في غضون عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، وهي الحقبة التي أخذ فيها زعماء مصر السياسيون وكتَّابها البارزون بالفكر السياسي والفلسفي الليبرالي الأوروبي. ويسلط الضوء على أسباب شعور الإصلاحيين الليبراليين المصريين بالاضطرار إلى تقويض الثقافات والهويات المحلية لاستيعاب المبادئ الليبرالية، وكيفية تعبيرهم عن هذا. ولكن عوضًا عن التركيز على التوترات المطروقة بين الثقافات والعادات المحلية والقيم الليبرالية العالمية، يكشف عبد السلام المغراوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة «ديوك» الأمريكية، استنادًا إلى أفكار جاك لاكان، وفرانز فانون، وإدوارد سعيد، وهومي بابا، بالإضافة إلى الأعمال الأساسية في النظرية السياسية المعاصرة، عن التحيزات الثقافية لليبرالية وضيق أُفقها في السياق الإمبريالي، مرتكزًا على تناقضها الأساسي بين التزامها النظري بالحرية الفردية ورعايتها العملية للغزو الاستعماري، ما أفضى إلى إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة أعاقت ظهور الديمقراطية ولم تشجِّعها.
ويدرس الكتاب أفكار الليبراليين المصريين وآراءهم التي أبانوا عنها في الأعمال الأدبية، والمقالات الصحفية، والرسوم الكاريكاتورية، وغيرها من أشكال التعبير الثقافي، حول القضايا الاجتماعية المثيرة للجدل، والتي كانت في نهاية المطاف أكثر تأثيرًا على مصائر الليبرالية في مصر، من قضايا المشاركة والتمثيل السياسي. وأخيرًا يضيء كتاب «ليبرالية بلا ديمقراطية» الدور الكبير الذي تضطلع به اللغة والثقافة في تعريف المواطنة والجماعة السياسية.
في عام ٢٠١١ أثناء الثورة المصرية وفي لقاء مع رئيس جهاز المخابرات المصري الجنرال " عمر سليمان" قال أنَّ المصريين ليسوا مستعدين للديمقراطية، وفي عام ١٩٠٨ قال الزعيم الوطني المصري سعد زغلول في مذكراته أنَّه بمجرد زوال الاحتلال البريطاني سيقوم أي حاكم مصري بالاستبداد لأن المصريين لا يجيدون المساءلة البرلمانية .
فترة زمنية طويلة، عانى فيها المصريون من الاستبداد، من الحكم الملكي إلى الحكم العسكري، وفي العصور العسكرية بات يُنظر إلى الفترة الملكية بوصفها الفترة الأكثر ليبرالية في مصر، لكن " عبد السلام مغراوي" أستاذ العلوم السياسية في جامعة دوك في كتابه " الليبرالية بدون ديمقراطية" الصادر عن مطبعة جامعة دوك عام ٢٠٠٦، يُعيد بناء تصوراتنا حول تلك الفترة التي انتشرت فيها الليبرالية في ظل الاستعمار، فإذا كان المصريون قد عرفوا التجربة الليبرالية لماذا لم يصبحوا ديموقراط ؟! حتى في تلك الفترة السابقة على القمع العسكري في بداية الخمسينيات!! بتصور مغراوي فشلت التجارب الليبرالية، لأن الليبراليين المصريين قاموا باستلاب لغة المستعمِر، وفي ذلك يقوم مغراوي بتحليل عميق لآراء فرانز فانون وإدوارد سعيد ونقاد مدرسة ما بعد الاستعمار .
فالسياق الاستعماري وصراع الهوية شكَّل مفاهيم الليبراليين المصريين عن الأمة والمواطنة، وهو ما يعتبره ضروري لفهم فشل التجربة الليبرالية في مصر ما بعد الاستقلال، ومن هنا يدرس الاستعمار كظاهرة أدبية تاريخية في كتابات " فرانز فانون" و " إدوارد سعيد" و " إيمي سيزير"، ليُدلل على أهمية " اللغة الاستعمارية" في السيطرة وتشكيل عقول المستعمَرين.
ربما يكون " نابليون" و " كرومر" نماذج جيدة لتلك اللعبة اللغوية في المواجهة الاستعمارية في مصر، نابليون أكَّد على دور فرنسا التنويري في العدل والمساواة، وكرومر قال بأنَّ العقل الشرقي عقل خامل في مقابل العقل الأوروبي. في عام ١٩٢٣ صاغ المصريون دستورًا، يتوافق مع الصورة التي خلقها الليبراليون المصريون لأمتهم، حيث الهوية الجديدة التي عزلت الصفات الثقافية والتاريخية الأساسية للذات العربية الإسلامية، هنا يستكشف الكتاب ظروف كتابة الدستور على يد لجنة الثلاثين، حيث اعتمدوا على أعمال " ليون دوجويت" أستاذ القانون في جامعة بورود في كتابة الدستور، لكن من يُخاطب هذا الدستور .. هذا هو السؤال المهم.
يحدد الكتاب المخاطَب بأنهم هم الذين يستطيعون التحدث بلغة جديدة، أو يمكن إقناعهم بالتحدث بها، وتولي وظيفة جديدة في المجتمع، وبدء حياة جديدة، مثل كتابات طه حسين ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى. يقول مغراوي بشكل واضح " كان الدستور محاولة أخرى لتعديل الثقافة والهوية المصرية وإعادة بناء المجتمع الذي يعيشون فيه من خلال تطبيق لغة دستورية جديدة" .
خلال عشرينات وثلاثينيات القرن التاسع عشر بعد تصريح فبراير والحصول على الاستقلال الشكلي، أخذت النخبة التي تأثرت بالغربيين فرض وجهة نظرها التغريبية حول القانون والإنسان والمجتمع والثقافة، وكما فعل جرشوني (Israel Gershoni) وجانكوفسكي (James P. Jankowski) في تحليلهما للوضع الثقافي المصري المشرب بالثقاقة الأوروبية في القرن التاسع عشر، يقوم مغراوي بنفس الأمر، حيث يرصد ظهور أيديولوجيا قطرية متطرفة على يد لطفي السيد ومجموعة " القوميين المعتدلين" الذين شكَّلوا حزب الأمة، وعلى يد المفكريين القطريين ظهرت الحدود التاريخية الجديدة، مثل ربط مصر بماضيها الفرعوني ونزعها عن إرثها الاسلامي كما فعل سلامة موسى، أو ربطها بأوروبا كما فعل طه حسين.
لايميل مغراوي إلى تحميل الليبراليين المصريين كافة المسؤولية عن فشل الليبرالية في مصر، فهو لا يريد إعفاء النظام الاستعماري من هذا الأمر، أما مسؤولية الليبراليين المصريين تتمثل عنده في كونهم صاغوا مفاهيم ليبرالية مثل الأمة والمواطنة من الليبرالية الأوروبية التي كانت متواطئة مع المشروع الاستعماري، ومن خلال قبول وتطبيع التشوهات الاستعمارية للثقافة والتاريخ للسكان الأصليين، تناقض الليبراليون المصريون مع التراث المحلي لبلدهم؛ مما أوجد صلة منقطعة بين الجماهير وتلك المفاهيم .
يقف مغراوي مع تحليل عفاف لطفي السيد مارسو لتجربة مصر الليبرالية، ترفض مارسو الادعاء الاستعماري بأنَّ الليبرالية فشلت في مصر لأن المصريين بطبيعتهم خنوعين وغير معتادين على الحكم الذاتي [ وهو ادعاء سعد زغلول بالمناسبة قبل ثورة ١٩١٩ بفترة طويلة]. عامة مارسو ترفض ربط الاستعمار بين التخلف و الإسلام، لكن بينما تحارب مارسو التشويه الاستعماري للشخصية المصرية، فإنها تربط حجتها بنفس النظرة العالمية التي تحاول تقويضها ..كيف ذلك؟ .
تزعم مارسو أنَّ الأفكار الليبرالية ازدهرت رغم إحباط المؤسسات الليبرالية، وتم دفع المجتمع طوعًا أو كرهًا على طريق التقدم . إنَّ الفرضية الاستعمارية هي أنَّ السكان المحليين سيتخلون عن هويتهم وثقافتهم للتمتع بحقوق وامتيازات المواطنة الحديثة، وهذا يؤَّيد ضمنيًا الادعاء الاستعماري الذي تحاول مارسو تقويضه كما يقول مغراوي، إذ يبدو أنه يربط بين رواج وازدهار الأفكار الليبرالية ومدى التخلي عن الهوية.
حقيقة كتاب مهم جدًا، ومكتوب بطريقة ممتعة، ليكشف تواطؤ الليبرالية التاريخي مع الاستعمار في مصر، كما سبق في الهند والجزائر. لم يكن زعم الإصلاحيين الليبراليين المصريين أنَّ الطربوش التقليدي غير صحي، أو دعوتهم لعدم الاهتمام بالشعر العربي لأنه - على حد زعمهم- دخيل على الثقافة المصرية، لم تكن كل هذه مجرد آراء عابرة، بل كانت لغة استعمارية ظهرت على لسان الوسطاء المحليين من رجال النخبة، وهم الذين بعد ذلك حلُّوا محِل الاستعمار بعد زواله .