كان عبدُ الله بن عمر شاهدًا على أحداث الشطر الأعظم من القرن الأول الهجري، وما طرأ عليه من تحوُّلات سياسية كبرى؛ فقد عرف دولة النبوة، وعرف دولة الخلافة الراشدة أيام الشيخين أبي بكر وعمر، وعرف الدولة التي تريد أن تكون خلافة ويُراد لها أن تكون مُلكًا أيام عثمان، وعرف الصراع بين دولة الخلافة ودولة المُلك إبان النزاع بين الإمام علي ومعاوية، ثم عرف أخيرًا انتصار دولة المُلك بانتصار معاوية في هذا النزاع. ومدارُ هذا الكتاب على دراسة المواقف السياسية لهذا الصحابي الجليل، الذي لم تكن مواقفُه عند التحقيق مجرد نزعة فردية ارتبطت بصاحبها فلم تُجاوزه إلى غيره، ولكنها جزءٌ من تيار عامٍّ كان له حضوره القوي وتأثيره الطاغي في مسيرة الإسلام منذ فجر تاريخه إلى يوم الناس هذا، وهو التيار الذي يُؤثر طاعة الحُكَّام على معارضتهم أو الثورة بهم، وإن لاحت دواعي المعارضة وتوافرت شروطُ الثورة، ويرى في هذه الطاعة تغليبًا لمصلحة الجماعة وصونًا لوحدتها. لقد نأى عبد الله بن عمر بجانبه عن السلطة -شأن غيره من رموز تيار الاعتزال- فلم يُمالئها ولم يتودَّد إليها، ولم ينصرها في بَغي ولم يحمل سيفها في قتال خصومها ومعارضيها، وإن لم يُعادها أو ينصب لها راية الحرب، أو يسلك في نقدها مسلك الشدة والعنف؛ فكان في موقفه هذا أبلغ تجسيد لمبدأ «الفرار من الفتنة». وفي هذا ما يدعو بالضرورة إلى التساؤل عن إمكانية استدعاء هذا الموقف في الزمن الراهن ومشروعية إنزاله على الواقع السياسي الحديث.
أكاديمي ومؤرخ مصريٌّ. درس في دار العلوم وتخرَّج فيها، وحصل منها على درجة الدكتوراه سنة 2014م. له عنايةٌ بتاريخ الأفكار السياسية والمذاهب الدينية في التاريخ الإسلامي الوسيط. من أعماله المنشورة: "السُّلْطة ومسألة الشرعية عند الشيعة الاثني عشرية"، و"مفهوم الشرعية في التاريخ الإسلامي من دولة الخلافة إلى الدولة السلطانية؛ رؤية أولية"، و"تأسيس الإسلام الموازي؛ التصوف الشعبي في الأناضول". ومن ترجماته: "النشأة الثانية للفقه الإسلامي؛ المذهب الحنفي في فجر الدولة العثمانية الحديثة" لغاي بوراك، و"الفكر السياسي الإسلامي في العصور الوسطى: رؤية تمهيدية" لإرڤن روزنتال.
بسم الله انتهيت مؤخرًا منه، وبدأته فور حصولي على نسخةً منه.
الكتاب عن عبارة عن بحث بخصوص المواقف التي اتخذها عبد الله بن عمر بن الخطاب بشأن الخلافة والفتن التي وقعت في صدر الإسلام، حيث يعتبر هو من أبرز الشخصيات التي التزمت الاعتزال التام في تلك الحوادث والتي استمرت أكثر من خمسين عامًا.
حاول المؤلف في كتابه البحث عن إجابة سؤالين: - لماذا اتخذ عبد الله بن عمر هذا الموقف؟ - لماذا لم يبايع سيدنا علي وعبد الله بن الزبير بينما بايع لغيرهم مثل معاوية وابنه وآل مروان بعدهم؟
في حوالي 200 صفحة يقدم لنا المؤلف إجابة وفقًا لما رآه صحيحًا وواقعيًا ومناسبًا للظروف في ذلك العهد.
ما نراه في فتنة سيدنا عثمان، هو محاولة المؤلف الدفاع عن الخليفة، حيث رأى أن عبد الله بن عمر كان يرى ظلم عثمان ولا يوجد ما يوجب الخروج عليه، لأنه وفقًا لتعبير المؤلف "أخطأ ولكن خطأ الاجتهاد لا خطأ الهوى المسقط للعدالة)، ولكن على الرغم من مشروعية هذا المبرر ولكن نرى أنه قد يصيبه الضعف عندما نرى أن سيدنا عثمان نفسه، أقر بخطأه، واستغفر أمام الجميع في خطبة من خطبه الأخيرة "أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه" ولم يصل إلينا من مصادر أنه قال لهم اجتهدت وأخطأت ولا لوم علي في ذلك، ولكنا رأينا دفاعه المستميت عن قراراته والتي وقتها قد يقول عنها أنها اجتهادات.
وأما رد عثمان للحكم بن أبي العاص، فنراه مرة أخرى - المؤلف - يبرر هذا الفعل على الرغم من أن رده أثناء خلافة الشيخين رضي الله عنهم قوبل بالرفض النهائي، وهذا الرد كان من أهم المآخذ على عثمان، ولا نرى أي مبرر في تصويب هذا الفعل من سيدنا عثمان.
وبخصوص مهاجمة عثمان للمخالفين له، بأنهم "عابوا عليه ما أقروا لعمر بن الخطاب بمثله" فما هي تلك الأفعال؟ لا تذكرها لنا المصادر - على حسب ما قرأت - ويبدو أن تلك الرواية تم وضعها بعد ذلك، لأن من الطبيعي لو حدثت تلك الواقعة، أن يقوي سيدنا عثمان موقفه بذكره لهذه الأفعال أو لقال له المخالفين "أذكر لنا هذه الأفعال".
أما النقطة المهمة للغاية وهي نقطة "قميص قمّصكه الله" فهناك روايات تقول أن هذه المقالة من سيدنا عثمان، وروايات تقول أنها نصيحة عبد الله بن عمر، وهي المقالة التي أدت إلى ما حدث، بسبب رفضه خلع نفسه من أمر الخلافة، ولا يعنينا معرفة من هو صاحب هذه النصيحة المهلكة، ولكن ما يعنينا هو أنها لا تندرج تحت بند النصيحة بأي حال من الأحوال، ولو قالها عبد الله بن عمر أو عثمان، فهي قرار خاطئ كان السبب في هلاك الخليفة.
في هذه النقطة يقدم المؤلف مجموعة من النقط يراها هي الأسباب في جعل عبد الله بن عمر يقول هذه المقالة، ولكن كل هذه الأسباب لم اقتنع بها لأن نيتجة الأخذ بالنصيحة كانت هلاك سيدنا عثمان، وسواء كانت تلك الأسباب بالفعل هي التي جعلت عبد الله ينصح عثمان بهذه المقولة أم لا فيجب علينا الاعتراف بأنها كانت من ضمن أسباب هلاكه. ولذلك دعونا نطرح سؤال: ماذا كان سيحدث لو رفض سيدنا عثمان هذه النصيحة وقرر خلع نفسه؟ يقول المؤلف أن عبد الله بن عمر كان يرى أن الخلافة "هبة من الله" كما أوضح أيضًا أن "استجابة عثمان للثوار سيفضي إلى إرساء سابقة خطيرة في تاريخ المسلمين"، ولكن ما هو العيب في خلع من يراه المسلمين أنه ليس بأهل لهذا الأمر؟ أما بخصوص الهبة من الله فوجدت هذا السبب مشابه بشكل كبير من ما تراه الشيعة في أمر الإمامة وأن الإمام معين من قبل الله، وفي كلتا الحالتين هو أمر خاطئ، فالمسلمين لهم الحق في اختيار خليفتهم ولو ثبت أنه غير أهل لهذا المنصب يجب عليهم اختيار غيره، لأن رفضه لمطالبهم انتهى بكارثة مازالت تباعتها حتى الآن.
أما المعارضة، فقسمها المؤلف إلى نوعين، نوع مسالم وهم الصحابة، والنوع الآخر هو الميال إلى العنف، حيث أكد المؤلف أن معارضة الصحابة لعثمان لم تخرج عن حدود النصح والمشورة.
ولكن ما نجده في المصادر مختلف تمامًا عن ذلك، لأنه من المعلوم أن الصحابة كانت لهم دور كبير، ومنهم من كانوا قادة للثوار على رأسهم طلحة والزبير، بالإضافة إلى أن الصحابة في ذلك الوقت كانوا ما زالوا يتمتعون بسلطتهم المعنوية والدينية، والدليل على ذلك أن الثوار لجأوا إليهم لاختيار واحد منهم كخليفة "لأنهم صاحب الأمر وبهم تتم البيعة - أو أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة" على حد وصف الثوار.
أما الجزء التالي كان عن بيعة علي بن أبي طالب، ورفض عبد الله بن عمر بيعته، وحاول المؤلف تقديم أسباب لحل هذا الإشكال المهم، مثل "الاعتزال هنا عبّر عن حيرة هذا الفريق بعد التباس الأمر عليهم"
هل هذه الشكوك والحيرة تجعلنا نقول أن سيدنا علي بن أبي طالب له مشاركة في حادث عثمان بن عفان؟ ولو قلنا لا، فلماذا رفض عبد الله مبايعته؟ ولكن ما يذكره المؤلف من أسباب من بينها أن الإمام علي بويع في جو تسوده الفرقة، فكان ذلك أدعى للجميع أن يجتمعوا تحت راية إمامهم لحل الأمر ومساعدته وللتخلص من الجو الذي تسوده الفرقة والفتنة.
أما من بقي ممن لم يبايعوا الإمام، فيعزي المؤلف السبب وراء ذلك إلى أنهم كانوا يريدون أحياء ذكرى عثمان. لا أعلم ما المقصود بإحياء ذكرى عثمان، هل الثأر لمقتله أم أمر آخر؟ ولكن في جميع الأحوال، بالنسبة لثلاثي الجمل، فالمعلوم أن طلحة والزبير بايعوا ونكسوا بيعتهم ولذلك حاربهم علي بن أبي طالب، لأن هناك آخرين لم يبايعوه وتركهم الإمام ولم يتعرض إليهم، أما السيدة عائشة فالأمر معلوم.
وعليه لا نعلم كيف أكد المؤلف أن خروج ثلاثي الجمل لم يكن طلبًا للخلافة أو لخلع علي منها! إذًا لماذا خرجوا؟ لو قال قائل للثأر من قتلة عثمان، قلنا كيف وهم كانوا قادة الثوار، وكل المصادر تخبرنا أن الثوار كانوا يرجعون إليهم في معظم الوقت؟!
وبعد انتهاء خلافة الإمام علي، يأخذنا المؤلف إلى عهد دولة بني أمية بشرح رائع للغاية بخصوص بيعة معاوية حيث أكد أن مفهوم "عام الجماعة" مفهوم خاطئ ومشوه وغير صحيح لأسباب مختلفة.
ولكن عند تقديمه لسبب بيعة الصحابة لمعاوية، أخطأ عندما قال بسبب "حلمه السياسي"، ولكن السبب من وجهة نظري المتواضع هو استخدامه معاوية لسلاحين مهمين، الأول السيف والاغتيال، والثاني هو سلاح المال، والدليل على ذلك هو انهيار الدولة بشكل كامل بعد هلاك معاوية، واندلاع ثلاث ثورات في عهد يزيد.
وأما عن خبر "حجر بن عدي" الذي وصل إلى عبد الله بن عمر واكتفى بالصمت والبكاء، فقال المؤلف أن موقفه هذا يندرج تحت بند "الصبر على مظالم الحكام" ولكن نستطيع أن نقول أنه عجز وخوف من عبد الله بن عمر، لأنه لم يصل إلينا أي تعليق على الحادث، وكان من الممكن أن يكتفي بكلمة أو بتعليق عنيف ليفهم الجميع موقفه الرافض وليس البكاء.
وفي الختام نصل إلى خلافة عبد الله بن الزبير والذي لم يبايعه عبد الله بن عمر أيضًا، حيث قدم لنا المؤلف مجموعة من الأسباب بعضها قد يكون منطقيًا ولكن من وجهة نظري، سبب رفضه لبيعته كان بسبب مشاركة عبد الله بن الزبير في الفتنة مثل ضغطه على السيدة عائشة للخروج، ودوره في معركة الجمل، والله أعلم.
أما عن رفض بيعة عبد الله بن عباس لعبد الله بن الزبير، يقول المؤلف هو لسبب "الله به عليم" ولكن كيف يبايع من حارب آلَهُ، وشَمِتَ عند وصوله خبر كربلاء؟! أما عن المصادر والمراجع، فاستخدم المؤلف مجموعة بالفعل متنوعة ومختلفة تدل على قراءة واسعة منه.