كنتُ وهجًا يلمع في صدر النور، خيطًا من نغمٍ لا يعرف الصمت، لم أولد للسؤال، ولم أُهيَّأ للانحناء، لكن لحظةً واحدة مالت في ميزان الفجر، عندها امتدَّت السماء تحت قدمي كهاويةٍ لا قرار لها، وتفلَّت الضوء من بين أصابعي كما يتفلَّت اليقين عند أول شك، لم يكن السقوط انتقالًا في المكان، بل انكسارًا في المعنى، شرخًا في النغمة التي ظننتها أبدية، اقتربت الأرض ببطءٍ قاسٍ، وانكمشت السماوات، ومنذ تلك اللحظة لم أعد نورًا، بل ظلًّا يبحث عن صداه، وحرفًا انفصل عن الجملة... وصار كل ليلٍ مرآةً لما سُلب، وكل صمتٍ قُداسًا يُعاد.
رواية "قداس الخطيئة الأولى" تأسر القارئ منذ السطر الأول، فهي ليست مجرد سردٍ لجريمة أو تحقيق، بل غوصٌ فلسفي ونفسي في أعماق الشر والهوية. يوسف داوود، المحقق في أواخر الأربعينيات، يقف على حافة الغموض، متتبعًا جرائم قتل طقسية تحمل بصمات الشيطان ذاته، وفي الوقت نفسه، نغوص مع شخصية سمائيل في عالمٍ موازٍ يشرح ماضيه، كرده، غوايته، وطرده من النور، ليكشف الستار عن دوافع الشر منذ نشأته.
اللغة العربية الفصحى المستخدمة في الرواية فاخرة، قوية، مشحونة بالتوتر، وتجعل القارئ يعيش تفاصيل القاهرة القديمة وشوارعها العتيقة وكأنها شخصية حية بحد ذاتها. الرواية توازن ببراعة بين التحقيق الجنائي، التحليل النفسي العميق، والحوار الفلسفي الذي يطرح أسئلة عن طبيعة الشر، الإرادة الحرة، والقدر.
"قداس الخطيئة الأولى" ليست مجرد رواية، بل تجربة فكرية وروحية، تمزج بين التاريخ النفسي للشخصيات وطقوس غامضة، لتترك القارئ مذهولًا، متأملاً، وفي حالة من الترقب المستمر. بحق، عمل يستحق خمس نجوم وأكثر، ويثبت أن الأدب قادر على أن يكون مرآة النفس البشرية، حتى في أحلك لحظاتها.