لم يكن الخلاف حول الحجاب يومًا مجرّد مسألة "قطعة قماش"، بل هو تعبير عن تدافعٍ أعمق بين تصوّرات مختلفة للإنسان والحياة، وما يتّصل بهما من مفاهيم الحرية والكرامة والجمال. فكيف تحوّل الجسد الإنساني إلى ساحة صراع بين الكشف والستر؟ وهل الأصل في الإنسان العُري أم الستر؟ وهل مسألة اللّباس قضيةٌ فرضها العصر الحديث، أم رافقت الإنسان منذ اللحظة الأولى للخَلْق؟ ولماذا جاء تشريع الإسلام بضوابط للكشف والستر تُقيِّد حرية الاختيار؟ ولماذا خُصَّت المرأة بالحجاب مع أنها مفطورة على حبّ التجمّل والتزيّن؟
لإرواء فضول هذه التساؤلات وغيرها، جاء هذا الكتاب، رحلة تأملية في الفكر المقارن، تبحث في المنطق الكامن وراء تصورات الستر والكشف والجمال في الثقافة العالمية المعاصرة، وتقارنه بالمنطق الذي تنتظم وفقًا له هذه القضايا في التصور الإسلامي. ومن خلال هذه المقارنة، يتتبع الكتاب نشأة كثير من الإشكالات المثارة حول ضوابط الهيئة الإنسانية في الإسلام، وفي مقدمتها الحجاب ومقاصده وجدواه، في ضوء تداخل منظومتين مختلفتين في فهم الجسد والحرية والكرامة الإنسانية. ويجمع منهجه بين التأصيل الشرعي، والتحليل المفاهيمي، والنقد الحضاري، متجاوزًا الجدل المباشر حول الحجاب إلى مساءلة الأطر الفكرية التي مَشْكَلَت فهم الهيئة الإنسانية وتقبّل ضوابطها في الوعي الإسلامي المعاصر.
مؤلّفة كتب ومقدّمة برامج ومحاضرات، في الأدب والفكر وبناء الذات وقضايا المرأة. حاصلة على ماجستير في الاجتماع ودراسات المرأة، عن رسالتها باللغة الإنجليزية في قراءة نقدية للتأويل النسوي لبعض آيات القرآن الكريم؛ وقبله ليسانس ألسن بامتياز مع مرتبة الشرف، في اللغة الإنجليزية وآدابها.
"منح الله تعالى الإنسان حريةً مُقدَّرة محسوبة، يمارسها في مساحات معيَّنة، ولغرض معلوم، مبيَّن له إجمالًا وتفصيلًا. وأول توجيه سليم لهذه الحرية أن يُقبل الإنسان على تعلُّم هذه التفاصيل، ثم يتَّخذ قراراته بعد ذلك على بصيرة قد لا تمنع الخطأ أو التقصير، لكنها تحفظ من سوء الفهم ومن تحميل الشريعة ما ليس منها."
هذا الاقتباس هو خلاصة أحد الفصول في الكتاب، أقول: بل خلاصة المشروع الذي تشتغل عليه الأستاذة في مجمل نتاجها. تفكك الاشتباه الحاصل، وتعود بالقارئ إلى أصول المسائل، وتبيّن الصورة على حقيقتها، وتغرس فيه مسؤوليته الذاتية تجاه نفسه؛ ليبدأ بتوجيه جهده نحو الإشكال الحقيقي وإصلاح نفسه، بدلًا من توجيه أصابع الاتهام نحو فزّاعات يتوهم أنها الشريعة. ثم تتركه وشأنه؛ إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، لكنه في كلتا الحالتين يكون قد أدرك أن قراراته وأخطاءه وتقصيره كلها مسؤوليته، لا مسؤولية غيره. هناك، يدرك الإنسان أن الإشكال الحقيقي ليس دائمًا في الخارج، بل كثيرًا ما يكون في الفهم ذاته.
بهذا المعنى، يعيد الكتاب توجيه بوصلة القارئ: من الانشغال بالإشكالات الجزئية إلى الاشتغال ببناء الوعي.
يتميّز هذا الكتاب عن كتب الأستاذة الأخرى من عدة نواحٍ: أولًا: يتمركز حول موضوع الحجاب، مع مدخلٍ فلسفي عن الجسد، وخاتمةٍ عن الجمال، وهو ترتيب موفق أضفى على العمل تماسكًا وعمقًا. وعلى الرغم من طابعه التأصيلي، فأسلوبه سهل وبسيط وقريب من القارئ. ثانيًا: أسلوب الأستاذة في هذا الكتاب مختلف عمّا سبقه؛ فمع الحفاظ على النفس التأصيلي، تمهِّد لكل فصل بمدخل سردي موجز، تاريخي أو حكائي، تتفكك خلاله الإشكالات تدريجيًا، حتى يصل القارئ في النهاية إلى صلب الموضوع وخلاصة الفصل، وقد فهم دون عناء. ثالثًا: عناوين الفصول لافتة وذكية؛ إذ تستعير عناوين الإشكالات الرائجة في الواقع ووسائل التواصل، تلك الإشكالات التي يكفي الواحد منها لتقوم وسائل التواصل ولا تقعد أيامًا وأسابيع، مثل: "جسدي ملكي"، "ناقصات عقل ودين"، "حجاب القلب"، "هل المرأة عورة؟". وأنا –على المستوى الشخصي– سعيدة باختيار الأستاذة لهذه العناوين، ومناقشتها وطرحها بهذا الشكل البديع، من خلال إعادة تفكيكها ومعالجتها في سياق علمي رصين. رابعًا: الخطاب المتكامل والشخصي في آنٍ واحد؛ يميّز هذا الكتاب كذلك توجيه الخطاب وبيان التكليف للقارئ، سواء كان ذكرًا أم أنثى؛ فلا يقتصر على توجيه المرأة، بل يوزّع المسؤولية على الرجل والمرأة معًا، كلٌّ بحسب موقعه. ويبرز ذلك بوضوح في فصل: "كيف تبني القناعة قبل التكليف؟" في بيان دور الأب ودور الأم وأدوارهما المشتركة معًا، ووالله كم نفتقد مثل هذه الخطابات.
وإذا كان هذا كله مما يميّز الكتاب، فإن أبرز ما يميّز نتاج الأستاذة عمومًا هو استناده الواضح إلى الوحي بوصفه المرجعية الحاكمة. الكتاب نافع للجنسين، ومناسب للتدارس في السياقات التربوية، مع مراعاة تبسيط مضامينه بحسب المرحلة العمرية للمتربي. وددتُ لو أفاضت الأستاذة في الحديث عن الجمال، ولكن لعلّ الإشارة إليه –على وجازتها– كانت موافقة لطبيعة الكتاب.
يأتي كتاب "زينة الله" للمؤلفة هدى عبد الرحمن النمر ليمثل قفزة نوعية في المكتبة الإسلامية المعاصرة؛ إذ يتجاوز الأطروحات الفقهية التقليدية أو الوعظية المجردة التي تناولت مسألة الحجاب واللباس، ليغوص عميقًا في الجذور الفلسفية والمعرفية التي تشكل الوعي الحديث. *** إن القيمة الفائقة لهذا الكتاب تكمن في قدرته الفذة على تفكيك المنظومات الفكرية الغربية الوافدة، وإماطة اللثام عن الشعارات البراقة التي غلفت بها العولمة والرأسمالية تشويهاتها السلوكية، ثم إعادة بناء المفاهيم الإسلامية من مشكاة عقيدة التوحيد الصافية، مما يجعله بيانًا فكريًا ومنهجًا رشيدًا لا غنى عنه لكل مسلم ومسلمة يعيش في عصر "السيولة المعاصرة" وضغط الأنماط الثقافية المادية. *** تستهل المؤلفة أطروحتها برحلة تحليلية ممتعة لتاريخ "مفهوم الحقوق" في الجدل الغربي، متبعةً تطوره من التصورات الإغريقية والرومانية القديمة التي رهنت الحق بنظام كوني أعلى، مرورًا بعصر التنوير ونظريات العقد الاجتماعي (مع جون لوك، وجان جاك روسو، وإيمانويل كانط)، حيث تراجعت المرجعية الإلهية ليصبح الإنسان نفسه مرجعًا نهائيًا لتعريف الحقوق وفق نزعة فردانية مطلقة. تضعنا الكاتبة هنا أمام مفارقة مذهلة في الموازين؛ فبينما تبدأ المواثيق البشرية المعاصرة بصيغة الإثبات المطلق "لكل إنسان الحق في كذا" فتولد دوامة السخط والمطالبة اللامتناهية، يبدأ التصور الإسلامي من صيغة النفي "لا إله إلا الله"؛ أي لا حق لمخلوق إلا ما أحقه الله له، لتصبح الحقوق في الإسلام فضلًا إلهيًا وأمانة وتكليفًا، لا تقاس عدالته بتماثل الأنصبة بل بموافقة أمر الله وقسمته. *** من هذا التأصيل، تنتقل المؤلفة لتفكيك الشعار العولمي "جسدي ملكي" (الذي تصدر تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2021)، مبينة تناقضه الصارخ حين يتعامل مع قضايا كالانتحار والإجهاض، وموضحة أن الإشكال الأعمق في الأسئلة المتوترة المعاصرة يرجع إلى غياب التمييز بين الملكية الحقيقية لله والملكية المجازية الاستخلافية للإنسان، حيث يستشعر إنسان العصر حق الندية أمام مشيئة الخالق بينما يتقبل قرارات رب العمل البشري خضوعًا للعُرف، وتؤكد أن الكرامة الإنسانية الحقيقية تكمن في معرفة المخلوق لموضعه الصحيح كمملوك لربه وليس ندًا له. *** وتستمر الكاتبة في خلخلة المفاهيم المعاصرة عبر تفكيك جدلية "القدرة والمشروعية" المرتبطة بشعار "جسدي حريتي"، فتضع تعريفًا حاسمًا للحرية بوصفها محكومة دائمًا بضرورات الجسد والمحددات الطبيعية والاجتماعية، وتفرق بدقة بين "الإرادة" كقوة داخلية مودعة في الإنسان للاختيار، و"الحرية" كمجال تتحرك فيه هذه الإرادة؛ داعمة ذلك بدحض المغالطة الشائعة التي تخلط بين القدرة الفزيائية على الفعل (ككشف العورة أو إيذاء البدن) ومشروعيته الأخلاقية والدينية، فالحدود الشرعية ليست قيدًا سلبيًا بل هي الإطار الرشيد الذي يعمل فيه الاختيار الإنساني ليكون موضعًا للمحاسبة العادلة. *** من هذا المنطلق الفلسفي، تلج المؤلفة إلى فريضة الحجاب وسيمياء الهوية الظاهرة، رادّة على دعاوى المشككين الذين استغلوا غياب مصطلح "الحجاب" كلفظ فقهي مستقل عند المتقدمين للقول بأنه مجرد عُرف زمني متصل بعصر النبوة، حيث تبين بقراءة دقيقة للألفاظ القرآنية (كالجلباب، والخمار، وستر الزينة) كيف دل الوحي صراحة على الفريضة، مقدمةً تأصيلاً بديعاً لمفهوم "السَّمْت" أو "السيماء"، باعتبار أن اللباس الشرعي ليس مجرد قطعة قماش، بل هو لسان اجتماعي يعبر عن هوية وانتماء، وجزء من تكريم الله لابن آدم بأن يضبط هيئته الظاهرة لتكون مرآة صادقة لما استقر في باطنه، رافضةً فرضية "حجاب القلب" وصلاح الباطن الذي يغني عن تكاليف الظاهر، ومؤكدة على التلازم الحتمي بينهما في التربية الإسلامية؛ فالإيمان إذا استقر في القلب أثمر حتمًا في السلوك والهيئة الخارجية. *** وفي واحد من أروع سياقات الكتاب تحليلًا اجتماعيًا ونفسيًا، تستدعي المؤلفة أدبيات نقد الرأسمالية وعلم النفس الاجتماعي (مثل أبحاث ناعومي وولف، وزيجمونت باومان) لتكشف كيف أعادت السوق الحديثة تعريف القيمة الإنسانية للمرأة من خلال "الجاذبية البصرية تلبية لأغراض الاستهلاك"، محولةً الجسد الأنثوي إلى واجهة متنقلة لإنتاج الرغبة وتسليع الإنسان؛ ليتجلى الحجاب هنا كأداة تحرر حقيقية تستر المشترك بين النساء وتنقل مركز المعنى إلى خصوصية الشخصية الإنسانية لتدخل المرأة الفضاء العام كذات تُخاطَب لا كموضوع يُنظَر إليه. *** وتفضح الكاتبة وهم شعار "أتزين لنفسي" حين يقتصر الإلحاح على التبرج فقط عند الخروج إلى الفضاء العام، مما يعكس الرغبة الفطرية في نيل الإعجاب التي ضبطتها الشريعة بذكاء بجعل سياقها الأوسع داخل دائرة البيوت الخصوصية حفاظًا على استقرار الأسرة ومشاعر المرأة نفسها. *** ومع ذلك، يبتعد الكتاب عن الإفراط والتفريط؛ فمثلما يرفض التهاون في الستر، يرفض أيضًا اقتران التدين بالشعث وسوء الهندام، مستدلاً بسيرة النبي ﷺ وصحابته في الحث على النظافة وحسن المظهر كشكر للنعمة، وواضعًا حدًا فاصلًا بين "حسن الهندام" (الترتيب والتناسق دون بهرجة) و"التبرج" (الإظهار والإبراز للمحاسن أمام الأجانب)، ومنبهًا للتحايل المعاصر باسم الموضة عبر الألبسة الضيقة التي تخرج الحجاب عن مقصوده الأصلي وهو "الحجب لا الاستعراض".
*** ولم تغفل المؤلفة الجانب العلمي والإحصائي؛ إذ دحضت بعلمية صارمة الفلسفة الغربية السطحية التي تزعم أن تعود العين على الانكشاف يُخمد الشهوة ويمنع التحرش، فهناك دراسات لـ فرويد، وهيلين فيشر، وميشيل فوكو تؤكد أن الدافع الجنسي غريزي بنيوي مركّب يزداد اتقادًا وتنافسية بالتعري، ومحللةً القصور المنهجي للإحصاءات المعاصرة التي تُقرأ قراءة انتقائية لنفي أثر اللباس في الاعتداء بسبب اختلاف تعريف الاحتشام ثقافيًا وغياب التمييز الشرعي بين أشكال الاعتداءات، لتعود بنا إلى الإعجاز القرآني في لفظة: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ حيث جاء التعبير بـ "أدنى" (أي أقرب وأجدر بالغالب) ولم يأت كقاعدة مطلقة لا شذوذ لها، مؤكدة أن الموقف من الحجاب هو امتثال تعبدي محض لله ورسوله أولاً وأخيراً، وليس مشروطًا بتحقيق مصلحة دنيوية نفعية متغيرة.
*** وتختتم أ.هدى أطروحتها بتأمل وجداني بديع يستلهم صورة الطائر الذي يبني عشه بصخر صلب وقش رقيق ليصون الساكن بعناية، مفسرةً التشبيه القرآني للحور العين بـ "البيض المكنون" لتؤكد أن "الخِدر" في اللسان العربي وفي الفطرة يعني الحفظ والوقاية لا الحبس والعزل. وتفكك ببراعة صدمة الثورة الصناعية والثقافة الرأسمالية التي غيرت مفهوم "الوقر في البيوت"، وجعلت "تحقيق الذات" مرادفًا فقط للأجر المادي والوظيفة الخارجية، مما أدى لإشعار ربات البيوت بالدونية وفقدان القيمة الوجودية لعملهن التربوي؛ لتعيد صياغة المفاهيم بأن "الدور" ليس تقمصًا لنصوص مسرحية وافدة، بل هو دوران العبد مع مراد ربه حيث أقامه، وأن "الوقر في البيت" هو فرصة لإعمار النفس بالثوابت، والسكون الواعي، واستحياء طاقات الإبداع الأصيل بعيدًا عن ضجيج الأسواق، مستلهمة من نزول الوحي الأول في عزلة كهف حراء دليلاً على أن السكون الباطن هو الشرارة الأولى لعمران الأرض.
*** "زينة الله" صرخة فكرية متزنة تنزع الأقنعة عن زيف الشعارات الليبرالية والمادية التي حاصرت المرأة المعاصرة وجعلتها تركض في قوالب جاهزة لتبديد الفراغ الداخلي، إنه كتاب يعيد للمسلم والمسلمة طمأنينة التسليم والعبودية، ويجعل من الستر صيانة للمعنى، ومن البيت مهدًا للحركة الباطنة الرشيدة. كتاب يُقرأ بوعي، ويُدرس بعناية، ويستحق أن يكون رفيقًا لكل باحث عن الحصانة الفكرية والسكينة النفسية في زمن التيه.
أتممت بحمد الله قراءة هذا الكتاب الرائع للأستاذة هدى النمر، هدى النمر أحسبها -والله حسيبها- ممن أوتي الحكمة؛ النقاش وحسن البيان والتأصيل الفكري وتفنيد المواضيع وتوضيح الفكرة والتمثيل لها.. أسلوب رائع وممتع ويحترم عقل الإنسان ويأخذ بيده إلى مظلة الحق وبر الأمان .. هذا الكتاب حقا هو من خير ما غنمت من معرض الكتاب السابق، أرشحه بشدة لكل من تعاني من إشكالات في ملف الحجاب والزينة والجمال وتحقيق الذات .. إلخ أو حتى لمن تبحث عن الثبات في زمن عواصف من الفتن