طارق عيسوي، ابن بورسعيد، من أولئك الرجال الذين لا تسير بهم الحياة فحسب، بل تسير بهم مدينة بأكملها. رجلٌ راهن بكل ما يملك على أحلام بسيطة: حبّ ظنَّه طوق نجاة، وتجارة عاندها موج السوق، وشغف بكرة القدم اهتزت له المدرجات قبل أن ينتهي بصمت مطبق.
عبر أزقة تختزن الذاكرة، وبين حكايات السمسمية وأغنيات البحر، يجد طارق نفسه وجهًا لوجه مع حصاد عمره. لكن هذه ليست قصته وحده، بل هي سيرة مدينة شهدت التحولات الكبرى، ورأت أبناءها يطاردون أوهامًا جميلة، ظنوا لبعض الوقت أنها الحقيقة.
ماذا لو كانت كل الانتصارات التي صدقتها مجرد خدعة؟ وهل يملك طارق الشجاعة ليواجه هذا الوهم، أم سيكتفي بتشجيع أخير لطفل ما زال يرى في المستحيل هدفًا؟
دينا شحاتة كاتبة روائية مصرية ، مواليد عام 1987 عضو إتحاد كتّاب مصر، لديها اهتمام خاص بتوثيق التراث المصري والعربي و فلكور الشعوب من خلال إبراز هوية المدن والتغييرات الإجتماعية والثقافية، حيث وثقت رواياتها الشعر الصعيدي المصري الجنائزى أو ما يعرف ب " العدّيد" وتراث منطقة النوبة بمصر والسودان، وحصلت روايتها "رحيل وغربة" " على منحة إنتاجية من مؤسسة المورد الثقافي وصدرت عن دار المصري للنشر 2021. حصلت على إقامة فنية / البلد بجدة التاريخية .
الإصدارات
- رواية غفران (2018) - رواية ثلاثاء آخر "2021" رواية " رحيل وغربة" 2021 رواية ما ألقاه الطير 2024 رواية " نداهة أصيل" عام 2025
وقعت الرواية بين يدي، بمحض المصادفة، النسخة الأولى طازجة، كأنها رغيف خبز حار خرج للتو من مخابز دار الشروق، لأحظى بتوقيع من يد الكاتبة بشحمها ولحمها، إذ صادف أن رافقتها في جولة قصيرة لتفقد وصول النسخ إلى المكتبة في وسط البلد. قرأت الرواية في ثلاث ساعات.. وتركتُ الروائح والأصوات والأغاني تتسلل بهدوء، ليبقي طعم الوهم الجميل، مالحا كالبحر، وعالقاً في الذاكرة. فكرة الوهم الجميل، ذلك الذي يمنحنا الطاقة للاستمرار، فنصدق ما نرغب في تصديقه بحجة أننا نريد أن نعيش.. هذه الفكرة هي ما نجحت دينا شحاتة في بناءه روائياً، حين حشدت بور سعيد بماضيها العريق وحاضرها المزدحم لتشكل وعي طارق العايق وحياته المثقلة بالخيبات. الدومينو بأحجاره، والنادي المصري البورسعيدي بانتصاراته وخساراته، والسمك والأصدقاء وكرة القدم والأمهات والنوارس ورائحة البحر، وحسن الأسمر وأغاني السمسمية؛ هذه العناصر تتجاوز كونها خلفية مكانية. كلها اجتمعت لتتحرك مع طارق وميرفت، وتعيد تشكيل وعي القارئ عبر طبقات متراكمة من التذكر والمراجعة الذاتية. كل انكسار عشته معه، وكل قرار باختيار أحجار اللعب، بدا كأنه إقرار بمشروعية التواطؤ مع الكذب، حتى نقنع أنفسنا بأننا ربحنا لعبة الحياة، والحقيقة هي أننا ندفع ثمن الوعي وضريبة النجاة.
السرد الداخلي الهادئ يظل السمة الأبرز في كتابات دينا، وفي هذه الرواية تراهن على شدة اعتيادية رجل عاش في مسار الحياة المتوقع: تعليم، وظيفة، زواج، أولاد، مدينة، روتين، بطولات يومية غير مرئية... ممارسات شكلت وعي جيل آمن بأن الالتزام كاف لصناعة حياة، بينما يكشف الواقع أن العمر يبتلع التفاصيل، حتى المدينة التي نتشبث بها. فأي نسخة من طارق ستصدقها بورسعيد؟ بينما تلعن أبناءها بقدر ما تحتضنهم، تحشو رؤوسهم بأسئلة مؤجلة، وتترك الذاكرة المسمومة لتكون المحرك الأساسي للزمن، إلى أن تسقط ساعات الحوائط ونكتشف فداحة الخديعة. يتجلى طارق بوصفه شخصية هشة ومترددة، تتآكل ببطء عبر علاقة متوترة مع الذات، ويواكب ذلك توظيف كلمات الأغاني كعنصر داعم، يوازي نفسية الشخصيات ويعمق الإحساس بالزمن. وانعكس هذا البناء على الشخصيات الثانوية التي استخدمتها الكاتبة بذكاء واضح؛ فبعضها يعكس اختيارات طارق، وبعضها الآخر يجسد المسارات التي كان يمكن أن يسلكها. الشاهد أني كنت أمام واقعية محملة بإيحاءات دقيقة مع انسجام لافت بين استدعاء الأحداث والحكي عن الحاضر لدرجة كثفت المعنى. أما خيارات السرد، من بينها محدودية الحدث، وانخفاض مستوى الصراع الخارجي، وبقاء الشخصيات الثانوية في أدوار وظيفية، فهي سمات تنسجم مع توجه الرواية وتؤكد انحياز النص إلى تعميق التجربة البشرية على حساب الإثارة الدرامية. ومع صفحة 138 جاءت النهاية مفتوحة نسبياً، لأكتشف أن الانخداع كان سبباً في النضج، وأن الوهم اختيار يتيح الاستمرار. أن تدرك بعد سنوات عمرك الراحل أنك عالق، وأنك دفعت الثمن بمحض إرادتك، مع بعض البكاء، ورجولة الأداء لتوجد الوعي. الرواية انتصرت لذاك الرجل العربي الصامت، استنزفه داخلياً لكنها كافأته اجتماعياً؛ بيت وأولاد وزوجة وتواجد وبر بالأمهات، مقابل خواء داخلي.. لذلك بدت النهاية قوية بهدوئها، ومخلصة لمنطق الشخصية حتى آخر سطر. بحثت عن نفسي بين السطور كما يفعل القراء المتعاطفون، وبحثت عن روح دينا الوثابة، فوجدتها في تركيز السرد على الإنسان ذاته بوصفه محور الحكاية، وفي القدرة على الصدق مع الذات دون تحطيمها. كانت المسؤولية الأكبر هي اكتشاف ما تريد الرواية إيصاله باتزان لإدراكي المتعب، ووجدت أن النص يراهن على القارئ المفكر، وهو عمل يقف بثقة داخل تيار الرواية النفسية العربية المعاصرة ليرسخ مكانة دينا شحاتة بكل هدوء وثقة.
"كل خدعة آمن بها، كان يعرف في قرارة نفسه أنها محض سراب، لكنه اختار المضيّ فيها بكل جوارحه" لم يكن "طارق العايق" وحده من فعل ذلك، بل نحن جميعًا بشكلٍ أو بآخر؛ انخدعنا منذ البداية، وكأن الخديعة قدرٌ ملازمٌ للوجود
منذ أول معولٍ ضُرب لشق ذلك الشريط الساحلي، انطلقت الحكاية.. حكاية طارق الذي يشبهنا في محاولاته للتحايل على الخديعة الكبرى. حاول أن يصنع لنفسه أجنحةً ليطير بها عاليًا، متخففًا من تلك الأحمال الثقيلة، ومنفلتًا من قيوده مدينته، فتاته، موسيقاه وحتى شغفه بناديه المفضل طربه لـ "السمسمية"، و صوت رقعات "الدومينو" على الطاولات الخشبية في مقهاه المعتاد، وفي رائحة البحر ووجباته المفضلة وأحلامه البسيطة. لكن، وبكل بساطة، لم تكن تلك الأجنحة إلا خدعةً صنعناها لأنفسنا كي نملك القدرة على الاستمرار في الطريق، وكلما أرهقنا المسير توقفنا قليلًا لنهمس لأنفسنا: لقد انخدعنا! "لكنها خديعة قديمة، أن يظن المرء أنه إذا تحدث عن وجعه بصوت عالٍ، فإنه تحرر منه" شكرًا للكاتبة دينا شحاته على هذه الرواية التي تشبهنا بصدقٍ ؛ لقد كانت قراءتها أشبه برحلة تحررٍ قصيرة، وشكرًا على تلك النهاية التي ضخّت في أرواحنا كثيرًا من الأمل: "فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الاطفال وطموح الملائكة"
أجلستنا الكاتبة المبدعة "دينا شحاتة" أمام طاولة خشبية نشاهد جولات الدومينو، وبلعبة سردية بارعة يتداولها الراوي العليم وطارق العايق والمدينة، قدمت لنا روايتها الجديدة "انخدعنا"، هذه الرواية الصغيرة في حجمها، الرحيبة في مبناها، والفسيحة في محتواها، والعريضة في آفاق التجريب الممتع والساحر بها.
الرواية تقدم حالة أدبية تجريبية بديعة، ميتاسردية رائعة، تتمرد على القواعد، وتتلاعب بالأدوات، وتخلق مستويات تَلَقي غير مأهولة، بعد أن تجرد القارئ من كل دفاعاته، لا يجد أمامه سوى الاستسلام.
في أربع جولات دومينو ثم قفلة نهاية، مضت فصول السرد البديع، ومن خلال قصة حياة رجل ومدينة، وتداعيات قصة حب، ومذاق سمك البوري والشِّبار، وصخب تشجيع نادي كرة القدم، وأصداء أغاني الضمّة والسمسمية وحسن الأسمر، شهدنا كيف كانت البدايات، وكيف كانت الأحلام، وكيف أتت الخديعة والأوهام لتسرق تلك البدايات والأحلام، وتدفعها إلى نهايات تخرج ألسنتها بلا شفقة أو اكتراث وتفترش ساحات الندم.
في الجولة الأولى مع تفكيك قصة الحب من ثلاث زوايا، زاوية الراوي العليم التي رأينا فيها أثر الحب على حياة طارق بتتبع حكائي خطي بسيط يقفز فوق الفجوات، وزاوية طارق العايق التي رأينا فيها اعتراضه على هذا التسطيح ومحاولته إعادة قراءة الحكاية من جديد وكشف الخدعة، وزاوية المدينة التي تتبعت الخدعة من بدايتها، وعادت بنا إلى سنة ١٨٥٩، مع ولادة المدينة ونشأتها وأحزانها وحيرتها بين قسميها المنشطرين وبين أحلام ساكنيها المهدرة.
في الجولة الثانية مع اجترار حكايات كرة القدم والنادي المصري، بين حياة طارق مع انتصارات وهزائم النادي، وحياة المدينة ولعب شوارعها وأنديتها الأجنبية القديمة وناديها المصري، وبين الراوي العليم عندما يستدعي لحظات الألم الدامي، ويلقي بها في وجه طارق والمدينة.
في الجولة الثالثة مع جلسات الضمة وأغاني السمسمية وحسن الأسمر، تحولت الخدعة إلى ملهاة، كل واحد من أصفيائه يلقي ببلاطة الدومينو ويغني أغنيته، ليلة من ليالي بور سعيد، عند أبواب المقهى وحي المناخ، وطقوس حرق دمية الألنبي، في تلك الليلة، كلهم غنوا مع طارق، فالضمة ليست مأوى، بل صالة انتظار كبيرة للهاربين من أنفسهم.
في الجولة الرابعة تسقط قطع الدومينو، ويسقط معها زمنه كله، زمن من الأوهام، ومن الأحلام التي لم تُختبر يومًا، تتكشف كل الخدع، الأب والابن والبحر والصديق والتجارة والنوارس والحب وميرفت، وكل حكاياته القديمة.
في القفلة مع الحوار الأخير بين المدينة والراوي العليم، عن الخدع وتصديقها، ومع العتاب، وانكسار ساعة الحائط، يجد طارق كل شيء في أحد الأدراج القديمة في المكتبة الخشبية، يجد قصاصة صحيفة، وصورة قديمة باهتة، ووريقات صغيرة، ويجد ذاكرته وذاكرة المدينة.
رأينا كيف جرت المسرحية وكان طارق فيها متفرجًا ثم أصبح بطلها من دون أن يدري: ❞ صدقت المسرحية، أديت دوري فيها بمهارة أُحسد عليها ❝
ورأينا ما حدث منذ مباراة كأس مصر في القاهرة والعودة بالكأس في ١٩٩٨، إلى المباراة المشئومة في فبراير ٢٠١٢: ❞ بعض الأيام تدفن في الذاكرة، لا لأنها انتهت، بل لأنها ما زالت تنزف في صمت ❝
وعندما كان الحزن ساكنًا في قلب طارق وممتدًا في الشوارع وعلى واجهة المحلات وفي عيون المارة وفي صمت المدينة، وكانت البلاطات مقلوبة واللعبة بلا طعم، والمدينة الغاضبة تحتج: ❞ بعض إشارات المرور التي لا تعمل، المجاري التي تطفح بلا سبب، الحوائط المتشققة. الكلاب الضالة التي تزداد عدوانية مع كل صباح ❝
وعندما تأسفت المدينة واعتذرت: ❞ المدن لا تخون أهلها، لكنها تتعب أحيانًا ❝
وعندما تذمرت وضجرت المدينة من فرط الاختزال: ❞ أشارت له المدينة بيديها ليصمت، فما هكذا تُروى الحكايات، ولا هكذا تُختزل الندوب ❝
وأخيرًا جاء الاعتراف: ❞ كل خدعة آمن بها، كان يعرف في قرارة نفسه أنها خدعة، لكنه مضى فيها ❝
بين جفاء الراوي العليم دائمًا وتعاطفه أحيانًا، وبين حيرة طارق العايق دائمًا وضجره أحيانًا، وبين أحزان المدينة دائمًا وغضبها أحيانًا، كنا مع لغة هادئة واثقة دائمًا، جريحة ومتألمة أحيانًا، وبهذا مضى السرد إلى منتهاه، ومضينا معه.
أين يوجد الخط الفاصل بين الحقيقة والخديعة، لماذا تخدعنا الحياة دائمًا، تُزيِّف أحلامَنا، نصدقها برضا واستسلام، لماذا لا نرفض، لماذا لا نتمسك بالأحلام الحقيقية، لماذا لا نفهم ما جرى إلا بعد فوات الآوان، عندما نراجع حسابات الحصاد، ثم لماذا نترك الحكايات تتكرر مرة أخرى أمام أعيننا.
هذه ليست رواية، بل رسالة، أودعت فيها دينا شحاتة ثلاث حقائق:
الأولى أن التاريخ يمكنه أن يستعيد براءته المفقودة إذا كتبه الأدباء، أو أعادوا كتابته، سوف ينجو من التزييف والغموض والال��باس، الأديب الكاتب لا يحتاج إلى كل التفاصيل، يحتاج فقط إلى قلبه النابض وحسه النقي وحدسه الواعي، ليكتب لنا الحقيقة في سرد أو ربما ميتاسرد، وقتها لن نطلب منه تفاصيل أو أدلة أو وثائق، سيكفينا طُهر الضمير، وصِدق البراءة.
والثانية أن الحقيقة تظل كامنة في طيات الأيام وتراب المدن، لن يَبُوح بها أحد، لن تُقدَم على أطباق من ذهب أو فضة، لن يَنَالها إلا من طلبها حقًا وصدقًا، رافضًا ضباب الوهم والخديعة، لن ينالها إلا من كان لديه شجاعة المواجهة، شجاعة أن يصرخ ويقول "انخدعنا".
والثالثة أننا لدينا كاتبة تمتلك سحر الإبداع، وخيال التجريب، وجمال التقنية، وحِرفية الصنعة الأدبية البارعة، كاتبة مبدعة فريدة، اسمها دينا شحاتة.
ثالوث: الراوي العليم، والبطل الفهلوي طارق العايق، والبطلة الجميلة الحالمة ميرفت. بيلعبوا دومينو على رقعة المدينة، بورسعيد، على نغمة السمسمية، وفي الخلفية صوت حسن الأسمر الحزين الراقص. علاقة فيها مدّ وجزر، خديعة مغلفة بالاحلام و الصدق، زي ذاكرة المدينة اللي عانت من العدوان الثلاثي، ودماء مذبحة الألتراس، وفن السمسمية مع رائحة الأكلات وسط هدير البحر و القنال. وفوق كل ده… القصة الحب اللي هي التيمة الأساسيةاللي بتتحرك منها القصة. جميلة وحسية اوي 😍
✨ ريفيو رواية « انخدعنا » للكاتبة دينا شحاته ====================
✨ منذ الصفحات الأولى، تجذبنا الرواية إلى عالم كامل من الخسارات الإنسانية الصغيرة، التي تبدأ بهدوء شديد، ثم تكتشف فجأة أنها التهمت العمر كله.
أعجبني كثيرا رسم شخصية "طارق العايق"، الرجل البسيط الذي يبدو ساخرًا ومهزومًا في الوقت نفسه، يحكي عن الحب كأنه يتحدث عن لعبة خاسرة، أو رهان دخل إليه طفلًا فخرج منه رجلًا مثقلًا بالتعب والندم.
✨ أكثر ما لفت انتباهي أن الرواية لا تقدم “الخديعة” باعتبارها خيانة عاطفية فقط، بل كفكرة أكبر وأعمق: خديعة العمر، وخديعة الأحلام، وخديعة المدينة، وخديعة الأدوار التي نفرضها على أنفسنا منذ الطفولة.
✨ الرواية مليئة بالتفاصيل الشعبية والبورسعيدية، بداية من رائحة الجمبري، أغاني حسن الأسمر، السمسمية، الكوتشينة، وصولًا إلى الشوارع القديمة والميناء والبحر والنورس. بورسعيد هنا لم تكن مجرد مكان يدور فيه الأحداث، بل كائن حي يتكلم ويتألم ويتذكر.
تأثرت كثيرا بالفصل الذي تتحدث فيه "المدينة" نفسها، حيث تحكي تاريخها وانقسامها وآلامها، بداية من حفر القناة، الحروب والتهجير ثم الانفتاح. هذا الجزء كان مكتوبًا بحس شعري وإنساني عالٍ جدًا.
✨ أحببت كذلك فكرة تعدد الأصوات، والتنقل بين طارق والمدينة والراوي، وكأن الجميع متورطون في الخديعة نفسها، لكن كلٌ بطريقته.
كما أعجبتني اللغة جدًا؛ لغة بسيطة لكنها مشحونة بالمشاعر والمرارة والفلسفة الشعبية، وفيها جمل شديدة الصدق، مثل:
"أكبر خديعة في الحب، أن يرحل أحبابك أول ساعة من النهار في حياتك."
و:
"الخسارة تبدأ في أكثر لحظة تتخيل إنها قد تمدك بالسعادة."
“بعض الأيام تُدفن في الذاكرة لا لأنها انتهت، بل لأنها مازالت تنزف بصمت.”
"أمي والست سميحة والريس حسين، خدعوني، قاموا بتمثيل مسرحية وأنا كنت المتفرج الوحيد."
✨ الرواية لا تتحدث عن الحب الرومانسي بقدر ما تتحدث عن العِشرة، والاعتياد، والخوف من الوحدة، وكيف يمكن أن يتحول الحب مع الوقت إلى عبء ثقيل، أو إلى دور اجتماعي يؤديه الإنسان حتى لو فقد إحساسه الحقيقي بكل شيء.
كما نجحت الكاتبة في تصوير الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بشكل مؤلم جدًا، دون خطابة أو افتعال، بداية من أزمة الشقة والزواج، وحتى الإحساس الدائم بالاختناق والمسئولية.
✨ «انخدعنا» رواية حزينة، لكنها صادقة جدًا، ومليئة بالحياة رغم كل ما فيها من انكسارات. رواية عن البشر الذين استيقظوا متأخرين، واكتشفوا أن العمر مضى بينما كانوا يؤدون أدوارًا لم يختاروها بالكامل.
خالص التهاني للكاتبة دينا شحاته على هذا العمل الإنساني العميق، وتمنياتي بالمزيد من النجاح والتألق 🌿
خلصت الرواية من كام يوم و مكنتش لاقي الكلمات اللي تقدر تعبر عن شعوري ناحيتها
يمكن اكتر حاجة اقدر اوصف بيها انخدعنا انها مختلفة... رؤية جديدة للحياة اليومية ، و انتصار للشخصيات " العادية "
كان في مقولة نقلها سيوران عن أحد المرضى النفسيين بيقول " أنا شبيهٌ بالدمية المكسورة... التي سقطت عيناها إلى الداخل"
بفتكرها و انا بشوف حياة طارق العايق و هزائمه المتتابعة و مش قادر يخرج من جولة الدومينو الخسرانة اللي اتكتبت عليه من لحظة ولادته ، بفتكرها و انا بشوف المدينة اللي لسه شايلة ماضيها و الألم في كل شوارعها مهما مر الزمن ، بشوفها حتى في الراوي العليم اللي ارهقه الحكي عن الخسارات و الاحلام الضائعة ... و بدأ يتخلى عن حياديته و يسخر من الجروح و من الألم ... محاولة للتخفف من ثقل الهزيمة ، وبتظهر عليه الهشاشة البشرية زيه زي كل الحزانى المرهقين اللي بيحكي عنهم " يولد المصري وفي قلبه ورقة بردي مكتوب عليها بحروف ذهبية: "إن السخرية هي المنقذ من اليأس".
من بعد " نداهة اصيل " و " رحيل و غربة" ، أيقنت ان دينا عندها ارتباط حقيقي بالمدن و قدرة استثنائية في الحكي عنها و عن تاريخها ، و بنلاقيها بتوصل لمستويات أعلى في" انخدعنا " لما بتتشارك المدينة تاريخها الشخصي و سجل المرارة و الآلام مع ساكنيها ، مع طارق و ميرفت و حمص... و الجيل اللي سبقهم ، تاريخ مليان ضحكات و اغاني بتحاول تواري الهزيمة ، بتطفي نار الذكريات القديمة و الحنين بدموع و قعدة ضمة ، بتواسي نفسها من الحب القديم بأكلة شبار ، و بتطبطب على روحها من غلا الشبار بماتش المصري ، و بتهرب بقعدة قدام البحر لما المصري يخيب ، و بتفكر كل مرة هتعمل ايه لما البحر يغيب .
مفيش كلام تاني يتقال عن انخدعنا ... و مفيش حاجة تواسي طارق العايق ، ولا حاجة تنسي المدينة جراحها القديمة ، و لو سألتوا دينا كتابك الجاي ايه هتقول كتاب حياتي يا عين ، فا اشطا يعني هكذا نمضي بلا أمل او اصدقاء.. او قصة حب ، و شئنا ام أبينا... غداً يومٌ آخر.
رواية (انخدعنا) – عن دار الشروق د. دينا شحاتة من جديد، في ثوب نضج متجدد جاء محافظًا على طابع كتاباتها المتميز رغم تلمسه أفاق وأساليب بناء جديدة. أتت لنا صاحبة سلسلة متميزة من الروايات بتحفة فنية، جمعت المدينة، بالراوي، في حضور روح بطلها المنهزم، وكل ذلك داخل إطار روائي متجدد (مش هاحرقه) يتتابع في جولات تنافس تبقيك متحفزًا ومتفاعلًا بشكل ليس غريبًا لكنه متجدد، وتلك مساحة سرد وإبداع لا يرتادها إلا كبار الكتاب. غاصت بنا د. دينا هذه المرة في متناثرات ربما لا يسعها عقل لأول وهلة، لكنها في رواية (انخدعنا) تتآلف بشكل متجانس يرينا جوانب خفية لأحداث نعرفها، ومطرب أحببناه، ومدينة متفردة تعرفها الكاتبة كما تعرف كف يدها حتى أنها تحدثت بلسانها. تمتد تفاصيل الرواية ليس فقط عبر أبعاد شخصياتها بل عبر الزمان أيضًا.. شخصيات تتفاعل وتؤثر في الأحداث وإن ظهرت لممًا فيستوى حضورها مع بطل الرواية "العايق". رحلة في قلب ما ظنناه مألوف جدًا، فتراه بعين جديدة.. تألفه رغم بشاعته أحيانًا وقسوته دائمًا، وتتقبل خدعته الكبرى لأنها الحياة ذاتها.. كل ذلك بطابع مستمر ومتجدد من السرد السلس، وبالإيقاع المريح ذاته الذي تتميز به كل روايات د. دينا، مع نضج متزايد في حرفيتها حافظ على استقرار وقع الإيقاع رغم أنه أسرع من إيقاع رواياتها السابقة. حاولت قدر الإمكان إني أصف رواية سيكون لها شأن في خريطة هذا العام دون أي حرق. لكني لم أستطع مقاومة رغبة في اقتباس عابر منها وقع أثره في جملة آثار البهجة التي ألقتها الرواية في نفسي على مدار يومين. " لكنها خديعة قديمة، أن يظن المرء أنه إذا تحدث عن وجعه بصوت عالٍ، فإنه تحرر منه." – من رواية "انخدعنا – د. دينا شحاتة"
قدّمت الكاتبة، عبر تقنيات سردية مبتكرة، عملًا مميزًا استمتعت به كثيرًا. فبين أدوار لعبة الدومينو، يتناوب بطل الرواية (طارق العايق)، والراوي العليم، ومدينة بورسعيد في سرد الحكاية، على أنغام السمسمية وأغاني حسن الأسمر، التي استلهمت الرواية عنوانها من إحدى أشهرها.
تأخذنا الكاتبة في سلسلة متتابعة من الأحداث لتكشف حلقات الخديعة؛ فالحب لم يكن حبًا، والصداقة لم تكن صداقة، والأحلام جميعها تكسرت على صخور الواقع. حتى الانتماء إلى ناد رياضي انتهى بمأساة، وكأننا نعيش داخل خدعة كبرى؛ فلا تكتفي الحياة بخداعنا وصدمنا مرارًا، بل نشارك نحن أيضًا في خداع أنفسنا كي نستطيع الاستمرار.
ومن أكثر ما لفت انتباهي أن مدينة بورسعيد لم تكن مجرد إطار مكاني للأحداث أو شاهدًا سلبيًا عليها، بل بدت كأنها تعيش الخديعة بدورها؛ بين إرث الاستعمار والتحولات الاقتصادية التي غيرت ملامحها وجعلتها أكثر قسوة على أبنائها.بلغة قريبة من القلب، تصدت الكاتبة للعديد من القضايا، وأنحازت إلى طبقة المهمشين، حيث رصدت معاناتهم ببراعة، لتقدم في النهاية رواية ممتعة للغاية.
انخدعنا، أكثر ما أدهشني في هذه الرواية، هو التجريب في السرد، وصناعة الحبكة، وكيف جلست كل الشخصيات بما فيهم المدينة براويها العليم أمام طاولة دومينو. أدهشتني بورسعيد المثقلة بالتاريخ والحكي، أجدني وأنا مشدود لتلك المدينة التي لم أزرها إلا عبر طارق عيسوي. كنتُ محتارًا كيف ستكون النهاية، وإذ بي أجدني حيث بدأ الحكي، حبكة مدهشة مرة أخرىٰ.
انخدعنا، تمنيت لو أنّ الاسم يعكس شيء عن بورسعيد، كمعلم أثري أو أي دلالة أخرى.. وجدتُ العنوان في صفحاته الأولى مباشرًا، مبكرًا. أعتبرها رواية لسيرة الأمكنة، بطلها تلك المدينة الفاضلة.
ما زالت حائرًا كيف تسللت تلك الفكرة العبقرية إلى دينا شحاتة.
على شاطئ القناة، تصحبنا الكاتبة مع خلفية موسيقية ساحرة للسمسمية وصوت "حسن الأسمر" ذو الشجون، حيث المدينة الباسلة؛ بورسعيد. تروي لنا -المدينة لا الكاتبة- قصة "طارق العايق" المخذول دائماً: في حبه وصداقته، أحلامه بالثراء وشغفه بكرة القدم. حيث كانت شاهدةً عليه، وعلى من سبقوه وعاشوا بها، كديدنها منذ أول مِعول ضرب بصحرائها لربط البحرين الأحمر والأبيض ببعض، مروراً بعدوانٍ ونكسةٍ، ثم انتصارٍ رد كرامتها، وأخيراً انفتاحٌ أضاع هويتها وبساطتها. رواية مكثفة، بلغةٍ هادئة، وسردٌ مبتكر، مناسب جداً للتذكير بقصة جزء عزيز جداً من أرضنا -وكل الأرض عزيز- وبما ضُحّي لأجلِه من دماءِ أهلنا.. حيث لا يقدر على حكي ذلك إلا المكان نفسه.