تتناول «الرحيل إلى الجنة» سيرة الطفل جاب الله، في إطار سردي إنساني يستعيد واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في التاريخ الليبي الحديث، حيث توثق الرواية سياسات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي مارسها الاستعمار الإيطالي الفاشي بحق أهالي برقة، من خلال معسكرات الاعتقال التي أقيمت أواخر عشرينيات وبدايات ثلاثينيات القرن الماضي، وأودت بحياة ما يقارب مئة ألف ليبي، في وقت لم يكن عدد سكان ليبيا يتجاوز المليون نسمة.
ويقدم النعّاس روايته بوصفها مواجهة مباشرة مع سياسات النسيان والتغييب التاريخي، مستندًا إلى مرجعيات أدبية وتاريخية، من بينها قصيدة الشاعر الليبي الراحل رجب بوحويش، وكتاب «الإبادة الجماعية في ليبيا» للمؤرخ الليبي الدكتور علي عبداللطيف حميده، الذي شكّل أرضية أكاديمية أساسية للعمل الروائي.
وأوضح الكاتب أن كتابة الرواية مرت بمراحل شاقة، قبل أن تستعيد زخمها بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، وما تبعها من مآسٍ إنسانية في غزة، حيث رأى النعّاس تقاطعًا تاريخيًا بين سياسات الاستعمار الفاشي القديم وممارسات الاحتلال المعاصر، ما منحه دافعًا جديدًا لإتمام العمل بوصفه فعلًا إبداعيًا في مواجهة النسيان.
محمد النعاس، كاتب ليبي، نشرتُ في خط ٣٠، رصيف ٢٢، نيولاينز ماقازين، خارج التغطية، ولدي قصص ونصوص منشورة في آخر قصة، بلد الطيوب، ثقافات، كيكه ومواقع ثقافية أخرى. لدي مجموعة قصصية بعنوان ” دم أزرق- النّعاس وشركاءه للنشر- ٢٠١٩، كما لدي رواية بعنوان ” خبز على طاولة الخال ميلاد”، مسكلياني ورشم للنشر، يونيو ٢٠٢١
تأتي رواية الرحيل إلى الجنة بوصفها عملًا سرديًا إنسانيًا يستعيد واحدة من أكثر الصفحات قسوة في التاريخ الليبي الحديث، من خلال سيرة الطفل جاب الله، التي تتحول إلى مرآة لجماعة كاملة سُحقت تحت سياسات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي مارسها الاستعمار الإيطالي الفاشي بحق أهالي برقة. تسلط الرواية الضوء على معسكرات الاعتقال التي أُقيمت في أواخر عشرينيات وبدايات ثلاثينيات القرن الماضي، والتي أودت بحياة ما يقارب مئة ألف ليبي، في بلد لم يكن عدد سكانه آنذاك يتجاوز المليون نسمة، ما يمنح السرد بعدًا صادمًا يزاوج بين الخاص والوطني.
ولا يكتفي الكاتب بسرد المأساة، بل يقدّم روايته بوصفها فعل مواجهة مع النسيان والتغييب التاريخي، مستندًا إلى تداخل واعٍ بين الأدب والتاريخ. يستحضر النعّاس مرجعيات شعرية وتوثيقية، من بينها قصيدة الشاعر الليبي الراحل رجب بوحويش، وكتاب الإبادة الجماعية في ليبيا للمؤرخ علي عبداللطيف حميده، الذي يشكّل خلفية معرفية راسخة تمنح النص عمقه وصدقيته.
كما أن الرواية كُتبت عبر مسار شاق ومتقطع، قبل أن تستعيد طاقتها الإبداعية في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من مآسٍ في غزة، حيث يرى الكاتب تقاطعًا تاريخيًا مؤلمًا بين عنف الاستعمار الفاشي في الماضي وممارسات الاحتلال في الحاضر. من هنا، تغدو الرحيل إلى الجنة أكثر من رواية تاريخية؛ إنها شهادة أدبية وموقف أخلاقي يسعى إلى مقاومة النسيان، وإعادة الاعتبار للضحايا عبر السرد والرواية.
الرواية جميلة في مجملها، غير أنّ الجانب التخييلي فيها بدا أحيانًا أثقل مما يحتمل النص. صحيح أنّ هذا التخييل خدم العمل في مراحله الأولى ومنحه مساحة للتأمل والاتساع، إلا أنّ الإكثار منه، مع تكرار الأدوات ذاتها وغياب التجديد، ألقى بظلال من الرتابة على السرد، وأضعف شيئًا من توهّجه، فمالت بعض المقاطع إلى الإطالة على حساب كثافة التجربة وجاذبيتها لكنه عمل ممتاز وتوثيقي مهم لمرحلة بشعة من تاريخ الاستعمار الإيطالي لليبيا.