يرصد هذا الكتاب أهم الإشكاليات التي تعترض التنفيذ العملي للقانون الدولي الإنساني، وصعوبة الخيارات التي يتم اللجوء إليها في ظل تزايد الانتهاكات والخروق الجسيمة للنواة الصلبة لحقوق الإنسان؛ فالقوى المهيمنة على المسرح الدولي تعمل جاهدة وباستمرار على تجاوز القانون الدولي باستحضار ذرائع المصلحة الوطنية أو الدفاع عن النفس أو محاربة الإرهاب… إلخ. لذا يبدو أساسياً طرح التّساؤل حول مدى قدرة القانون الدولي الإنساني على توفير الحماية لضحايا النزاعات المسلحة، ومُساءلة جهود الدول وخيارات الأفراد وسلطة الضّمير البشري. ومن المشروع أيضًا التساؤل عن ضرورة توافر القانون الدولي الإنساني على الآليات الكفيلة لضمان تطبيقه على أرض الواقع.
وفي سياق انتشار القتل المتعمَّد، وتنفيذ الهجمات السيبرانية وتأثيرها المحتمل في سير المنشآت المدنية الحيوية والحساسة، والاعتماد على الأسلحة المستقلة الذاتية التشغيل، كالطائرات المسيرَّة التي أصبحت تثير أسئلة مقلقة حول قدرة الفاعل في المجال الحربي على اتخاذ القرار المناسب مع مراعاة مبدأي التناسب والتمييز، ودخول الشركات الخاصة إلى ساحات المعارك والحروب ونشر دوامة العنف والفوضى، تُثار أسئلة كبرى تنفلت من عقال القانون الدولي الإنساني ورقابته.
أمام هذا المشهد المعقَّد لواقع الصراعات المسلحة، سواء كانت دولية أو غير دولية أو هجينة، يعالج هذا الكتاب أيضًا التناقضات التي عرفتها العدالة الدولية إزاء الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني من حيث ازدواجية المعايير المستعملة والتطبيق الانتقائي الخاضع للحسابات الجيوسياسية في مساءلة منتهكي القواعد الدولية ومتابعتهم. كما يحاول الكتاب، من زوايا مختلفة، رصد الفجوة الهائلة التي تفصل بين حجم انتهاكات القانون الدولي الإنساني وعدد المحاكمات الفعلية ومدى تأثير ذلك في قدرة العدالة الدولية على الردع والحد من ثقافة الإفلات من العقاب.