المجموعة القصصية "أحلام ومآسي" للكاتب "بلال علاء"، تأخذنا في رحلة داخل أعماق جيل واجه تغيرات كبرى، من خلال صوت راوٍ يشعر بالحيرة والقلق تجاه وجوده، ويحاول جاهدًا أن يفهم نفسه من خلال نظرة الآخرين إليه، لكنه يكتشف في كل مرة أنه يعيش غربة مُرَّة رغم وجوده في مدينته ووسط أصحابه وحبيباته.
في القراءة الأولي كنا نحتفي بصدور الجديد من بلال، قرأنا القصص ثم تشابكنا معها؛ قراءة خالية من النقد تمامًا أو حتي خالية من محاولة استيعاب ما كتبه بلال، قراءة مليئة باللهفة والفضول لكاتب نُقدِره؛ برغم ذلك شعرنا بالألفة والحنين إلي ماضي ما، ماضي يجيد بلال الكتابة عنه والتغزل به وأحيانًا مناطحته ومحاولة فلسفته أو منطَقته، وفي كل قصة شعرت بنفس الشيء الذي شعرت به في الصداقة أو الطيور تهاجر ألا أن الراوي واحد، لأجد في القراءة الثانية لم يكن الراوي واحدًا بل هي شبحية بلال التي تُسيطر علي اللغة، فترتدي اللغة الرداء الذي يختاره بلال ويراه مناسبًا.
ربما في البداية شعرت بالضجر من هذا الزي الذي يطغي علي حبكة القصة، أو للدقة كان سِحر اللغة أحيانًا ما يُنسيني القصة وأبطالها، فكنت أغرق في جمال وحده بلال قادر علي غزله ودمجه؛ ويبدو ذلك للوهلة الأولي طمس لمعايير القصة القصيرة.
؛لكن في القراءة الثانية قررت أن أقرأ فقط ما كتبه بلال بدون تفنيد للعمل الأدبي أو محاولة حصره أو تعريفه، حرية تامة أطلقتها للكِتاب الذي بين يديَّ وقرأت بقلب غير متلهف وبعين غير متسرعة، قراءة علي مهل وعلي فترات متقطعة؛ لأجد أنني أحب كتابة بلال لا لجمالها أو لذكائها الفلسفي أو حتي لانفرادتها الشاعرية؛ بل لحُريتها المطلقة وعدم التزامها بمعايير، معايير قد تسلب روح الكاتب وما أكثر الأعمال التي اختار فيها الكاتب خسارة صوته أمام مكسب النص.
تحرر الكاتب من معايير معينة لكتابة القصة القصيرة هو انتصار يشبه انتصار أدب وشِعر أبناء القري والمدن الصغيرة علي مركزية القاهرة التي ترسم دائمًا شكلًا معينًا للعمل الأدبي ثم تقوم بتقييمه بناءً علي تلك المعايير التي قامت هي بوضعها، مشابهة ربما لم يلتفت إليها الكاتب وفي أغلب الظن لم يكن يقصدها؛ لكن روح القاريء ستستشفها وستقوم عدسته بالتقاطها وتكبيرها .
أعتقد إني هعود لقرأتها مرات أخري قريبة، وبالتأكيد سأكتشف قصة آخري تُربك من آلياتي الدفاعية وسألمس جمالًا لم ألتفت إليه بعد؛ لأنه كما وصف بلال القصة من وجهة نظره وعلي حد تعبيره " لا يقتصر الأمر أن تكون لديك حكاية جميلة، ولكن أن تكون قادرًا - في أي وقت - علي اختلاق الأعذار الكافية والمختلقة لإعادة حكيها "..
المربك ليس أن الزمان يتغير كل جيل , ولكن أنه يتغير خلال سنوات قليلة في حياة الجيل نفسه . هكذا التفتت إلي فريدة في زمان الحب ثم اعطتني بعدها بسنوات قليلة من المنقي خيار في زمان العلاقات المرتبكة وبدايات التعرف عل مصطلحات الطب النفسي الشعبي . كان الحب في بدايته كلاسيكيا ، سلطانا ،ديكتاتورا كتلك الديكتاتورية التي أردنا الثورة عليها ، ثم أضحى بعد سنوات مواطنا عقلانيا في جمهورية المنفعة المتبادلة والتفاوض العنيف وسوق الرغبات المتعلم والحر . في بداياته كنت أكتب القصيدة تلو الأخرى عن الالتفاتة ، نظرة العين الجانبية الحانية التي تدفئ العالم . في نهاياته ، كنت أكتب القصيدة عن موازين الحب وضرورة تساوي كفتيه . في بداياته كان يكفيني أن يكون في الكفة الأخرى أي شئ . في نهاياته ، كنت أردد - مثل قيس بن الملوح - أن يسوي الرب الحب بيني وبينها ، يكون كفافا لا علي ولا ليا .
- ربما تكون إحدى علامات اللحظات الكبرى في حياتنا كونها عصية على التأريخ الآني، نكون مغمورين فيها إلى الحد الذي نفقد فيه تفكيرنا القصصي الراغب في وضع كل شيء في سياق يمكن حكايته.
- لكن كل ذلك سيأتي تحت بند «الورد إن دبل ريحته فيه». أحد أحب الأمثال إلى قلبي؛ ربما لأنه يعني -ضمن ما يعني - أن لا شيء ينفلت منا بكليته.
من الحجات اللي بحبها في بلال علاء انه بيتطور مع كل عمل سواء لغة أو أسلوب. والمميز هنا انه بيحكي عن جيل شباب الثورة بس بشكل ذاتي، عن هزائمهم الشخصية قبل السياسية، عن مفهوهم للحب والعلاقات والتربية والثقافة وكل شيء تقريبا، بس من عدسة خاصة جدا بعيدا عن الشعارات السياسية اللي كونت جيل كامل وجزء كبير منهم لسه محبوس فيها. فمبسوط ان بلال عرف يقربني من الجيل ده اكتر لأن وصفه لأبسط الاشياء بيدهشني انه قدر يصيغ مشاعر تبدو شديدة البساطة ولكنها مكثفة جدا ومحتاجة عين شوافة عشان تتوصف.
بلال شاطر في توصيف شكل العلاقات بستمتع جدا في تحليله ورأيه وبنغمس في القصة - هنالك تطور ملحوظ في عدم التوهان فالشخصيات عن كتاب الصداقة ولو أنه في أفضل- أي وقت بصحبة بلال ممتع من الكتاب القليلين المعاصرين اللي مهتم أقتني كل كتبه. عندي رجاء صغير أن تختمر الفكرة في رأسه عشان يدخل عالم الرواية لو أراد لأنه أبطاله دايماً نفسهم قصير بتعبير صديقي عمرو أو يفاجئنا بالقادم على المستوي الفني محبة خالصة وامتنان لبلال متوقع له الكثير من النجاحات في المستقبل القريب