في عوالم تمتدّ من دفء القاهرة وتفاصيلها الحميمة إلى شوارع باريس الماطرة ومقاهيها، تأخذنا منصورة عز الدين في رحلة سردية عبر خمس عشرة قصة، لا تكتفي فيها برصد الواقع، بل تعيد تشكيله بخيالٍ خصب ولغةٍ بصرية مكثفة.
في «نجمة الصباح»، نرافق كاتبة تطارد طيف فتاة غريبة في طرقات «سان جيرمان»، تنسج لها اسمًا وحياةً كاملة من مجرد نظرة عابرة. ومن لعبة الخيال ننتقل إلى «مهرجان ثربانتس»؛ حيث تتحول مهمة أدبية إلى لعبة وجودية، تتقمص فيها البطلة روح شهر زاد لتحكي الحكايات كي تنجو من الصمت.
لا تتوقف الدهشة عند حدود الأدب، ففي «ثوب العالم» نلتقي برحَّالة يطوي الأرض تحت قدميْه، باحثًا في ترحاله الدائم عن سر وجوده، بينما تأخذنا نصوص «إلغاء المحبوب» إلى مناطق أكثر عاطفية، مستكشفة تعقيدات العلاقات، والذاكرة التي تحضر وتغيب.
«متحف الأخطاء» مجموعة قصصية بلمسة من السحر، تمنحنا عيونًا جديدة لنرى بها العالم، ونكتشف أن في كل خطأ، تكمن بداية لحكاية أجمل.
مجموعة قصصية بديعة، أكثر ما أدهشني فيها خواتيمها، التي تجبرك على إعادة قراءة القصة مجددًا. خواتيم القصص ذكية ومربكة، بل متواضعة؛ تواضع كاتبتها منصورة أمام صنعتها الهائلة، كأن ترسم حياة كاملة في منتهى الجمال والرهافة لفتاة شيرازية مرّت أمامها في باريس، أشبه بفنان يرسم لوحته مباشرة أمام جمهوره المنتظر. وبعد أن تُدقّق في التفاصيل، وترى أنت كقارئ تلك الشخصية من لحم ودم، تختم قصتها البديعة «نجمة الصباح» بجملة: «كل ما في الأمر أنني تعرّفت على فتاة شيرازية، التقيتها مرتين عابرتين، وصادفتها قبل قليل في شارع بونابرت، غافلة عني وعن العالم، وهذا لا يؤهلني لكتابة قصة عنها».
هناك تداخل وتحاور مع التراث في عوالم القصص، بين رؤية متداخلة لـألف ليلة وليلة من منظور جلبهار، وبين تخييل لقصة فريد الدين الأصفهاني. لكن أشد ما آسرني القصص الثلاث المعنونة تحت اسم «إلغاء المحبوب»، عن مثلث حب به نضج وفهم وإدراك كبير، بلغة عذبة وذكاء بمفعول الحب الناقص في القلب. اقرأ ذلك:
«يخطر لي فجأة أن حبي له نوع من إلغاء له، من شطب الشخص الواقعي لصالح نسخة مخترعة أستميت في تثبيتها على حساب الأصل. يبزغ سؤال في ذهني: الحب كإلغاء للمحبوب؟ أيمكن أن يوجد شيء مماثل؟».
مجموعة قصصية مُنعشة. قصص رائعة وآسرة،. أحب أن أصف أعمال د/ منصورة التي قرأتها حتى الآن أنها كلها تتسم بالشجاعة الأدبية، وهذه المجموعة امتداد لها. هُناك مساحة تجريب واسعة، ممتزجة بقوة اللغة وتماسك الأسلوب، مما يجعل القراءة تجربة ممتعة و مفيدة لكل مهتم بالكتابة الإبداعية أيضاً
أستطيع أن اؤكد انني سأرجع لهذه المجموعة قريياً لأعيد قراءتها ، حتى اعيد الاستمتاع بها، وحتى أقوم بتدوين ملاحظات وأفكار وأسئلة كثيرة حولها
الكتابة التي أحب، وانتظرها من الاستاذة منصورة فهي كاتبتي المفضلة، وقد اقتنيت المجموعة من معرض القاهرة فور صدورها، بدأت بها فورًا لكن ارتأيت التمهل لمطالعتها بتركيز للتمعن فيما بين السطور
قد يبدو ذلك غريبًا للبعض، لكني قرأت المجموعة بصوت الاستاذة، توقفت عند فقرات كثيرة، تخيلت الأمكنة والشخوص، فالنبض الإنساني صادق، محبوك وكأن الكاتبة تحفظ ذاكرتها من النسيان، فالشخوص من لحم ودم، أعتقد أنها تجربة معاشة، ذكرى حاصلة، أو لعلها وجوه عبرت بها فالتقتطها ورسمت بخيالها هذه الحكايات.
عشق ألف ليلة وليلة حاضر، يدركه متتبع رحلة عز الدين الأدبي، كذلك الراوي المتكلم الذي ربما أضفى على المجموعة روحًا تقارب القارئ وتلامس أصداء لديه.
لا استطيع مفاضلة واحدة على أخرى، فالحنين وسؤال الاحتمالات يتراءى في كل منها، إنما ألفت الى ذكاء العنوان خاصة مع الاستهلال بالحكاية المعنونة به، اذ يبدو مع الاستمرار في المطالعة انه متن يجمع القصص كاملة، في إشارة ان الأخطاء ترافقنا في حياتنا(المتحف)، مخلفة فينا ما يجعلنا أناس آخرون
$ العالم شاسع، حقيقة نعرفها نحن الرحالة أكثر من غيرنا، لكننا ندرك أيضا أن من الممكن طيه، كما يطوي ثوب قشيب ترتديه صبية دمشقية تتسلل إلى بقعة خفية بأحد بساتين غوطة دمشق للقاء حبيب سينتزع روحها في لحظة عابرة من جنون الغيرة
ممتازة، منصورة عز الدين هنا بتتعامل مع التراث الأدبي من منطلق التساؤل عن سلطته ليس الإعجاب به، قصة ثربانتس دي من أجمل ما قرأت عموما، فيها ذكاء ولغة طازة، والقصص كلها مختلفة وبتتجاوز في منصورة شغلها القديم كله.