ماذا لو كانت المكالمة الأخيرة في حياة رجل هي أكثر ما يكشفه أمام نفسه؟ حين يقرر يوسف هدهد، البروفيسور المصري–الأمريكي والأستاذ في جامعة هارفارد، أن ينهيَ حياته بعد سقوط مهنيٍّ وأخلاقيٍّ مُدوٍّ، يرنّ الهاتف. مكالمة روتينية من موظف خدمة عملاء تتحول ببطء إلى متاهة من الأسئلة تُحاصرُ رجلًا قضى عمره يحرس أفكارًا لم يعد متأكدًا أنها له. في حوارٍ مشدودٍ يمتد عبر الليل تتقاطع ذكريات الأكاديمي المهاجر مع آرائه المثيرة للجدل، وعلاقاته العاطفية الخائبة مع الخيانات الفكرية، والضحايا الصامتون مع السرديات المنتصرة. ملهاة حارس المتاهة ليست رواية عن انتحار، بل عما يحدث قبل القرار وبعده. عن الحقيقة حين تُكتب بأسماء مستعارة. وعن المتاهة حين يكون حارسها أول التائهين فيها.
«إلى الذين يعرفون طريقهم، لا يحرسون المتاهات ولا يضيعون فيها.»
رواية مُدهشة على طريقتها الخاصة. أرى في هذه الرواية تحديدا من بين كل روايات شيماء التي قرأتها نوعًا خاصًا من الهدايا الأصيلة، فهي لا تُهديك الزبدة مرة واحدة ولكنها تُخرج منك تساؤلًا تلو الأخر، تجعلك مشاركا في النص تارة مع وتارة ضد إلى أن يكتمل أمامك المشهد، فلا تدري هل أنت متعاطف؟ غاضب؟ متشفٍ؟ أم ناقد تُسلط الضوء على متاهتك الخاصة! يعجبني في روايات الدكتورة شيماء أن لديها فعلا ما تقوله، وأن كل رواية من أعمالها لَبِنة مُثقلة بوعيٍ مدروس.
في «ملهاة حارس المتاهة» لا تبدأ الحكاية من منتصف الطريق، بل من حافته. يوسف، عالم الاجتماع، يقف على عتبة الانتحار كما لو كان يقف على منصة مناظرة أخيرة. حتى موته المحتمل يتحول إلى فعل فكري، إلى بيان ختامي لرجل عاش عمره يشرح العالم ولم يتعلم كيف يلمسه. الرواية، في تيمتها الأساسية، تذكرني بـ «نظافة القاتل» لإيميلي نوثومب . ذلك الحوار الطويل الذي يتحول إلى تعرية متبادلة، حيث لا يكون السؤال بحثًا عن الحقيقة، بل أداة لاختبار هشاشة الآخر. لكن بينما كان بطل نوثومب كاتبًا يحتضر خلف مجده الأدبي، فإن يوسف يحتضر خلف برجه النقدي. كلاهما يحتمي باللغة، كلاهما يحوّل الحوار إلى ساحة صراع، وكلاهما يكتشف متأخرًا أن الذكاء لا يخلّص صاحبه من وحدته. المكالمة الهاتفية مع موظف خدمة العملاء ليست تفصيلة طريفة؛ إنها المفارقة الأكثر قسوة في النص،وكنت أتمنى لو ظلت هكذا . مثقفٌ أفنى حياته في تفكيك البنى الاجتماعية،ينتهي به الأمر في مواجهة صوت عادي، محايد، غير معنيّ بإثبات شيء. وهنا يحدث الانكشاف: حين لا يجد العقل خصمًا بحجمه، يجد نفسه عاريًا أمام بساطة لا يستطيع تحقيرها.الغربة في الرواية ليست غربة مكان،بل غربة إحساس. يوسف لا يشعر أنه لا ينتمي،بل يشعر أنه أرقى من الانتماء. وذلك هو السقوط الحقيقي. النرجسية هنا ليست صفة نفسية عابرة، بل طريقة وجود. الآخر لا يُرى بوصفه ذاتًا، بل بوصفه مرآة. السيدات في حياته لم يكنّ حكايات،لم يتذكرهن بل تذكر من كل واحدة ما كانت قادرة على منحه له . كنّ انعكاسات. هو لا يتذكر وجوههن، بل يتذكر ذلك البريق الذي كان يراه في عيونهن حين يتحدث. لا يتذكر امرأة، بل يتذكر إحساسًا بالاكتمال. وما أقسى أن يكون الحب مجرد وظيفة نفسية. الرواية تلمّح إلى جذور هذا التشكل، إلى طفولة هدهد، إلى شقوق مبكرة في روحه، لكنها — وربما عن غير عمد — تترك بعض المساحات معتمة. كأن الكاتبة تقول إن النرجسية ليست حدثًا واحدًا يمكن الإمساك به. بل تراكمًا بطيئًا من لحظات لم يُحتوَ فيها طفلٌ كان يحتاج أن يُحَب لذاته، لا لتميّزه. اللغة كانت قوية بلا تكلف ، والحبكة محكمة، تتحرك بثقة نحو نهايتها التي لا تبدو مفاجئة بقدر ما تبدو حتمية. كأن الانتحار كان كامناً في أول جملة، ينتظر فقط أن يكتمل منطقه الداخلي- وإن كنت أميل إلى نهاية أكثر عبثًاو سوداوية لكن السؤال الذي تتركنا معه الرواية أعمق من مصير يوسف، هل يمكن للوعي أن يصبح شكلًا من أشكال القسوة؟ هل يتحول المثقف، حين يفقد قدرته على التعاطف، إلى قاضٍ دائم لا يعرف الرحمة؟ وهل النقد، حين لا يكون مشبعًا بالإنسانية، يتحول إلى ملهاة… لا لأن العالم هزلي، بل لأن الناقد يظن نفسه فوقه؟ في النهاية، المتاهة لم تكن المجتمع الذي انتقده يوسف، ولا النساء اللواتي عبرن حياته، ولا القضايا الكبرى التي تشبث بها ليعرّف نفسه. المتاهة كانت داخله. وكان يحرسها بإخلاص قاتل. «ملهاة حارس المتاهة» رواية عن مثقفٍ خسر معركته مع هشاشته. عن عقلٍ بالغ الحدة، لكنه لم يتعلم أن يكون دافئًا. عن رجلٍ فهم كل شيء… إلا نفسه.
اعتدنا من الكاتبة شيماء عمقاً في الطرح تقدّمه لقارئها في سبكٍ لغوي بديع في جميع أعمالها؛ فكلّ كتبها مشبعةٌ بالتأمّل، مترعةٌ بالمعاني، ولكن هذه الرواية على وجه الخصوص ترتقي إلى مستوى آخر.
من الصعب أن تصنّف "الملهاة" كقراءة عابرة فهي من النوع الذي يحفّز القارئ على إعمال عقله و فِكره صفحةً تلوَ صفحة بحيث يصعب أن يخرج منها كما دخل. والجميلُ أن كل ما سبق لم يكن أبداً على حساب إمتاع القارئ بأحداث شيّقة وسَردٍ جميل!
المختلف دائما في روايات شيماء هشام سعد أنها ضفيرة محكمة من عناصر عدة، من جودة اللغة، وجاذبية الأسلوب، وتشويق القصة، وعبقرية الوصف، كل هذا دون إهمال أهمية الفكرة.
كل عمل أقرؤه لشيماء أشعر أن لديها حقا ما تقوله، ويزداد يقيني أنها لا تكتب لمجرد أن يوضع اسمها على غلاف كتاب، بل لتوصل فكرة وتثير سؤالا.
رواية رائعة كالعادة، اللغة فيها عالية والتحليل النفسي هنا عميق وعبقري. شكرا مرة أخرى يا شيماء، في انتظار القادم بشوق.
-شعر أن الكلام صار أثقل، لا لأن ما قيل كثير، بل لأن ما لم يقل بدأ يطفو. ـ هذا ما أزعجه تحديداً: سرعة عودة الأشياء إلى طبيعتها، كأنها لم تتعلم شيئاً. فصل لم يكتب ٥ نجوم
التقييم دا يعبر عن رأيي الخاص المرتبط بذوقي في القراءة لكن غير كدة انا بالنسبالي كتابات شيماء هي اللي تقيمني وتقول رأيها فيا مش انا 😂❤️ بصراحة انا اُحبطت شوية عشان يمكن النوع دا الفلسفي اللي فيه جزء ليه علاقة بالدول ولو بسيط مش اكتر شئ بيشدني ومقدرتش افهم حاجات كتير او اتعمق فيها فالتفكير او يمكن عشان دي اول حاجة بدأت بيها اصلا من مشتريات المعرض وكنت طالباها مخصوص من صديقتي اللي راحت جابتهالي بإهداء من شيماء كنت بمر بوقت صعب كدة لما بدأت في قرائتها وقولت لصديقتي اني محتاجة اغرق كدة في كتابات شيماء ومحتاجة حاجة تحضني ف هبدأ بيها ف يمكن الاحباط دا ماهو الا من توقعي بس لشئ تاني مشابه مثلا للسيدة التي حسبت نفسها سوسة والاشجار ليست عمياء والحياة السرية بس انا كملتها لآخرها لإني بحب اسلوبها وطريقة كتابتها وحتى لو في حاجات كتير مفهمتهاش بعمق ولكني بنبهر حقيقي بعمقها وكل شئ بتكتبه ومقدرش انكر انه عمل مختلف لو كان حد قالي ان العمل كله مبني على محادثة تليفونية بين شخصين كنت هقول ان في حشو مثلا او مش هصدق اوي انها هتكون حلوة لكن حقيقي شيماء دايماً بتبهرني اكتر جزء اعجبني هو الجزء اللي بعد الرواية ما خلصت ، المناقشة بين الكاتب عمر وشيماء فهمت منه حاجات كتير واستمتعت بيه حقيقي واستمتعت بكل اللي بعده اتمنى افضل اشوف اسمك بأعمال جديدة كل معرض كتاب وافضل بجيب وبقرأ كل اعمالك وبتمنالك النجاح والتوفيق دايماً وسعيدة بانضمامها لمكتبتي ولتجارب قرائتي ❤️
رواية مشوقة على طريقتها الخاصة، تحكي حكاية يوسف -الذي نكتشف في النهاية أن هذا ليس اسمه الحقيقي- المهاجر المصري الأمريكي أستاذ علم الاجتماع، عندما يفقد كل أمل في حياته بعد مقال مثير للجدل، فيقرر أن ينهي حياته، فتقاطعه مكالمة ملحة.
بعد الفصل الأول الذي ينتهي بنزوله من على الكرسي الذي صعده لشنق نفسه، ليرد على الهاتف محملا بكل ما يمكن لعجوز غاضب من الشتائم، توقعت ألا ينتحر، لكنني فوجئت عندما قلبت الصفحة لأجد تقرير الطب الشرعي الذي عاين جثته وأثبت موته مشنوقا!
بعد تلك النقطة تزايد فضولي لمعرفة ما يحدث، كيف ستسير هذه المكالمة العجيبة وما الذي ستنتهي إليه، وكيف لمكالمة واحدة أن تشكل عمودا فقريا لرواية، والحقيقة أن الدهشة صحبتني طوال هذه الرحلة من فصل لآخر، وأكثر ما أدهشني هو الطريقة التي اعتمدتها الكاتبة، حيث تخللت الفصول الرئيسية -التي هي عبارة عن المكالمة بين يوسف وموظف خدمة العملاء- سرد من نوع آخر، سرد موازي، على هيئة مقال أحيانا، رسالة بريد إليكتروني، إعلان، رسائل واتساب، وندوة أدبية، لتجمع الكاتبة كل هذه الخيوط معا في الصفحات الأخيرة، وتتكشف الحقيقة.
أعجبني ذكاء الكاتبة في استخدام مقتطفات من المقال الذي يفترض أن يوسف كتبه وتسبب له في أزمته الأخيرة، لغة المقال وأفكاره جزمت أن من المستحيل ألا تكون ليوسف صاحب النظرة الاستشراقية الأمريكية، وأعجبني كذلك ظهور الكاتبة في روايتها كمحاورة لشخصية في ندوة أدبية، تسبب لي هذا في شيء من الحيرة الممتعة، ما جعل الرواية في النهاية اشبه بمتاهة فعلا. افتتاحيات الفصول كانت مدهشة. في المجمل رواية ممتعة ومهمة، بلغة آسرة عودتنا عليها الكاتبة، وسرد سلس وجذاب، وحوار طويل وكاشف في منتهى الذكاء.
هذه الرواية تُعمِلُ في العقل أكثر مما تعمل في القلب، تحاصره بمتاهة من القضايا التي يعتقد كثيرين أنها منفصلة لكنها في حقيقة الأمر مُتشابكة ومتشعبة، قضايا لا يملك الكثيرون الجرأة للتحدّث عنها بشكل مباشر وواضح، قد تناولتها الكاتبة بوعي كبير وإطلاع واسع. أنا لم أكره يُوسف، منذ البداية لم أكرهه، إنه في علاقاته الإنسانية وعجرفته وعناده يُذكرني برجلٍ أعرفه، يعيش في متاهة كبيرة أيضًا ولا يسمح لأحدٍ أن يُنقذه منها، يرانا جميعًا حميرًا وجواميس بريّة، لكنه رغم ذلك في بعض الأحيان يكشف عن إنسانيته وجراحه من خلال حكايات يحكيها لنا، فأسمعها وأفكر أن هذا الرجل عانى كثيرًا، ولم يملك يدًا تساعده وتصحح له مفاهيمه وتجعله أرفق بنفسه وبمن حوله. هذه الرواية جريئة في طرحها، لكني أخذت على الكاتبة أنها في فصل المناقشة، طرحت أسئلة وأجابت عليها، وكأنها لا تثق في عقل القارئ أن يقرأ ما بين السطور، أو يُخطئ في فهمها، لم تترك له مجالا أن يُناقش نفسه في تلك القضايا، وأن يكون نظرته الخاصة عن بطل الرواية خاصة أنه رمز لعشرات المثقفين والمفكرين المستشرقين. ربما كان هناك غاية لا أعرفها من المناقشة، لكني أحسستها تفصل القارئ عن أفكاره. لكن في المجمل هذا عمل جريء وعبقري يستحق الإشادة به.