أُخِذْتُ أخْذًا إلى عالم غير واقعي، أساسه بناء من الخرافة، ومع أنني أتعامل مع هذه العوالم مباشرة، وعبر سنوات طويلة إلى حدٍّ ما، إلا أن ما حدث فوق كل توقع...
كنت في مكتبي بالشقة التي أقطنها بعد منتصف الليل، منكبًّا على سماع الحكاية عبر مُسجِّل، وأدوِّن كلماتها على ورق؛ توطئة لدراستها فيما بعد، وضمِّها إلى حكايات سبعٍ سبق أن عالجتهم بالشرح والتوضيح لمغزى كل حكاية على حدة، مكلَّفًا مِن قِبَل مدير مركز الدراسات الشعبية الذي أعمل به، سوف يجمع هذه الدراساتِ كتابٌ سيصدر عن المركز، عندما سمعت عبارة: "كان هناك غول..." وكتبتها، توقَّف المسجِّل عن العمل، ثم رأيت المسجِّل يُرجع الشريط إلى الخلف، صرخت؛ فهذا يعني أن الجهاز يقوم بعملية مسح لما سُجِّل على الشريط، أدركت مفتاح التوقف بعد فوات الأوان، ووجدت الجهاز يلفظ الشريط خارج صندوقه، وصفحة الورقة على سطح المكتب، والتي كنت كتبت عليها جملة: "كان هناك غول" مُحِيَت تمامًا، كأني لم أكتبها من الأصل، ثم شممتُ رائحة شياط، ودخنة بسيطة تأتي من الشريط النائم بجانب المسجل، ورأيته متجسِّدًا، عاريًا، وسيمًا، يبتسم لي وهو يتمطَّى بشدة، صِحتُ: مَن أنتَ؟!
أجابني بصوت ضاحك: وهل هذا سؤال يا مدوِّن ودارس الحكايات؟! أنا الغول، يا لضيق ما كنت فيه من سجن!
إذن عليَّ أن أفهم: تبدَّدت وتلاشت الحكاية الثامنة بمتنها، ولن تضاف وقائعها إلى الترتيب الذي أعددته مسبقًا، وبكل بساطة، عليَّ إسقاطها من الحساب، بتدوين ودراسة حكاية أخرى تأخذ نفس الترتيب الثامن، وكما يقولون في الأمثال: "يا دار ما دخلك شر".
"غول الحكاية الثامنة.. الحفاظ على الهوية لا يتحقق في ظل الخراب" كل منا خُلق بهيئة، صوت مميز، بصمة إصبع، كلنا أفراد وشعوب ودول هناك ما يميزنا، تصنع الهوية فارقًا لا بالضرورة أن يفرّق، ويصنع آخرون أوهامًا وصراعات لطمس كل من له حق التميّز. الحكاية هنا بدأت بلحظة تيه، خراب، زلزال، رجة روح وفكر، محاولة للبدء من جديد، والاستعداد لما هو قادم. بعد هذا الزلزال عانى صاحبنا في كتابته؛ فها قد اختفى الغول من حكايته الثامنة، بعد سبع حكايات نجح فيها، وجد نفسه يخسر شخصية البطل ويحاول العثور عليه، وعلى ذاته مجددًا. الحدث في الرواية مع أول مستوى يبدو خياليًا، غول يختفي من صفحات، ويتجسد في صورة شخص "رستم سلتوم"، إلا أنه بمعايشة عالم الرواية تظهر مستويات أخرى، مستويات شديدة الواقعية. استطاع النص الروائي بلغة شديدة السلاسة، وسرد مدهش متّزن، ومشهدية عبقرية، تقديم الحكاية بمستويات أقوى وأقرب، حملت إلينا تساؤلات منها: من رستم سلتوم في حياتنا؟ رستم سلتوم شخص شديد الغموض، غول في الأصل، هارب من حكاية، ربما شبح مختلق يخاف منه البشر وماهو سوى مجرد ظل، له مغامرات نسائية، وبحوذته طابية يفخر بها، كما يفخر بأصوله العثمانية. أما السارد في النص فهو ينقسم في الرواية إلى مدوّن وراوٍ، شخصيتان في ظاهر الأمر، إلا أنهما انعكاس لتفكير ومخاوف شخص واحد، يحاول كتابة نصه المفقود، ويسعى لتجنّب لعنة حرمته من رؤية حبر الكتب. رستم أو الغول له مجموعة شركات ضخمة، يستعين بمدير مشروعات، وكاتب سيناريو إعلان، يقدّم بأفلام ومهارات تقنية أملاكه من طابية، ومدينته. المدينة في حد ذاتها سؤال كبير في هذا النص، تناولته بأسلوب مبتكر، محاكاة لرغبة صاحب سُلطة يملك الجميع، ويعرض إنجازاته متجاهلًا أحوال الموظفين في الشركات. التفاصيل في النص مدهشة، مزج الخيال بالواقع تم باحترافية وفنية عالية، كتابة نص "ميتافكشن" بصورة غير تقليدية، خلق من الحكايات والغيلان عوالمًا نعيشها، لعنة الجهل والخوف التي أصابت المدوّن وغيره، فأصبحوا لا يرون حبر الكتب، ويرون مشروع الغول وطابيته ومدينته. من أبدع ما كُتب في النص: "المسألة ليست تصديقًا أو عدم تصديق.. المسألة هي أن لا أحد ينتبه لما يحدثه أمثال هؤلاء من خراب" جملة بديعة في إيجازها وفحواها، جاءت في موضعها الأمثل مع قرب انتهاء الصفحات. أما عن النهاية فجاءت متّسقة تمامًا مع أفكار النص، بمكان يناسب الشخصيات، ويعبر عن معنى قوي، يخدم النص ويضيف له الكثير. مع كثرة الحكايات لطالما نتساءل لماذا نقرأ؟ ولماذا نكتب؟ وقد تمر فترات طويلة دون أن نصل لإجابة، لكن هذا النص الروائي المدهش هو بحد ذاته إجابة شافية لهذين السؤالين. عن المدينة، الهويّة، الأصل، الفكر، معمار روائي حر، استطاع بعمق وبساطة خلق عالمًا ملهمًا، واقعيًا وخياليًا. رواية يفوز بها قارئها، رابحًا نكهة جديدة من الثراء الفكري، والمتعة الأدبية، ويطمح معها في المزيد من جرعات جمال حقيقي، جمال يتجاوز حدود الحروف والكلمات والصفحات.