يعيد وائل حلّاق في هذا الكتاب تأسيس فهم التاريخ الإسلامي و نشوء الإسلام و المذاهب ضمن الفضاء المعرفي الغربي , هذا الفهم الذي يستهدف تصحيح الصورة الاستشراقيّة المشوّهة و التي تهدف إلى تحقير هذه الحضارة و تعريتها من قدرتها على الإبداع , يحبث يكون المسلمون مجرّد مقلّدين للتقاليد اليونانيّة , و يكون الشافعي هو العبقريّ غير المفسّر بسبب كون هذه البيئة لا تنتج عباقرة و خالية من التفاعل الثقافي الخلّاق و المستمرّ ... و طبعا لا يخلو هذا الخطاب من التحالف و الخدمة لأدوات الهيمنة و السيطرة الغربيّة و استهداف تثبيت تصوّر جوهراني للشرق يعطّله من الإبداع و القدرة على إنشاء ثقافات و حضارات متقدّمة , ما يضطرّ احتياجه دوماً إلى وصيّ , هذا حسب كلام وائل حلّاق في مقدّمة الكتاب العربيّة .
يدافع وائل حلّاق عبر موضعة العرب في التاريخ و تبيين أنّ منطقة الشرق الأدنى لم تكن صحراء خالية من الحضارة , ذاكراً أنواع التفاعل و أشكال المجتمعات المتعدّدة فيها , ليظهر نشوء الإسلام في فضاء له عاداته و تقاليده وثقافته التي ليست يونانيّة , بل هي أقدم من اليونان ... و يكمل بعد ذلك ظروف نشوء الإسلام و الفقه .
لا أعرف إن كان من الترف أو من اللازم القول إنّ وائل حلّاق البحّاثة المتعمّق في هذا التراث و المدافع الشرس عن هذه الحشارة هو مسيحيّ .
الكتاب عمليّة مسحيّة شاملة لنشأة الفقه منذ ما قبل البعثة مروراً بعمليّة التشريع القرآنيّة إلى ما بعد وفاة النبيّ و ظهور القضاء و السلطة التشريعيّة و كيف تغيّر شكل القضاء من مجرّد رجل حكيم يقضي بين النزاعات القبليّة إلى مؤسّسة منظّمة لها تقاليدها و مراسيمها و كيف ترافق ذلك مع نشوء الفقه و تمايز الاختصاصات ما بين القضاء و الفقه و الحديث لاحقاً , ضمن سيرورة العلاقة الجدليّة مع السلطة التي كانت طرفاً حاضراً دائماً , و يؤكّد وائل حلّاق على أنّ السلطة التشريعيّة لم تكن يوماً بيد الدولة ما يسجّل سابقة فريدة للحضارة الإسلاميّة و أنّ السلطان و مؤسّسات الحكم السياسيّة لم يكن بيدها أن تغيّر شيئاً من أحكام القضاء - رمز الشرعيّة و العدالة في المجمتع - إلّا في حالات نادرة , هذا يمضي بنا نحو الفقه و كيفيّة ظهوره كعلم خاصّ مميّز عن القضاء , وصولاً إلى نشوء النظريّة الفقهيّة ما أدّى إلى الانتقال من المذاهب الشخيّة إلى المذاهب العامّة التي يضع أربعة أسباب و شروط لازمة لها ( السند السياسي , التحالف مع مذهب كلامي , القدرة على التوفيق بين الرأي و الحديث , وجود نظريّة فقهيّة تصلح كنموذج عامّ ) , لا يفوت وائل حلّاق طبعاً أن يتكلّم عن علم الحديث و طبيعة نشوئه المتأخّرة و تميّز السنّة النبويّة بعدما كانت سنّة بين السنن المتعدّدة التي تعتبر مصدراً للتشريع ... هنا يبدو وائل حلّاق مرتبكاً و غير قادر على تقديم نموذج صلب و متماسك لهذه النشأة , فهو يقول إنّ التشريع كان يستقي من سنن و سير متعدّدة لم تكن سيرة الرسول إلّا إحداها قبل أن ينشأ علم الحديث و تصبح هي وحدها " السنّة " مصدر التشريع ... هو نفسه يقول عن هذه السنن إنّ مصدر شرعيّتها كان ارتباط أصحابها برسول الله .. أي أنّ سنّة رسول الله كانت هي مصدر الرعيّة لتلك السنن ما يجعلها حتى في تلك الفترة هي السنّة الوحيدة , عموما هذه دراسة لا أعتقد أنّ لها مثيلاً في المكتبة العربيّة .
و طبعاً وائل حلّاق يناقش نشاة الإسلام داخل الفضاء الغربي ما يجعل تعامله مع القرآن و التشريع يبدو علمانيّا أو محرّرا من التقديس , بحيث قد يفسّر القرآن بأنّه نص محمّدي , و بأنّ عمر بن الخطاب كان شريكا في عمليّة التشريع و هو - التعامل العلماني مع القرآن - أمر ضروري كما يبدو لمن يؤلّف في ذلك الإطار ...
هناك نقاط كثيرة أخرى في هذا الكتاب ... و هو يحتاج دراسة و مراجعةً حقّا .. لأنّه أوّل من يقدّم هذه النظرة المسحيّة الشاملة لنشأة الفقه و القضاء و علم الحديث و المذاهب في الإسلام ... و لا شكّ أنّ هذه الرؤية الشموليّة بقدر ما تكشف و تحمل من قدرة تفسيريّة و تحليليّة لأمور , بقدر ما يجب نقدها في امور أخرى ... لا لأنّها خطأ بالضرورة و إنّما لأنّه لا بدّ من البجث أكثر و أكثر .. عندنا
يقول أستاذنا حسن أبو هنيّة إنّه من أعظم الكتب في هذا المجال ... و لم يؤلّف ما يشبهه ... من كان من مريدي حسن أبوهنيّة ... أو من المهتمّين بهذا الموضوع فعليه بقراءته !