راوٍ يعاني الأرق والذعر من انهيار العالم، مؤلف موسيقي عبقري يتحول إلى قاتل دموي في عصر النهضة، شخصيات حية وأخرى تمردت على صفحات الكتب، وكلب يستمع للموسيقى الكلاسيكية.. تُرى كيف يجمع ظلام الليل كل هؤلاء؟
في مغامرته الفنية الأكثر جرأة يصحبنا ولاء كمال في ليلتين مليئتين بالغرابة والدهشة، ليقدم لنا رؤيته للعالم والإنسان عبر ليلةٍ عجيبة يقضيها الراوي بمحطة وقود. بينما في زمنٍ آخر، وتحديداً في إيطاليا القرن السادس عشر، نعيش أحداث ليلةٍ أخرى دامية وذات آثار مروعة، ترويها لنا محاضر التحقيقات وشهادات من عاصروها، لنخوض مع صفحات الرواية وشخوصها مغامرة وجودية ونفسية مذهلة، ندرك خلالها أن الليل ليس فقط ما نعيشه.. ولكن ما يسكن بداخلنا.
ولاء كمال كاتب وروائي ومترجم مصري ولد بإنجلترا عام ١٩٨٤. درس الإعلام، والترجمة، والإخراج السينمائي، وحصل على درجة الماجستير في الأدب العربي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة. فى عام ٢٠١٠ بدأ العمل على روايته الأولى” سكون“، لتنشر عام ٢٠١٧ وتلقى نجاحاً نقدياً كبيراً، وتصدر عنها عدة أوراق بحثية، بعدها نشر رواية الفانتازيا” سيد والعصابة“ عام ٢٠١٨، ثم كتابه ”أيامي مع كايروكي: حكاية جيل أراد أن يغير العالم“ عام ٢٠١٩، والذي يعد دراسة اجتماعية، نفسية، تاريخية، وفنية عن الجيل الذى ينتمى له الكاتب، وتم اختياره من قبل عدد من النقاد كأحد أفضل إصدارات العام. في نوفمبر ٢٠٢٠ صدرت روايته الثالثة "القداس الأخير" لتلقى نجاحاً كبيراً، حيث نفدت طبعتها الثانية قبل مرور شهرين على صدورها، وأصبحت أحد أقرب أعمال الكاتب للقراء. وصلت رواية القداس الأخير إلى القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية - فرع شباب الأدباء. وفي عام ٢٠٢٤ صدرت له الرواية التاريخية الضخمة "كوش كو" التي تغطي أحداثها ٦٠ عاماً من تاريخ مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، لتصل بدورها إلى القائمة الطويلة لجائزة "القلم الذهبي" في دورتها الأولى، وتعد أوسع أعماله انتشاراً. في يناير ٢٠٢٦ صدرت روايته الخامسة "مادريجال الليل". قام ولاء بترجمة عدة كتب صدرت خلال الأعوام الأخيرة في مجالات: الدراسات الجيوسياسية، التنمية الذاتية، الإدارة، والسيرة الذاتية. جميع أعماله صادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة.
رواية "مادريجال الليل" للكاتب والروائي/ ولاء كمال تعد من الأعمال "التجريبية التأملية" التي أدخلتني في دوامات فكرية، بما تحمله من تأملات فلسفية وأسئلة وجودية مفتوحة.
النص مكتوب بلغة خاصة وببنية غير تقليدية، يتحرك بروح بوليفونية من أواخر القرن السادس عشر إلى زمننا الحالي، كأنها جوقة أصوات.
وبالمناسبة اضطررت أن ابحث عن معاني كلمات مثل "مادريجال" و"جوقة"، واستمعت للمقطوعة الموسيقية المذكورة، لأفهم الإشارة في عنوان الرواية، وده كان جزء ممتع ومكمل لتجربة القراءة الحقيقة.
في الفصل الأول «أرق» توقفت عند جمل، مثل وصفه لحياته الإلكترونية: ساعة رقمية، هاتف محمول، سماعة لاسلكية، جهاز تدخين، لوح قراءة إلكتروني، وبطاقات ائتمان… لحظة إدراك جعلتني أشعر كم أصبحت حياتنا أقرب إلى فيلم رقمي. وهزتني تأملاته عن القلق؛ وصف مشاعر الناس اللي عايشين على أدوية الاكتئاب، علاقتهم بالدكاترة النفسيين، والأفكار السوداوية اللي ممكن تمر على أي إنسان… المقطع الذي يتسأل فيه: “ماذا إن أصاب مكروه الوالدين؟ ماذا لو أصاب أحدهما مرض عضال أو حتى مميت؟ ماذا لو ماتت زوجتي؟ أو أبي؟ كيف يمكنني أن أكمل؟ هل أطلب هذا بداخلي سرًا؟ هل يفسر ذلك أني إنسان جاحد بالنعم؟” كلام مؤلم لكن صادق جداً.
تنقل الرواية بين أجواء الواقعية السحرية وتأملات لغوية رفيعة حول عصر المادريجال، كاشفةً جدلية الجمال والعنف حيث يصبح التوتر جزءاً من الإيقاع. وتبدو كتجربة متعددة الطبقات على تخوم الرواية والفلسفة، تتكشف كنسيج من الأصوات والذاكرة والرغبة، فيما تظل الشخصيات مساحات مفتوحة للتأويل.
عند ولاء، كسر خطية السرد جاء طبيعياً مع تعدد الشخصيات، واتسعت الدائرة عبر تناصات مع "رحلة ابن فطومة" لنجيب محفوظ، و"حي بن يقظان"، وحتى «إخوان الصفا"، فأصبحت القراءة مساحة مفتوحة للتأمل في تساؤلات الإنسان عبر الزمن.
التناص مع «حي بن يقظان» و«ابن فطومة» كان بالنسبة لي جسر جميل: واحد بيبحث عن الحقيقة في العزلة، والتاني في الرحلة، بينما النص بيقترح منطقة ثالثة بتتكون فيها "النفس" من الحوار بين الداخل والخارج.
توقفت عن رواية "حي" وهو يسأله: - في أي عام نحن؟ - هنا لا حساب للزمن.. توقف منذ أمد بعيد. - هل مرت امراءة من هنا؟ - سارت في اتجاه الغروب حتى ابتلعها الأفق - أي غروب؟ وصلت بعدها وكان وضح النهار - في هذه الدار كل الأوقات غروب - قتلتني أمراءه… - كيف؟ - بالنسيان.
وفي أخر فصل، جاء المشهد الذي أحدث لي صدمة سردية؛ ظهور الحيوان… بدا لحظة اختراق حسي أعادتني فجأة لثقل التجربة الإنسانية، كأن النص بيفكرني إن الوعي مهما اتسع يفضل مربوط بالجسد والواقع، حتى لو المشهد بدا كأنه جاي من مستوى إدراك تاني.
حتى جيزوالدو، رغم قسوته وبشاعة نفسه، شعرت بأهمية كجزء عضوي من العمل؛ تذكير إن الإنسان ليس كائن من نور أو نغمة هادئة طوال الوقت، وإن التنافر والصخب أحياناً هو الذي يعطي اللحن عمقه.
ومن زاوية أوسع، شعرت بروح نوال السعداوي كخلفية فكرية تلمح إلى خطاب التحرر والخروج من النفق المظلم، في حين جاء استدعاء أسمهان ليكثف دلالة الحضور النسوي ويستحضر تاريخ ما مرت به المرأة عبر الأجيال.
في النهاية "مادريجال الليل" تتركك مع حالة إحساس بالاتساع، ونغمة موسيقية مأساوية داخلية، تظل شغالة بعد ما تخلص حتى تعبر بك من ظلامك إلى نورك.. أو تزيدك حيرة مع اسئلتك الوجودية، كلٌ حسب زاوية وعيه.
بالنسبة لي الرواية رحلة في الذاكرة والوعي الإنساني، بها قيمة فكرية وجمالية واضحة، توسع أفق السرد العربي، وتستحق الإلتفات النقدي والجوائز 🏵️
في هذه الرواية السيريالية شديدة الرهافة ستظل تسأل نفسك في خوف هل تتغذى الشياطين على قلوب المؤمنين؟ هل كانوا مؤمنون من الأساس أم هم أبناء الشيطان؟ هل التهم زحل ابنه؟ هل نخشى الكوابيس ام نبحث عنها؟ وماذا عن المادريجالات هل نستمتع بها أم ترعبنا صرخاتها؟ هل نبحث عن أنفسنا أم نهرب منها؟ الف (هل) تحيطك كدوامة تكاد تبتلعك، ستسأل نفسك مئات الأسئلة ولن تحصل سوى على إجابة واحدة…..يقينا واحدا..…في هذه الدنيا لا توجد إجابات.
في قراءتي الثانية لرواية «مادريجال الليل»، أجدني أمام نص يتجاوز كونه حكاية ليصبح معماراً سوسيولوجياً ونفسياً شديد التعقيد، يتخذ من قالب «المادريجال» الموسيقي ــ القائم على تعدد الأصوات المستقلة لإنتاج هارمونية واحدة ــ هيكلاً سردياً لتفكيك بنية القهر عبر العصور. تفرض الرواية سطوتها منذ الافتتاحية التي تعيد تشكيل أجواء «ألف ليلة وليلة» في قالب حداثي، حيث يغدو الليل مسرحاً لفعل الحكي كطوق نجاة وحيد من الفناء. يختار الكاتب أن يوثق جريمة كارلو جيزوالدو في القرن السادس عشر بأسلوب "تقريري بارد"، وهو ليس مجرد اختيار جمالي، بل هو تجسيد سوسيولوجي لكيفية إدارة العنف في ذلك العصر؛ حيث يُعتبر قتل الزوجة "إجراءً" لحماية الشرف الذكوري، وهنا تبرز الفكرة المرعبة: الفن كـ "رشوة" يقدمها المبدع للتاريخ لكي يغفر له بشاعته، فبينما يقتل جيزوالدو الجسد، تقوم الموسيقى بمهمة غسل الدماء لتحول القاتل إلى عبقري معذب يستحق الرثاء لا العقاب. لكن الرواية لا تكتفي بضحية الدم الأولى، بل تمتد لتشريح قهر "الاستنزاف" الصامت من خلال شخصية ليونورا (الزوجة الثانية)، التي طُلب منها تحمل تقلبات جيزوالدو المازوخية مقابل "عظمة فنه والحفاظ على استقرار أسرتها"، مما يبرز كيف يجبر النظام الذكوري الضحية على ممارسة قهر موازٍ للنجاة؛ فحين حاولت ليونورا التحرر، استخدمت السلاح المتاح واتهمت نساءً أضعف بـ "السحر الأسود"، ليظل الجلاد آمناً وتدفع النساء الأخريات الثمن. هذا النمط نراه يتقاطع ببراعة مع بطل الحاضر الذي يعيش حياة "مثالية" بمعايير المجتمع ــ ناجح، مستقر، وأب ــ لكنه غارق في اغتراب حاد داخل "لا مكان" متمثلاً في محطة البنزين، حيث يرى ذاته ومرضه النفسي كعبء على النظام الاستهلاكي المزيف، وكأن "الاكتئاب" هنا هو رد الفعل الصحي والوحيد تجاه عالم يفتقر للصدق. الربط الجوهري بين جيزوالدو و"مصطفى سعيد" (المستدعى من إرث الطيب صالح) هو المفتاح لتفكيك هذه البنية؛ فإذا كان جيزوالدو قد قتل الجسد وأُعفي من العقاب، فإن مصطفى سعيد في النسخة الحديثة يستخدم "رأسماله الثقافي" ليقتل الروح والسمعة، بينما تظل المرأة هي من "تحمل العبء" دائماً، كما نرى في شخصية "اسمهان" كرمز للبراءة المستهلكة التي تتقاطع مع أطروحات فاطمة المرنيسي في "أحلام النساء". وفي ذروة هذا التيه، يدخل البطل من فتحة التهوية في مشهد يستحضر سقوط "أليس" في جحر الأرنب، لكنه ينتقل هنا إلى عالم "دار الجبل" (من رحلة ابن فطومة لنجيب محفوظ)، حيث يعيش حالة "فناء صوفي" وتلاشي للهوية الاجتماعية، بحثاً عن كنه الوجود بعيداً عن صخب المادة. وتأتي النهاية لتضع حداً لهذا الزيف من خلال مشهد الكلب الذي يرمز للطبيعة الأم وصوت الفطرة النقي، والذي يتردد فيه صدى أفكار نوال السعداوي الرافضة للتدجين. إن حوار البطل مع الكلب على أنغام أغنية «موت الأطفال» لجوستاف مالر يعزز فكرة الجمال النابع من الفجيعة الصادقة. ليصبح مشهد "عضة الكلب" لمصطفى سعيد هو "انتقام الطبيعة" والقصاص التاريخي لكل الضحايا (ماريا دافالوس، ليونورا، نوال، واسمهان، وغيرهن) ضد عنف المبدع وزيف تحضره. «مادريجال الليل» هي محاكمة مفتوحة تؤكد أن صرخات الضحايا لا تموت، وأن الفطرة تظل هي القاضي الذي يقتص للنساء حين يتم رشوة عدالة البشر بجمال الألحان.
This entire review has been hidden because of spoilers.
رواية ولاء كمال ليست مجرد حكاية تُروى، هى رحلة ذهنية وروحية، تتقاطع فيها الأزمنة والفضاءات لتطرح أسئلة أزلية عن الإنسان، وجوده، وهواجسه. النص ينسج حكايات متوازية، كل منها يبحث عن إجابة لأسئلة لا تنطفئ: معنى الحياة، حدود العقل، وموسيقى الليل التي قد تتحول إلى جنون أو خلاص.
الكاتب يضع القارئ في مواجهة ذاته؛ فكل فصل يفتح بابًا للتأمل، ويترك علامات استفهام معلّقة، تظل تراوغ فكر القارئ حتى بعد الصفحة الأخيرة. الجهد المبذول في صياغة الرواية واضح بشدة، فهي عمل يوازن بين متعة السرد وعمق الفكرة، ويكشف عن قدرة مميزة على تحويل الأسئلة الفلسفية إلى مشاهد نابضة بالحياة.
رواية مختلفة جدًا، متميزة بشكل خاص. قراءة واحدة لا تكفيها، لأن النص يشبه مرآة متعددة الأوجه؛ كل عودة إليه تكشف عن طبقة جديدة، وتمنح القارئ تجربة مختلفة، كأن الرواية نفسها تتجدد مع كل قراءة.
رواية رائعة تطرح العديد من الأسئلة التي يصعب الإجابة عليها ما الفطرة ؟ أهي سمة الملائكة أم الشياطين ؟ أي جيزوالدو نكون ؟ المبدع ، أم القاتل ، أم الشيطان ؟ هل من أمل في الخلاص رواية تدور في فلك عالمين لا رابط بينهما سوي تلك الأسئلة عالم دون كارلو جيزوالدو الموسيقي القاتل انتقاما لشرفه المدنس بكل ما يحمله هذا العالم من بشاعة و قسوة و إبداع و جنون و عالم بطل روايتنا و راوي أحداثها بكل ما يحمله هذا العالم من أرق و اضطراب و رغبة في التمرد علي النمطية و الركود بطل روايتنا كان مثل (قنديل العنابي) في رحلة ابن فطومة يرتحل بحثا عن الحقيقة ظنا منه أنه سيجد في سعيه الأمان و كذاك كان شديد الشبه بحي بن يقظان في اكتشافه للعالم من حوله و يشبهه أيضا في وحشته و عزلته هو أيضا سجين كما كانت (نوال السعداوي) و لكن الفرق ان سجنه كان بلا جدران و لا قضبان تحيط به ، سجنه كان ذاته و افكاره العوالم الموازية قد تكون مرآة لاكتشاف النفس بشكل اعمق و هو ما مر به بطلنا و لم يستطع ان يمر به دون جيزوالدو الذي تمزقت روحه ما بين ابداع الموسيقي و الشعور القاتل بالندم علي ما ارتكب من فظائع ، تهشمت صورته كانسان و ربما كان دليلا حيا علي أن البشر هم البشر ، سواء كانوا فنانين أم لا ، ربما ما ازعجني قليلا و اكرر قليلا فقط هو بعض التقريرية في الكتابة فيما يخص الجانب الإيطالي من الرواية و أعني جريمة القتل التي حدثت و كذلك شرح بعض التفاصيل الخاصة بالموسيقي التي كان يؤلفها الدون كارلو جيزوالدو ربما كان الشرح زائدا عن حاجتي كقارئة و محبة للموسيقي الكلاسيكية أيضا بخلاف ذلك الرواية من الجمال بحيث تترك في نفس كل من يقرأها أثرا لا يمكن محوه بسهولة
سمفونية مادريجال الليل حين تستمع إلى الموسيقى... من خلال النص تبدو الرواية في ظاهرها متعددة الأصوات، متشابكة، ومشبعة بالفلسفة ولكنها في جوهرها لا تنتمي إلى الرواية التقليدية، بل إلى ما يمكن تسميته تجربة إدراكية مركبة تحاكي تفكك الوعي الإنساني الرواية لا تتحرك عبر حدث ... بل عبر حالة. نص لا يقدم لك المعنى، بل يضعك في حالة عدم استقرار إدراكي. كلما اقتربت من التفسير ، ينزلق المعنى من بين يديك. وهنا يتحول السؤال من: ماذا يقصد النص؟" إلى: "لماذا أحتاج أنا أن أفهمه ؟" مادريجال الليل ليست رواية تبحث عن إجابة، بل نص يعيد صياغة السؤال نفسه. فهى عمل" 🔹️يفكك أكثر مما يحكى 🔹️ويربك أكثر مما يشرح 🔹️ويُعاش كحالة ... أكثر مما يفهم هي تجربة تدفعك لأن تعيد التفكير في طريقتك في الفهم نفسها، وتضعك في مواجهة مباشرة مع رغبتك المستمرة لتفسير كل شيء. 📌وربما هذا هو أثرها الحقيقي أنك لا تخرج منها بفكرة واضحة، بل بقلق واضح ... والقلق هنا، ليس نقصا في الفهم، بل نوع آخر من الإدراك....
رواية مادريجال الليل للكاتب ولاء كمال، من الروايات التي تلعب على مساحة ما بين الخيال والواقع الفكرة الأساسية فيها بتدور حوالين المادريجال، وهو نوع من الغناء الأوروبي القديم، لكن الرواية بتعيد توظيفه بشكل رمزي، كل مقطوعة مش مجرد موسيقى، لكن كأنها تحكي عن خطايا، قتل و انتقام ،ألم، ومحاولات تطهير.اللي بيميز الرواية تشابك الأزمنة،الماضي والحاضر، شخصيات بين الحقيقة والخيال مما اوحى بخلق حالة شك مم من حقيقي ومن تخيلات، تناولت قضايا إنسانية قوية زي الحرية والعدالة خاصة لفئات كانت ضحية بدون ذنب مما جعل الرواية ليست فقط خيال ولكن لها بعُد واقعي مؤلم.. وتتسم الرواية بمعلومات غنية، تستند إلى مصادر قوية تتعلق بفن المادريجال وتاريخه في أواخر القرن السادس عشر
عزيزي الذي يجلس وحيدًا بالليل على طاولة محطة الوقود،
رأيتُ التيه في عينيك حين يتجسّد في جسد إنسان. كنتَ تمشي داخل فقاعة شفافة، ترى الناس ولا تلمسهم، تسمع الضجيج ولا يبلغك الصوت. وحدتك لم تكن غيابًا للآخرين، بل حضورًا خانقًا للأفكار، تلك التي تداهمك بلا رحمة وتُحكم قبضتها عليك.
حين انكشفت حقيقة اسمهان، لم أشعر بالدهشة فقط ولكن بالاختلال الذي فتح متاهة أوسع، وكأن الأرض انسحبت فجأة من تحت قدميك. أما الكلب فكان علامة أخرى على دورانك حول الفراغ، حول فقاعة لا تنفجر ولا تُحتمل، تزيد التيه بدل أن تشرحه.
شعرت بتلك الهلاوس، بما عايشته في دار الجبل، كان غرقًا كاملًا. وغرقتُ معك في هلاوسك، بلا حبل نجاة، حتى التباس الأصوات، وتكسّر الزمن، وتعدّد الوجوه داخل الصوت الواحد.
كنت أفكر في فقاعات البشر جميعًا: الذين نصادفهم، والذين نراقبهم من بعيد، والذين نجلس قربهم في المقاهي دون أن نعرف أي ليلٍ يسكنهم. كنتَ واحدًا منهم، وكنتُ — في لحظة ما — واحدة منك. أما دون كارلو جيزوالدو فأنا لم أكرهك. وهذا، ربما، أقسى ما يمكن أن يُقال عنك. رأيتك إنسانًا موصومًا بلعنة، لا شيطانًا. الإبداع فيك يا عزيزي لم يكن شرًا، لكنه كان هاوية. حين يبتلعنا الإبداع ولا نعود نملك مسافة منه، نصير أسرى أفكار تتوالد، تتشابك، تدور في حلقة لا تنتهي. تصير الصرخات صامتة، والألم مألوفًا، بل وربما مُغريًا.
كنتُ أراك من بعيد، كما يُشاهد المرء جسدًا يتلقى الضربات. الضربات لا تُسقطك، بل تزيد الهستيريا، كأن اللعنة تُغذّي نفسها من جسدك المرتجف. تمتص الدماء فينتشر سحر الشيطان أكثر داخلك، أين الرب في هذه الأوقات
صرخات الرضيع المختلطة بالموسيقى، وأنت يا عزيزي تصرخ بتلذذك. كانت لوحة نابضة، موجعة.
ولكن يا عزيزي لم أرد أن ينزع أحد عنك غموضك، وددت أن أبحث عنك بنفسي، أن أتعثر في أثرك. ومع هذا، بقيتَ في عيني ككائن ملعون. تائه، محاصر، يدور داخل عجلة من الألم والإبداع، ولا أحد يسمع صوته، حتى وهو يصرخ وينتزع لحظاته الأخيرة بالحياة.
«مادريجال الليل» مش رواية بتتقري وخلاص، دي تجربة بتدخل فيها واحدة واحدة. من أول الصفحات تحس إن السرد هادي، بس ماسك، بيشدك من غير ما يزعق أو يستعرض. الرواية مش حكاية تقليدية، هي حالات إنسانية متفصّلة، كل جملة فيها معنى يستاهل توقف عنده وتتأمله. واضح إن الكاتب بيكتب بوعي، اللغة مختارة بعناية، والمشاعر موزعة بهدوء من غير مبالغة ولا مباشرة. من أكتر الجمل اللي علّمت معايا: «حاولت دون حماس، فلم يأتِ شيء» جملة بسيطة قوي، بس صادقة لدرجة توجع، وتحس إنها بتلخص حالة ناس كتير… محاولة من غير طاقة، واستسلام هادي. الشخصيات في الرواية مش مثالية ولا بطولية، بالعكس، فيها سخط، تعب، وتسليم للأمر، وده مخليها قريبة قوي من الواقع ومن القارئ. الجميل كمان إن الرواية بتحترمك كقارئ، ما بتمسكش إيدك ولا تشرحلك كل حاجة، لكنها تسيبك تفكّر، وتفسّر، وتربط اللي بتقراه بحياتك. «مادريجال الليل» من الروايات اللي مش بتخلص مع آخر صفحة، تأثيرها بيكمل بعد ما تقفل الكتاب، وتخلّيك تبص للحاجات حوالينك بنظرة أهدى وأعمق. رواية مختلفة، صادقة، وتستحق تتقري على مهلك، خصوصًا لو بتحب الأدب اللي بيسيب أثر مش مجرد قصة تتنسي.
حينما يُلد الفن من رحم الألم، وتتمخَّض المُعاناة في رحمِ اليأس فيُنجَب مارديجال ليلٍ حزين.. رواية مارديجال الليل هي أول تجاربي مع الكاتب وكانت خير بداية؛ فريدة الكلمات، مُجسِّدة للجنون وآسرة للألباب، فلن تطأ عينك أحرفها إلَّا وإستقت كلماتها وما فارقتها إلا في خواتيمها. الرواية تسير في خطين زمنيين لا يلتقيان، بين فنانٍ مجنون في القرون الوسطى، ورجلٍ في زمن الجائحة نال مِنه الملل فلجأ إلى إستراحةٍ في محطة وقود. لن أقول أنها رواية فلسفية معقدة، بل هي تجسيد لجموحِ الذات البشرية حينما يمسّها قبسٌ مِن القهرِ والعذاب. أبدع الكاتب وأتقن سرده فخلق ملحمةً فريدة. (في انتظار القادم باذن الله)