“الموت ليس مزحةً سخيفةً، بل قوّة تُعري روحكَ من جسدك الملقى أينما كان كأنّه ملابس امتصّت عَرق يومٍ طويلٍ”.
“هذا الكَفَن سيخنقُني وخصوصًا داخل التابوت. الميت لا يختنق. افهم! كلما جاء الخاطر في عقلي ضحكت!”.
“يبحثُ الجميع عني وأنا هارب. في الميضة تارةً، في مكالمة تليفون غير حقيقية، في صلاةِ تحية المسجد، ومع ذلك كانوا ينتظرونني، يتربّصون بي، فلقد جاءوا من أجلي. لو أنّ عدم حضور العزاء والجنازة سيُجنبني الناس، لهربت”.
“يخرجُ المُغسل ويسألنا إذا كان أحدُنا يريد رؤيته قبل أن يغلقَ الكفن، يدخل الجميعُ إلا أنا كأنّ ملك الموت ينتظرُنا بالداخل”.
تضعُنا الكاتبةُ يارا كمال في هذه المجموعةِ أمام كل فكرة راودتنا عن الموت، أمام كل موقفٍ مرّ بنا وقت رحيلِ قريبٍ لنا، أو حتى في محاولاتنا لفهم الموت.. الكَفن.. القَبر، هنا وكعادة الكتابة لن تجد إجابات فقط نتأمل معًا.
المجموعة كتابة تطهرية صفائية، تنشغل من أولها لآخرها بموضوع واحد هو الموت، وتتجاوز القلق الوجودي المعتاد عن معنى الحياة والرغبة في الخلود، للتعامل مع الموت كموضوع شامل دون ربطه بقيمة الحياة.
النظرة للموت في العمل ثنائية، فهو حتمي وشامل لكل شيء، وهو مرفوض بشكل قاطع أيضًا. فهو الموضوع الأساسي لكل القصص، ولكن نجد رفضه الدائم في أشكال متعددة، كالصدمة التي لا تعترف به، أو تجاهل عنيد يرفض اعطاءه الفرصة للتأثير على استمرار الحياة كما كانت، أو حتى كحياة أخرى بعد الموت بنفس رتابة الحياة العادية كأن الموت لم يكن. يُمكن رؤية هذا ككتابة تمكينية تعترف بهول الموضوع، وتمكن الكاتب أو القارئ من مواجهته وتقرير كيف يتعامل معه، في رفض للإجبار الخارجي في التعامل مع الموت، سواء كمشاعر أو أفعال أو طقوس.
فنيًا العمل كلاسيكي بالنسبة للقصة القصيرة (مع الاعتراف بالتقدم الفني للقصة القصيرة فوق باقي أساليب الحكي)، والكتابة هادئة ولكن محُكمة. العمل يثق في أن أثره الحسي متصل بالموضوع ولا يبذل مجهود مبالغ في محاولة للتأكد من أن الأثر المرغوب سوف يصل للقارئ. فضولي الشخصي يريد أن يرى كيف سيتعامل نفس القلم مع أعمال أكثر تعقيدًا وتشعبًا (كحبكة وشخصيات وليس موضوعًا).
الكتابة التطهرية هامة لعنصري معادلة الكتابة، الكاتب والمتلقي، الذين يبحثون عن مساحة لمعالجة أفكار معقدة وغير قابلة للوصف بكلمات وجمل بسيطة، وتحتاج لعمل كامل لوصفها بدقة. فالقسوة التي تبدو في مثل هذا العمل حين تتم قراءته في الوقت الخطأ، هي في حد ذاتها تحرير لهذه القسوة من داخل المتلقي (والكاتب) الذي يحتاج لهذا.
الكتابة التطهرية مثل إلقاء حمل ثقيل في البحر، ومن المهم أن يقطع الإنسان كل ما يربطه بهذا الحمل قبل أن يصل للقاع.