تقع هذه المذكرات في مجلدات ثلاث، كلٌّ منها يربو على الثلاثمئة صفحة. فالأول كان عن نشأة صاحب المذكرات في بلاد شنقيط ومحاضرها وذهابه إلى أفغانستان ثم بيعته لجماعة «القاعدة» وأحداث السودان. في حديثه عن مرحلة السودان ينفرد المصنف بذكر أنّ الشيخ ابن لادن نبذ العمل بالجهاد إلى التربية والدعوة، وهذا يخالف ما في المصادر الأخرى. فإما الشيخ ابن لادن لم يكن يُطلعه على شيء من هذا لمعرفته أنّ أبا حفص يميل للتربية ونحوها وترك القتال لأمور يراها، ولا ينفي هذا اعتناء الشيخ ابن لادن بالكتب المتعلقة بالتربية، بل كان شديد الاعتناء بهذه الكتب حتى مقتله كما في كراسته التي فيها آخر ما كتب وما قال تقبله الله. أو أنّ أبا حفص -وهذا يعضده بعض عباراته في الكتاب- يرى انصراف الشيخ عن قتال الطواغيت في بلادنا انصرافٌ عن الجهاد بالكلية، والأمر ليس كذلك. بل تروي المصادر الأخرى -التي لا تقل علوًّا بالسند واللقيا- أنّ الشيخ كان يجهز لعمل جهادي ويُعدّ لذلك. والثاني من القفول إلى أفغانستان حتى الخروج -الأخير لأبي حفص- من أفغانستان. وفيه رأيه بـ«الحادي عشر» ومخالفته -ككثير من مشايخ الجماعة- للشيخ ابن لادن، وما تبع ذلك من الغزو. (أثبت قطعاً من مرثيته الرائقة «دموع في مآقي الزمان» وأسقط منها الأبيات التي مدح فيها «الحادي عشر»، وكان قد سجل هذه الأبيات بصوته. وقد نشر المرثية حينئذ الشيخ أيمن رحمه الله ونسبها للاسم الذي كان يُعرف به أبي حفص وقتها: محب الله القندهاري). والثالث أفرده للحديث عن إيران والسجن فيها حتى الخروج إلى بلده. ولعله أوسع ما كتب عن تلك المرحلة. وقد أبهم فيه كثيراً من الأحداث والأسماء، حتى ليخيل للمرء أنّ السجن هناك كان في غاية الحسن، وأبو حفص رغم انتقاده غير مرة لحال الأسر في إيران إلا أنه يبدو كأنه اختار الحديث عنه كأخفّ ما يكون. فما أبهمه تجده محرراً في رسائل سعد ابن الشيخ ابن لادن والنعمان أبي سهل المصري -صهر الشيخ أيمن- وأبي أنس السبيعي الليبي، فقد أفاضوا في ذكر ما أُبهم هنا في رسائلهم إلى الشيخ ابن لادن ليوقفوه على وقائع السجون الإيرانية. ولتمام المعرفة بهذه الجزئية يحسن الاطلاع على الرسائل التي ناقش فيها المشايخ ما يمكن فعله من أجل الأسرى هناك وكيف السبيل إلى التخفيف عنهم أو إخراجهم.
والمذكرات -وعليها التعويل إن وقع الخلاف مع المجالس المسجلة مع تيسير علوني كما نصّ في المقدمة- في الجملة مفيدة للتاريخ ممتعة، حتى لو كان القارئ مطلعاً على تاريخ المجاهدين ولم تكن جملتها جديدة عليه (خلا المجلد الثالث)، لكن ليس فيها تأصيل لتراجعاته (هو لا يراها تراجعات ويزعم أنه بنفس الآراء والأقوال أبداً) وإن كان يُفهم دخوله اليوم في دين الطواغيت بصورة مناصح ومحاور في سجون طواغيت موريتانيا. ولا يخفي المصنف عاطفته المشبوبة عن الجهاد والمجاهدين، وعن صاحبه الشيخ ابن لادن، فلن يخفى على القارئ شدة إجلال أبي حفص لصاحبه، والفصل الذي عقده للحديث عن مقتل الشيخ -على قِصره- من الرقة في غاية وقد رثاه بمرثية رقيقة أثبتها في محلها. ولأبي حفص آراء قد لا يُتابَع عليها، لكن الإشكال في التقحّم أحياناً على غيب في تحليل بعض المسائل التنظيمية ولم يحضرها ولم يُحِط بظروفها، وله عذره في ذلك إذ يحكي من خبرته ودرايته.