"ما يجذبني في شعر ياسر عبد اللطيف، تلك الانتفاضات الوجودية لعمق مستور تحت طبقات السرد والتفاصيل الحياتية. ينقطع سطح السرد، ليكشف عن عمق متفاوت المسافة، تصل له اللغة، ويعتبر إحدى علامات الوجود الشخصي للشاعر. يجذبني أيضا ممارسته لمهنة "المؤرخ"، تتحول القصيدة إلى بحث في الوجود الشخصي، كمادة أولى لتوليد المعنى، ويتوقف كثيرا عند تقاطع واقعة، أو حدث، أو معنى داخل اللغة، مع التاريخ العام. تتحول عندها الجملة الشعرية/ القصيدة إلى شاهد، أو علامة ثقافية، أو ملتقى لأكثر من طبقة زمنية: مثل تأريخه لواقعة شرب الماء على المقاهي، وقصائد"طريق التبغ"، "المهاجر"، و"سيبريا الغرب"، أو " التوقيع في دفتر الجحيم"، أو تأريخه لعلاقة خاصة مع أمرأة تسكن الطابق الـ ٢٦، أو تأريخه لـ"ريا وسكينة" كعلامتين ثقافيتين على الإسكندرية. هنا يرتفع الحدث الشخصي ويدخل في نسيج وحماية حدث عام. يتسامى الشاعر بلحظات غارقة في التاريخ الشخصي، لتعيش في مستوى أخر من التأريخ، من ناحية، بجانب البحث عن الصيرورة التي تحرك هذا التاريخ من ناحية أخرى. فهذا التحقيب لطبقات المعنى وتحويلها لعلامات ثقافية خالدة، يوازيه تحقيب لطبقات النفس. ضفتان تتقاطعان أحيانا وتنفصلان أحيانا أخرى. تقاطعهما يولد تلك الانتفاضات الوجودية. ولكن، في النهاية، وجودهما يحمي السرد، من التبسيط، لوقوعه في حماية هاتين الضفتين بداخله."