«عمل أدبي رفيع بلغة ثرية وسرد سلس قادر على تحويل التفاصيل اليومية إلى صور رمزية معبّرة... ظل رمز «البيضة» حاضرًا كاستعارة عن الهشاشة والخوف، يجمع بين الحميمية والعمق الفلسفي... تحلى العمل بصدق سردي بعيد عن الافتعال، مع حس ساخر رقيق ورؤية جمالية متماسكة».
من حيثيات الفوز بجائزة خيري شلبي
في مجتمعٍ لا يعترف إلا بالأصوات العالية، وتُقاس فيه الهيبة بمدى الصلابة، يجد «عمر» نفسه في العراء، يواجه العالم بقلبٍ مكشوف وشخصية مفرطة الحساسية، كأنه نبتة رقيقة تحاول النمو وسط الصخور.
تبدأ حكايته من خيبات أمل صغيرة تركت ندوباً لا تُرى؛ من «الممحاة السحرية» التي وعدته بمحو الأخطاء فمزقت ورقته، إلى أبٍ يداري هزائمه بالضجيج، تاركاً ابنه وحيداً في مواجهة أسئلة الرجولة والخوف. وأمام قسوة الواقع، لا يجد مهربًا سوى الانسحاب إلى داخل ذاته، محولاً غرفته إلى عالمٍ موازٍ يشاركه فيه «كتكوت» غامض، يجسد كل المخاوف التي يخشى البوح بها.
يأخذنا «أحمد رشاد مكيوي» بأسلوبٍ سردي عذب، في رحلة عبر الزمن النفسي لطفلٍ كبر قبل الأوان، مشرِّحاً تلك المسافة الهائلة بين ما نتمناه وبين ما يفرضه علينا الواقع.
أنا مبهورة بأسلوب المؤلف حقيقي، اللغة قوية والسرد متمكن ووصف المشاهد فوق الممتاز.
الرواية هي رحلة نفسية لبطل حلم بالكثير من الأشياء، صادق الخيال كوسيلة للهروب من الواقع، وتخيل حياته كما كان يريدها لينتهي به الأمر مصدوما بالواقع وما يفرضه عليه، أو ما تركه هو يفرضه عليه؟ خلال قراءتك للرواية ستجد نفسك متورطا مع البطل، تحبه تارة و تكرهه تارة أخري، تغضب منه حينا وتعطف عليه حينا، ولكن مهما شعرت تجاهه لن تريد تركه وحيدا في هذه الرحلة الفريدة المصحوبة بسرد سلس.
رواية (فى قبرى ثلاث بيضات) للكاتب أحمد رشاد مكيوي. الصادرة عن دار الشروق ٢٠٢٦ والتى فازت بجائزة خيرى شلبى للعمل الروائي الأول. عمر الطفل ثم الشاب يحكى لنا بصوته قصة حياته المليئة بالخيبات والإنهزام الداخلى. هناك فى المدينة الساحلية الجميلة يبدأ حكيه من ثمانينات القرن الماضى وهو طفل فى المرحلة الابتدائية. ابن وحيد لأب يقيس الرجولة بالصلابة الخارجية والقسوة. وأم ترى فى ابنها مشروعا للفخر والتباهي فقط إذا ما حقق أحلامها فيه. إلى إنسحاب طوعى من الحياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ليعيش فى خيالات وأوهام عالم موازى، فيه من الأذى النفسي ما قد يفوق الأذى فى الواقع. أسلوب الكاتب سلس ومراعى لكل مرحلة عمرية يتحدث عنها، فى بعض مواقع كان هناك إسهاب في وصف الأفكار والحوار الداخلى للشخصية ، أتصور أن ذلك كان هاما لبيان ما يعتمل في نفسه وما يجول بخاطره. ولتفسير تصرفاته وردود أفعاله. أبفى مجتمع لا يقدر الهدوء والوداعة ، يجد عمر نفسه دائما عرضة للتنمر والأذى أو على أقل تقدير الإهمال والتجنب ممن حوله. يعمل عقله بكامل طاقته محاولا تفسير وتحليل ما يحدث حوله ، وما يتعرض له من الآخرين في عمليات overthinking تستهلك طاقته ووقته ، وتؤدى به في أحيان كثيرة إلى إفتراضات غير صحيحة . وتؤدى أيض اهرنى الكاتب فى الربع الأخير من الرواية بالتحول الكبير والمفاجئ للشخصية والأحداث ، وتضفير الخاص بالعام بمهارة أدبية كبيرة . وإسقاط بالغ الجمال لأحوال وأحداث شهدناها في السنوات السابقة. أما عن رمزية البيضة وما تمثله من خلق لحياة جديدة، فساد وإفساد، براءة وحرية . وغيرها من رموز استعملها الكاتب من البداية وحتى النهاية بمهارة وبدون إقحام ، ليصل بنا فى النهاية للبداية …. الحلم ، حلم عمر وحلم كل منا في حياة أفضل. هى رواية هادئة عن يوميات طفل وشاب ، كتبت بشغف وببراءة وبعفوية ، نقلت ما وراء المشاهد ، وما بداخل النفوس ، ورصدت مع الحكى التحولات الكبيرة للمجتمع المصرى ومفاهيمه على مدى ثلاثين عاما تقريبا. هى بداية قوية وموفقة لكاتب موهوب يعرف كيف يحكى العادى ليقرأ بإهتمام ودهشة.