تبنى المدن بأيدي الرجال لكنها لا تُفهم حقا إلا عبر ما ترويه النساء فمن أفواههن تتشكّل الحكاية، وتكتسب الأمكنة روحها. ومن هنا تبدأ ياسمين رحلتها لا بدافع الحب، بل بدافع غامض من الجفاء… شعور ثقيل بأن المكان لا يعترف بها، أو لعلها هي من لم تعترف به بعد! فتأخذنا عبر الحكايات في رحلة موغلة في الزمن نعيد من خلالها اكتشاف الإسكندرية لا كمدينة مرئية، بل كطبقاتٍ خفية من التاريخ والتفاصيل.
ويأتي سحر الكتاب منذ عتبته الأولى… غلافٌ أزرق، يذكّر ببحر الإسكندرية ذلك البحر الذي غنّت له فيروز: “شطّ إسكندريّة يا شطّ الهوى” أما العنوان: «إسكندرية فين؟»، فليس سؤالًا جغرافيا بل هو سؤال هوية! بحث عن مدينة نعرفها جيدا .. أوربما لا نعرفها أبداً. إنه بحث عن تلك الإسكندرية الغائبة خلف الحضور الباذخ، إسكندرية التي لا تُرى في فنارها ومكتبتها وشوارعها .. بل في ما غاب عنها أيضاً والمفارقة أن الكاتبة تعمل متطوعة في مكتبتها، كأنها تبحث عن المدينة من داخل أحد أكثر رموزها وضوحًا.
وبحس شديد الذكاء ، تقودنا ياسمين إلى ما يشبه المفاتيح السرّية لفهم المدينة من خلال التناجرا ! تلك التماثيل الصغيرة العائدة إلى العصر اليوناني والبطلمي و المرتبطة بصورة النساء، حيث تختزن تفاصيل الحياة اليومية وتعيد تشكيل المجتمع في ملامح بسيطة وكأنها تقول لنا إن المدينة تُقرأ من تفاصيلها الهامشية لا من واجهتها الكبرى.
ورغم أنني زرت الإسكندرية من قبل، إلا أن هذا الكتاب يعيد ترتيب علاقتي بها يدفعني لأن أزورها من جديد، ولكن هذه المرة بعينٍ مختلفة، عينٍ تتتبع الحكايات لا الطرقات والمباني ! حتى بدا لي أنني أرغب في رسم خارطة أخرى للمدينة… خارطة تُستخرج من النص لا من الجغرافيا.
وحين أغلقت الصفحة الأخيرة أدركت أن ياسمين لم تكتب عن مدينتها بقدر ما كتبت منها أغرمت بها حتى الألفة، حتى صارت هي جزء من السرد ويتجلى ذلك في الباب المعنون بارفض المسافة والسور والحارس ! ولهذا لم تُنهِ الحكاية، بل وعدتنا بجزء ثان كأن الإسكندرية لا تُحكى دفعة واحدة، بل تستعاد على مراحل