ببراعة لافتة، يسرد لنا الكاتب أحمد حجاج رحلة السقوط الأخلاقي للمهندس "نضال نعمان"؛ ذلك الرجل الذي طحنه العوز، فقرر أن يستغل دقته الهندسية في اختراق البيوت بأسلوب "الشعرة من العجين".
ـ تجربة القراءة (الأدرينالين والتوتر): لقد نجح الكاتب بامتياز في توريطي كقارئ داخل أنفاس البطل؛ فمع كل عملية معاينة أو اقتحام، كنت أشعر بـ تدفق الأدرينالين يتصاعد في عروقي، وحالة من التوتر الحاد تلازمني مع كل خطوة يخطوها نضال داخل تلك الشقق. براعة الوصف جعلتني أتحسس خطواتي وكأنني أنا من يحاول الإفلات من قبضة الانكشاف، وهو نجاح يُحسب للكاتب في قدرته على نقل الحالة الحسية والنفسية للقارئ بمنتهى الواقعية.
ـ البناء الدرامي والسيناريست القادم: من خلال تتبعنا للعمليات السبع التي نفذها نضال، نلمس بوضوح روح السيناريست المخضرم الكامنة خلف الكلمات. فنحن لسنا أمام مجرد سرد إنشائي، بل أمام "تكتيك" مشهدي وبناء درامي محكم يوحي بأننا بصدد مشاهدة كاتب يمتلك أدوات بصرية قوية، وقادر على صياغة حبكات تصلح تماماً لشاشات السينما؛ حيث التشويق المدروس، وتصاعد الأحداث الذي لا يدع لك مجالاً لالتقاط الأنفاس.
رواية "الكحل من العين" هي تشريح لذكاء يضل طريقه، وكشف للمستور والمخبوء خلف الأبواب المغلقة. عمل يجمع بين الإثارة والعمق الإنساني، ويؤكد أننا أمام موهبة أدبية وسينمائية تستحق المتابعة الدقيقة.
"المجرمون نوعان.." الأول: هو ذلك النوع الرابض الكامن الصيّاد.. كالنصابين، القوادين والدجالين. الذين يستغلون ذكاءهم وحنكتهم في جعل ضحاياهم هي من تلجأ إليهم. أما الثاني: فهو ذلك النوع المتبجّر الغادر منزوع الرحمة. كالقتلة، المغتصبين واللصوص. الذين يبحثون عن فرائسهم حتى ينقضّوا عليها لينهشوها دون هوادة. وحين تجتمع عقول النوع الأول مع أنياب النوع الثاني، يُخلق نوع هجين من أعتى المجرمين وأشدهم ضررا..
التصنيف الأدبي/ رواية اجتماعية - جريمة. التصنيف العمري/ جمهور عام. اللغة/ السرد بالفصحى والحوار بالعامية. دار النشر/ بيت الياسمين للنشر والتوزيع. تاريخ النشر/ يناير ٢٠٢٦. عدد الصفحات/ ١٧٤ صفحة ورقياً.
-------------------------
* قراءات سابقة للكاتب *
روايات:
( المجذوب ) ، ( اللعنة ) ، ( الغول والضفدع ).
مجموعة قصصية:
( كلمات متقاطعة ).
-------------------------
* نظرة على الغلاف *
رسم هندسي لوحدة سكنية مستهدف سرقتها بطريقة غير مألوفة في إطار من السرقات المتسلسلة التي لا تترك خلفها أي أثر.
-------------------------
التقييم في كلمات:
نص يحمل الكثير من الواقعية بلا تكلف أو سفسطة في إطار درامي ذو مشهدية جذابة.
الدرجة: ٨ من ١٠ المستوى: 🌟🌟🌟🌟 التقدير: جيد جداً
-------------------------
* المميزات / نقاط القوة *
- التكثيف والمشهدية عناوين بارز تشمل كل جوانب النص.
- شخصيات تحمل رمزيات واسقاطات واضحة.
- نهاية واقعية جداً.
----
* العيوب / نقاط الضعف / الملاحظات *
- الإطار للعام للنص يسمح بالتوسع وتقديم المزيد.
- الشخصيات المساعدة باهتة الأثر نوعاً ما.
-------------------------
* فلسفة الرواية *
حين تغيب المعايير الواضحة لتحقيق النجاح والذات وتصبح الأمور مرهونة بوسائل أخرى غير عادلة فانتظر سقوط المجتمع في هاوية بلا قرار.
-------------------------
مراجعة الرواية:
يظل الانسان أسيراً لضعفه ونوازع الشر الكامنة لديه اذا لم يستطع ترويضها وكبح جماحها. هذا يمكن تحقيقه اذا كانت البيئة المحيطة تساعده عن طريق قوانين رادعة ، عدالة ، تكافؤ الفرص ، حياة آدمية تحفظ كرامته وتصون حقوقه وغيرها.
أما إذا أضحت تلك الأمور مجرد شعارات جوفاء يتم ترديدها ويُضرب بها عرض الحائط عند أول اختبار ، تسقط الأقنعة على الفور وينكشف مدى الزيف والرياء الذي يعيشه المجتمع ومن هنا تصبح البيئة خصبة والطريق ممهد نحو السقوط في مستنقع من الفساد بكل أشكاله وصوره.
مجتمع يسرق الكحل من العين ولا يستحي هو مجتمع ساقط ومنهار لأبعد حد.
* الفكرة / الحبكة * ( درجة ونصف )
مهندس مدني ( نضال ) يبحث عن اثبات ذاته بأسوأ طريقة ممكنة. سرقة شقق ووحدات سكنية بأسلوب هندسي غريب لا يسمح باقتفاء أثره أو ترك أي علامات تدل على هويته. ما بين وخز الضمير والرغبة في التحدي تتعدد السرقات وتحوم حوله الشبهات التي لا ترقى إلى الأدلة الملموسة بأي حال.
السرقات في حد ذاتها كاشفة عن هشاشة مجتمعية واضحة. الكل مذنب بشكل أو بأخر وما تخفيه البيوت من أسرار وخبايا كفيل بالزج بالجميع خلف القضبان. كل ما لذ وطاب من الخطايا المسكوت عنها يسكن بين الجدران وما تراه من براءة على الوجوه ما هي إلا أقنعة نجيد ارتداؤها وتبديلها حسب الموقف والظرف المحيط.
هل هي الجريمة الكاملة ؟. هذا يتوقف على رؤيتك لما حدث وكيف ستضعه في ميزان أحكامك الشخصي.
* السرد / البناء الدرامي * ( درجة ونصف )
يبدو النص في البداية كحدث واحد لا يقبل التجزئة أو التقسيم. هو كذلك بالفعل لكن لجأ الكاتب - باعتباره مهندس في الأساس - إلى هندسة طريقة العرض والتقديم بشكل مغاير قليلاً عن المألوف.
( الراوي وأسلوب السرد وعناوين الفصول )
راوي ( عليم ) بتلك السرقات بكل تفاصيلها الدقيقة يسرد علينا الحكاية والحدث بأريحية تامة تجعلك تخمن بشكل مباشر أنه كان شاهداً مباشراً عليها وربما يكون هو بطلها بدون شك. يتأكد هذا الانطباع عندما نجد أنفسنا مع عنونة متأخرة لكل حادثة في نهايتها لنختم بها أحد فصول تلك الحكاية. بتوالي الأحداث تجد راوي ( متكلم ) يقود القارىء في بعض المناطق التي لا يمكن بأي حال أن يكون سارقنا هو راويها !.
ببساطة نحن أمام راوي وحيد للحكاية مهما اختلفت طريقة العرض والتقديم وهو المُخَول بسردها لسبب مهم وبديهي جداً سيفهمه القارىء تباعاً.
( المشهدية والتكثيف )
لا شك أن المشهدية سيد الموقف التي أعطت النص صورة بصرية واضحة لا تخطئها العين. المشهد العام أشبه بطريقة عرض سينمائية لكن بدون فقدان لمتعة السرد الأدبية الكلاسيكية.
التكثيف هو سمة أخرى مميزة لدى الكاتب. تجد نفسك أمام كم كبير من التفاصيل بداخل حيز أدبي متوسط الحجم وهو ما شهدناه في روايات سابقة للكاتب ، ( اللعنة ) كأقرب مثال لتلك النقطة. لا تدري كيف يستطيع دمج كل تلك المنمنات الحياتية والسلوكيات المجتمعية اليومية المحيطة بنا داخل سطور الحكاية ناهيك بالطبع عن النوازع الانسانية والطبيعة البشرية والخلفيات النفسية لشخوصها.
( البناء الدرامي وخط الأحداث )
الحكاية تأخذ شكل لعبة البازل الشهيرة. القطع التي تكون اللوحة الرئيسية - حوادث السرقة - مرتبطة بالأخرى بشكل ما وإن كانت كل واحدة منها تتم في نطاق جغرافي مختلف وبعيد عن الأخرى لكن تبقى فجوة في كل قطعة تنتظر اتصالها بالأخرى ليكتمل نقصانها.
( ايقاع السرد )
سريع بما يكفي لإثارة تشويق القارىء وأيضاً بما لا يترك فجوات سردية تتسبب في هشاشة بنية النص وهدمها.
* الشخصيات * ( درجة ونصف )
الإسقاط هو الشعار المسيطر على عنصر الشخصيات. بقليل من التفكير يمكن للقارىء أن يستنبط ماهية الشخصية التي تدور حولها حادثة السرقة والتي استوحاها الكاتب من شخصيات عامة شهيرة ملء السمع والبصر.
قدم الكاتب تشكيلة معاصرة اعتمدت على الشباب بكل ما أصابه من تغيرات واحباطات وتشوهات نفسية تركت أثارها بشكل واضح وجلي على طبيعتهم ومكنونهم.
اعتمد أيضاً تقديم الشخصيات على الحكمة الش��ئعة التي تقول: الطيور على أشكالها تقع. ( نضال - مهندس مدني ) ، ( أشرف - مساعده ) ، ( زكريا - مدرب چودو سابق ) و ( شهاب - صديق قديم ) على الرغم من تباين مستوياتهم التعليمية والاجتماعية لكن يجمعهم نفس العطب والتشوه. حلم المكسب والثراء السريع طبقاً لثقافة العصر السائدة: انتش وإجري.
بالنظر للخلفيات فالجميع تم هرسه وطحنه إما على مستوى المجتمع أو على مستوى العائلة. غياب العدالة الإجتماعية والقدوة الحقيقية وتكافؤ الفرص وتفشي ظواهر الفهلوة والنصب والاحتيال وخبطة العمر ، كلها منارات يهتدي بها الشباب حالياً ويتخذها نبراساً وأسلوب حياة.
ظهرت شخصيات أخرى إما كرموز للفساد الأخلاقي والمجتمعي أو كقدوة سيئة أو جعلوها مجرمة بشكل ما. هي النمط السائد حولنا ومن تُسلط عليها الأضواء وتنال حظها الكبير من الشهرة والصيت كمسوخ المجتمع الجديد الذي تراكمت آثامه وتوارثتها الأجيال حتى وصلنا لما نحن عليه.
طغى الاهتمام والتركيز على الشخصيات الرئيسية واحتلت المساحة الأكبر في الأحداث على حساب المساعدة التي كان هناك امكانية لإعطائها دوراً أكبر يزيد من ثراء القضايا المثارة لكن اعتقد أن الكاتب فضل الإيجاز والتكثيف كحال النص بشكل عام.
* اللغة / الحوار * ( درجة ونصف )
لغة السرد جاءت بالفصحى البسيطة واعتمدت على تقديم صورة بصرية جذابة لتفاصيل السرقات وآليات تنفيذها مع لمحات كوميدية متناثرة هنا وهناك في عديد من المواقف العصيبة ، أضفت على النص روحاً ساخرة.
لغة الحوار بالعامية ابرزت التناقضات التي يعيش فيها الأجيال المعاصرة وايجاد المبررات اللازمة لتخدير الضمير واقناع النفس أن باب التوبة دائماً مفتوح متى أردنا ومهما فعلنا.
* النهاية * ( درجتان )
( أنا لو وقعت مش حقع لوحدي ). جملة شهيرة تتردد على أسماعنا طيلة الوقت ويتم تطبيقها بشكل عملي وما نراه حولنا من قضايا وحوادث شهيرة خرج منها مرتكبيها كالشعرة من العجين خير شاهد.
ما يميز الختام هو واقعيته الشديدة. الانتصار للفساد دائماً باعتباره صاحب اليد العليا في مجتمعات باعت ضميرها وتخلت عن آدميتها وانسانيتها وأصبحت ترفع شعارات زائفة وبراقة عنوانها التدين والأخلاق.
المهم أن تحتفظ لنفسك ببعض أوراق اللعب كصك حماية حتى لا تكون كبش فداء يوماً ما وتحاسب وحدك على ثمن المشاريب !.