أسترعى انتباهي -منذ عشرين عاما- (هجرة النوبيين) للمرحوم حسن دفع الله باعتباره توثيقا بالغ الأهمية لتجربة انسانية نادرة الحدوث في تاريخ البشرية. غير ان هذه التجربة الفريدة حين اصدرت لم تكن في متناول الدارسين والمهتمين الراغبين في التعرف عليها لسببين :السبب الأول هو ان مادة الكتاب -والذي صدر في غام 1975- كانت باللغة الأنجليزية. أما السبب الثاني فقد كان شح الكمية المطبوعة منه وتداوله في نطاق ضيق لا يتعدى الأكاديميين وقارئي الإنجليزية الذين يتابعون إنتاج المطابع وحركة النشر على وجه العموم
(قصةهجرة أهالي حلفا تمثل أهمية بالغة لوقائع تهجير سكان مدينة ذات تاريخ بعيد امتد لأكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، واضطروا للخروج منها نتيجة لقرار حكومي بإخلائها لتسهيل قيام السد العالي في مصر، حيث أغرقتها مياه السد العالي بالكامل عام 1964 ،المؤلف حسن دفع الله، المسئول الإداري الأول في مدينة حلفا، وضع الكتاب نقلا عن يومياته، حينما وقع عليه عبء تنفيذ عملية تهجير أهالي حلفا بالقطارات إلى خشم القربة بشرق السودان، وكتبه بالإنجليزية وترجمه للعربية عبد الله حميدة. والكتاب يتكون من 25 فصلا، وحمل بعضها العناوين التالية: وصول المؤلف لأول مرة لمدينة حلفا، وصف لمدينة حلفا وتاريخها، ارض النوبة وسكانها، السمات الشخصية للنوبيين المعاصرين، اقتصاديات الأرض في بلاد النوبة، السد العالي وردود الفعل الأولى، الإحصاء ومشكلة التعويضات، اختيار موقع إعادة التوطين، بدايات بناء الوطن الجديد، إعداد برنامج تهجير السكان، المرحلة التاريخية للباخرة (الثريا) عبر الشلالات، التهجير، الموقف في حلفا وخشم القربة بعد عملية التهجير، تكاليف التهجير وإعادة التوطين وإلى جانب هذه الفصول هنالك ملحق للمسح السكاني لوادي حلفا. أكثر الفصول إثارة الفصل التاسع عشر (اللمسات الأخيرة لما قبل الرحيل) والفصل العشرون (التهجير)، فقد نقل المؤلف الأجواء الحزينة التي سادت وادي حلفا والمخاوف التي ساورت أهلها، حيث يتحتم عليهم مغادرة وطن ولدوا وعاشوا فيه أباً عن جد وألفوه وأحبوه إلى درجة عدم استجابتهم لأي دعوة من أبنائهم في الخارج مهما بلغ الإلحاح عليهم.)