الحمدُ للهِ خالقِ الإنسان، علَّمه البيان، والصلاةُ والسلامُ على أفصحِ عدنان وقحطان، المؤيدِ ببلاغةِ القرآن، وعلى آلهِ اللُّسْنِ المقاول، الأبناءِ الفياصل، وعلى صحابتِهِ هُداةِ الأنام، ومصابيحِ الظلام، وأمراءِ الكلام.
وبعد؛ فإنَّ صناعةَ البيانِ من أشرفِ الصناعاتِ مقاماً، وأعزّها مراماً، وأكثرها شِعاباً وأوعرها لِهاباً (1). من ثَقِفَها فقد فازَ بحُسْنَى الرغاب، وأُوتي الحكمة وفصل الخطاب. وما امتاز الإنسان، من سائر صنوف الحيوان إلا باللسان القائل، والجَنانِ العاقل. ولأمرٍ ما قالت الأوائل: المرء بأصغريه قلبه ولسانه. وقال حكيم الشعراء: لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ ... فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدمِ
وقال سيدنا رسول الله في غير مَخيَلة ولا فخر: "أنا أفصحُ العرب بَيْدَ أني من قُريش ونشأتُ في بني سعد بن بكر".
وما صناعة البيان إلّا مَلَكة من المَلَكات، قوامها ما في الغريزة، من استعداد، وتمامها لقاحُ النَّجيزة (2)، بالدُّربة والاعتياد؛ فلن يكون المرءُ ذرباً ناصعاً، ومنطق بارع، ما لم تتهيأ له عدّتان: أولاهما قريحة ثاقبة، وثانيتهما مرانة دائبة، وهاتان العُدّتان متضافرتان في درك الغاية، إذا وَنَت إحداهما أعانتها الأخرى. فكأيّ من طبع شَحاح ضعيف، نهض به فضلُ درب وتثقيف، كالأرض المهزولة الزَّهاد (3)، يذهب من ضعفها مضاعفة السَّماد. ورُبَّ قريحةٍ مِسماحٍ فياضة، ثَقَّفها قليل من الرياضة، كالأرض الأريضة القَرواح (1)، يُربيها يسير من جَهد الفلّاح. وعلى قدر تفاوت البشر في السلائق والتمرين، تتفاضل منازلهم من البيان والتبيين. ولئن كانت الغرائز من مواهب المنعم المنان، إن إرهافها وصقلها لمن كسب الإنسان.
وبعد: فقد أطبق أولو الخبرة السديدة والتجارب الرشيدة، من السالفين والخالفين، على أن لا سبيل إلى المرانة الناجعة في إصلاح المنطق والتحلي بحلية البيان، إلا بممارسة المختار المصفى من أقوال البلغاء، ومُدارسة المستجاد المنخول مما أُثر عن مصاقع الخطباء وفحول الشعراء وكبار الكُتّاب وفوقة الحكماء، والاطلاع على ما دار بين المدارَه وأولي اللسن في الأندية والأسمار: من محاورات ومناظرات، ومساجلات ومقاولات، مع التفهّم لمعانيها، والتدبر لمنازعها ومناحيها، والتفطّن لأساليبها، والتبصر في تراكيبها، والتأمل في أخيلتها الساحرة، وتسابيهها النادرة، واستعاراتها الأنيقة، وكناياتها الدقيقة. ولقد دلَّنا الاستقراء الصالح على أنه كلما كان حظ المرء من الاطلاع والحفظ أكثر، كانت مرتبته في البلاغة أسنى وأنخر، ونصيبه من حسن البيان أجزل وأوفر. ولقد وجدنا أن رؤوس أعلام البيان وأقطاب فحول البلاغة كانوا رُواة ناقلين، قبل أن يكونوا فُصحاً قائلين؛ فهذا ابن المقفع شيخ الكتاب وإمام المترسلين يقول: شربت من الخطب ريّا، ولم أضبط لها روياً، ففاضت ثم فاضت، فلا هي نظاماً، وليس غيرها كلاماً. وسمع الرشيد من سهل بن هارون كلاماً أعجبه، فقال له: يا سهل! مَن روى من الشعر أحسنه وأرصنه، ومن الحديث أفصحه وأوضحه، إذا رام أن يقول لم يُعجزه القول؟ وكان زهير بن أبي سلمى راوية لطفيل الغنوي، والحطيئة راوية لزهير، والفرزدق راوية للحطيئة. ويروى أن أبا تمام كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب عدا المقطعات والقصائد. وكان أبو عثمان الجاحظ والبديع الهمذاني والخوارزمي والمتنبي والمعري من أعاجيب الدهر في كثرة المحفوظ وسعة الاطلاع.
وبعد: فقد حداني كل أولئك أن اصطفيت لشدَاة الطلاب، وعُشّاق الآداب نُخبة صافية، من أجود الكلام المأثور، من بين منظوم ومنثور، غير متقيّد بعصر من العصور، ولا مؤثر لقائل مشهور، على قائل غير مذكور؛ إذا كان رائدي استجادة المقال، لا الإشادة بمَن قال. وتوخيت فيما اخترته أن يكون مشتملاً على أجلّ الأغراض التي يدور عليها البيان، وأهم الفنون التي يعوزها التبيان، وآثرت أن أدرج كل جنس من المعاني في باب من أبواب الكتاب، لأؤلف بين النظائر والأتراب، وليكون من ذلك عون للقارئ على الموازنة بين الأقوال، تختلف تراكيبها ومبانيها، وتتحد مقاصدها ومعانيها، وقسّمت ما وقع عليه اختياري أجزاء متشابهة الأبواب والنظام متخالفة في طبقات الكلام، متفاوتة في قربها من الأفهام. ولذلك سميته "معراج البيان" كي تُدرك الغاية من العنوان. والتزمت أن أفسّر غريب الكلمات، وأوضح مكنون المعاني، وأضبط ما يفتقر إلى الضبط، وعرّفت بكثير ممن جاء ذكرهم في تضاعيف الكتاب.
فإن أكُ قد قاربت السداد، وسلكت سبيل الرشاد، فإن الله وحده الإرشاد والإسعاد. وإن تكن الأخرى فالخير أردت، وما توفيقي إلا بالله.