إن قضية التعبد والتعليل في أحكام الشريعة قضية شائكة أصوليًّا وفقهيًّا؛ حيث أقام بعض الأصوليين منها قديما وحديثا معارضة بين أطرافها، فالأحكام التعبدية لا مجال للتعليل فيها، والأحكام التوقيفية لا يرد فيها التعليل .. هكذا قال البعض، وانطلقت القواعد الفقهية المتفرعة والضابطة لهذه الفكرة عندهم، مثل: "الأصل في العبادات التوقيف"، و"القياس لا يدخل العبادات"، و"العبادات لا تعلل"...الخ.
وجعلوا هذا كله - في ظاهره - معارضا للتعليل أو التقصيد ومانعا منه، ومن هنا لا دخول للقياس في العبادات بما أنها لا تُقصَّد ولا تعلل!
فهل يعني هذا أن العبادات لا يجوز البحث فيها عن المقاصد أو العلل أو المعاني المعقولة؟ وإذا منعنا هذا عن العبادات خاصة فما معنى اسم الله "الحكيم"، وماذا يقتضي؟!
وإذا قلنا بأن الأصل في أحكام العبادات التقصيد، فهل يعني ذلك أن كل حكم من الأحكام الجزئية الشرعية العملية له مقصد؟ هل يلزم من قولنا: "إن الشريعة مقصَّدة" أن يكون لكل حكمٍ جزئيٍّ عمليٍّ مقصدٌ شرعيٌّ؟.
وإذا كان لكل حكم مقصدٌ فهل هذا يطرد في العبادات كما هو الحال مع غير العبادات؟.
وهل طبيعة التقصيد واحدة في أبواب الفقه كلها، أم أن للتقصيد طبيعةً في العبادات تختلف عنها في غيرها؟، وإذا كانت تختلف من باب لآخر فهل هذا يؤثر على عملية الاجتهاد والفتوى والتنزيل في هذه الأحكام ونوازلها تبعًا للاختلاف في الطبيعة، أم أنه لا تأثير لذلك على المستويات كلها؟.
وحين نعجز عن الوقوف على مقصد للحكم الشرعي، وبخاصة في العبادات، هل يسعنا أن نستنجد بفكرة "التعبد والامتثال" مقصدًا لما لا نقف له على مقصد، وتنتهي مهمتنا عند هذا الحد دون أن نقدم ما يشفي العليل أو يروي الغليل، أم أن هناك أدوارًا ومسالك اجتهادية ينبغي أن نسلكها للبحث عن مقصد الحكم والوقوف عليه حتى نكون قد بذلنا وسعنا على وجه نحس معه بالعجز عن مزيد طلب؟
وهل عجْزُنا عن إدراك المقصد من الحكم الشرعي الجزئي ينفي أن له مقصدًا، أم أن له مقصدًا مقرَّرًا من حيث المبدأ، وَلَمَّا نقف عليه بعد؟.
****
ثم ماذا عن التعبد في الأحكام الشرعية، وما مساحة هذه الأحكام التعبدية في خارطة الفقه الإسلامي؟.
وماذا عن وضع التعبد إزاء التعليل أو التقصيد؟ هل معنى تعبدية الأحكام أن تتعارض مع تعليليتها أو مقصديتها؟ وهل تمنع فكرة التعبد لبعض الأحكام من البحث عما وراء الأحكام من علل ومقاصد وغايات؟.
وهل يعني البحث عن العلل والمقاصد التوقف عن أداء الشعائر حتى ندرك المقصود من التشريع والعلة من الحكم، أم أنه لا علاقة بين أداء الواجبات ومعرفة مقصودها الشرعي؟.
وهل تعني فكرة التعبد أن أحكامه لا مقصد لها، ومن ثم تكون غير قابلة للقياس، أم أن لكل حكم مقصدا وإن كان تعبديا، وَلَمَّا نقف على مقصد بعضه بعد؛ حيث إذا ظهر المقصد أو اتضحت العلة جاز القياس وتمكنَّا من تعدية الحكم إلى غيره، وإلا فلا؟.
هذه الأسئلة ـ وغيرها ـ هي موضع الحديث في هذا البحث، الذي يسعى للإجابة عنها من خلال أقوال الأصوليين والمقاصديين، وتحليلها، وتحقيق القول فيها، وبخاصة ما ظهر أن فيه تعارضا. أو مناقشتها، أو استخلاص النتائج منها، أو نقدها إن لزم الأمر.
الاسم : وصفي عاشور علي أبو زيد . الميلاد : محافظة كفر الشيخ بجمهورية مصر العربية : 11 جمادى الثاني1395هـ الموافق :20/6/1975م . المؤهلات والخبرات : * سجل لدرجة الدكتوراه بعنوان : « المقاصد الجزئية وأثرها في الاستدلال الفقهي » في ديسمبر 2005م . بكلية دار العلوم جامعة القاهرة . * ماجستير في الفقه والأصول من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، بتقدير ممتاز ، في مارس 2005م ، بعنوان : « نظرية الجبر في الفقه الإسلامي، دراسة تأصيلية تطبيقية » . * ليسانس اللغة العربية والعلوم الإسلامية من نفس الكلية والجامعة 1997م . * شارك في عدد من المؤتمرات الدولية في مصر وقطر والجزائر والمغرب . * شارك في إعداد معلمة القواعد الفقهية التابعة لمجمع الفقه الإسلامي جدة . * عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين . * مستشار دعوي وإيماني لموقع إسلام أون لاين . نت . * عضو الجمعية الفلسفية المصرية منذ عام 2005م . * عضو الاتحاد العربي للإعلام الإليكتروني . * باحث شرعي بالمركز العالمي للوسطية بالكويت منذ عام 2006م . * نـشـرت لـه الـصـحافـة الـورقـيـة والإلـيكترونية مـئات المقالات والأبحاث في الفقه والأصول ، والفكر والدعوة ، والتربية ، وشئون الأسرة ، وغيرها . المؤلفات : 1 نظرية الجبر في الفقه الإسلامي دراسة تأصيلية تطبيقية . ( منشور ) . 2 في ظلال سيد قطب ، لمحات من حياته وأعماله ومنهجه التفسيري ( منشور ) . 3 محفوظ نحناح رمز الإسـلام المعتدل في الجزائر ( منشور ) . 4 الحرية الدينية ومقاصدها في الإسلام ، وهو الكتاب الذي بين يديك . 5 منهج الشيخ محمد الغزالي في تناول مسائل العقيدة ( تحت الطبع ) . 6 تكوين الدعاة بين الفقه والدعوة ( تحت الطبع ) . 7 يوسف القرضاوي مجالات التأليف وخصائص المنهج العلمي . ( تحت الطبع ) . 8 رعاية المقاصد في منهج القرضاوي ( تحت الطبع ) .