دراسة حديثيّة في تفصيل العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام
للشيخ عبد المجيد بن يوسف الشاذلي
أصل هذا الكتاب الذي نقدّمه بين يدي القرّاء اليوم أبوابٌ كتبها فضيلة الشيخ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله ضمن دراسة أكبر حجمًا عالج فيها عدّة قضايا مهمّة مثل: الخطاب السياسي والحركة، العقائد بين إفراط الغلوّ وتفريط الإرجاء، علاقة الحاكم بالمحكوم ومقاصد الدعوة. وقد ارتأينا إصدار الأبواب المتعلّقة بعلاقة الحاكم والمحكوم مفردةً في هذا الكتاب لكونها تشكّل معًا وَحدة واحدة، حيث كتبها الشيخ رحمه الله مستهدفًا بها تصحيح المفاهيم في هذا الموضوع، وذلك ضمن دراساته المستفيضية حول «الشرعية والدولة»، وقد ذكرها في غير موضع من محاضراته وفي مقدّمة كتابه «الحكومة الإسلامية: رؤية تطبيقية معاصرة» ، وأفرد لهذا الموضوع مقدّمة خاصّة تعرّف به ضمن الدراسة، ممّا يؤكّد خصوصيّته وأهميّته.
ولخطورة هذا الموضوع وإلحاحه، ولإرواء عطش الباحثين عن إجابات شافية تدمغ شبهات الإرجاء المعاصر؛ قمنا بإصداره مفردًا قبل إصدار الدراسة كاملة، والتي ستصدر قريبًا بإذن الله. فضلا عن وجود الكثير من المفهومات المغلوطة في هذا الموضوع، وطغيان الأطروحات الاستبدادية من جهة، أو المفرّطة من جهة أخرى. ولذلك كان من المهمّ جدّا إيصال هذه المفاهيم إلى الأمة في أسرع وقت ممكن، وقد بذل الشيخ رحمه الله سنوات طويلة في تحقيق هذه القضية، وراجع فيها كتب الحديث ومدوّناته القديمة وكلام أهل العلم، فلا أقلّ من إفرادها في إصدار خاص، فضّلنا أن تكون النسخة الأولى منه إلكترونية في متناول الأمة الإسلامية جميعها؛ لأنّ الهدف هو إيصال هذه المفاهيم للأمة في أسرع وقت وبأيسر وسيلة، وخصوصًا في مثل هذه الأوضاع التي تئنّ فيها بلاد المسلمين تحت ضربات الطواغيت وأعوانهم، ويُروَّج فيها للأفكار التخديرية التي تؤصّل للخنوع والاستسلام والانبطاح.. سائلين الله عزّ وجلّ أن ييسّر لنا طباعتها في وقت لاحق.
وتشكّل دراسة الشيخ في هذا الموضوع فتحًا في المجال، حيث أظهرت الكثير من القضايا الغائبة عن الطرح السياسي في الساحة الإسلامية، بتفصيل دقيق لم نجد له مثيلا فيما صدر حتى الآن، مع عدم غمطنا لجهود الآخرين من أهل العلم الأفاضل. فلم يقتصر الشيخ رحمه الله فيها على دراسة الأحاديث في هذا الجانب والاستدلال بها، وإنما ضمّن كتابه دررًا من الدروس التاريخية والسياسية والاجتماعية، وبشكل خاصّ في الفصل الأخير الذي طرح فيه قضايا ومفاهيم في غاية الأهمية مثل: التتبّع التاريخي لأوضاع القتال بين المسلمين، مقومات الخلافة الراشدة، الأسباب التاريخية التي أدّت إلى سقوط الأمة، الإقطاع العسكري وخطورته، تصحيح المفاهيم بالنسبة للخطاب الفردي والخطاب الجماعي.. وغيرها من القضايا المهمّة.
عبد المجيد بن يوسف بن عبد المجيد الشاذلي الشيخ العلامة الأصوليّ. ولد في بلدة "بسيون" في محافظة الغربية بمصر عام 1938م، تخرج من كلية العلوم – قسم الكيمياء في جامعة الإسكندرية - وعمل بشركة الحرير في كفر الدوّار، حتى تاريخ إحالته للمعاش. جده الشيخ عبد المجيد الشاذلي هو أحد شيوخ المذهب المالكي في الأزهر الشريف. نشأ عبد المجيد الشاذلي في بيئة علميّة حيث كان الوالد والجد من علماء الأزهر وكان منذ نشأته محباً للعلم شغوفاً بطلبه يدرك ذلك من يستمع إليه ويلمس "الموسوعية" في طرحه وحديثه. كان محباً لقراءة كتب الفقه والسيرة والأصول، ومن أهم الكتب التي قرأها وأثرت به كتابي "الموافقات" و"الاعتصام" للإمام الشاطبي، حتى لقب فيما بعد من قبل بعض محبيه "بالشاطبي الثاني" لشدة إحكامه وتمكنه من علم أصول الفقه على منهج الإمام الشاطبي. تتلمذ في شبابه من خلال وجوده في إطار جماعة "الإخوان المسلمين" وخصوصاً على يد الأستاذ الشهيد محمد يوسف هواش ثم فيما بعد على مؤلفات الأستاذ الشهيد سيد قطب والأستاذ محمد قطب والشيخ أبو الأعلى المودودي. ثم كانت علاقته بعلم شيخ الإسلام ابن تيمية في السجن حيث درس جميع كتبه وجميع كتب الإمام ابن قيم الجوزية يقول الشيخ عبد المجيد الشاذلي: «إن أول ما بدأ به في الدراسة علم شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن كان قد درس كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" قبل السجن – هو رسالة "العبودية" ثم رسالة "التدمرية" ثم كتاب "الإيمان" ثم جميع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وجميع كتب الإمام ابن القيم ثم جميع كتب المدرسة الوهابية من كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب حتى كتب الشيخ محمد بن إبراهيم والمحدثين من هذه المدرسة.» بعد خروجه من السجن سافر إلى المملكة السعودية وطلب العلم هناك على يد كبار علمائها فطلب العلم بتتلمذ مباشر من الشيخ عبد الرزاق عفيفي في الرياض والشيخ ابن باز وقد قدم له الشيخ ابن باز مجموعة رسائل بعنوان "عقيدة الموحدين". وقدم له الشيخ ابن جبرين كتابه "الطريق إلى الجنة". وأصدرت له جامعة أم القرى كتابه الكبير "حد الإسلام وحقيقة الإيمان" بعد مراجعته من قبل لجنة من العلماء. يقول عبد المجيد الشاذلي: «مرت علاقتي بالأستاذ سيد قطب بعدة مراحل منذ عام 1951م إلى أن جاءت قضية الإخوان المسلمين في عام 1965م الشهيرة باسم تنظيم سيد قطب فمثلت لي المرحلة الأخيرة في الاتصال بفكر سيد قطب وفي هذه المرحلة كنت أتقابل معه في سيارة الترحيلات وطوال وقت الجلسات بالمحكمة وفي السجن بدأت خلافاتنا الفكرية مع الإخوان المسلمين وبعد خروجنا أسسنا في عام 1975م دعوة أهل السنة والجماعة]»
ويقول الشيخ العلامة رفاعي سرور في ترجمته له أنه يعتبر: المؤصل الفقهي والشرعي لفكر سيد قطب حتى تكونت بجميع كتابات هذا الاتجاه وحدة موضوعية واحدة توزعت على كل العقول التي تحاول الوصول للحق، كل بما يناسبه، ليكون هذا التأصيل هو المواجهة الفكرية الواقعية على الزعم القائل بأن كتابات سيد قطب مجرد كتابات أدبية، حيث لم يفهم القائلون بذلك أن سيد قطب كان يخاطب الناس بما يناسبهم ويؤثر فيهم لتكون مهمة التأصيل الضرورية موكولة لكتابات التأصيل التي تعتبر كتابات الشيخ عبد المجيد نموذجاً كاملاً لها، فتكتمل كل الشروط الشرعية للاتجاه الفكري الصحيح للدعوة. والبعد الأساسي للتعريف المنهجي بالشيخ عبد المجيد الشاذلي هو تجربة 65 حيث كانت تلك التجربة هي البداية التاريخية للتصحيح الفكري والمنهجي للدعوة، كما كانت سنداً نفسياً لمن أتى بعدها حيث علم شباب الدعوة الجدد بعد اكتشاف تنظيم 65 أن هناك من استطاع الوقوف أمام عبد الناصر. التحق عبد المجيد الشاذلي بالإخوان منذ خمسينيات القرن الماضي حين كان شاباً يافعاً وقد كان أستاذه المباشر ابن بلدته بسيون الأستاذ محمد يوسف هواش والذي كان رفيق درب سيد قطب حيث عايشه لسنوات طويلة أثناء فترة سجنه حتى استشهادهما سوياً بإعدامهم من قبل نظام جمال عبد الناصر عام 1966م. في أواخر الخمسينيات وحتى عام 1965م نشطت حركة من الإخوان الذين كانوا خارج السجون بقيادة عبد الفتاح إسماعيل بهدف إعادة تنظيم الإخوان وارتبطت هذه الحركة مع مرور الوقت وحتى القبض على أفرادها بشخصية سيد قطب، حيث اعتبر المنظّر الفكري لها وكان عبد المجيد الشاذلي أحد قادة الصف الثاني لما عُرف بعدها باسم "تنظيم 65" الذي كان على رأسه سيد قطب. فقد كان معاوناً ونائباً لمجدي عبد العزيز متولي – قائد منطقة الإسكندرية للتنظيم -.
سُجن عبد المجيد الشاذلي عام 1965م في قضية "تنظيم 65" الشهيرة وقد اتهم هذا التنظيم بالعمل على قلب نظام الحكم في مصر. واستمر سجنه حتى عام 1975م. قضى أول عامين في السجن الحربي حيث نال من التعذيب الشديد والأذى والتنكيل الشديد ومنها عزله وتعذيبه في حبس انفرادي لمدة 40 يوماً بناء على أوامر مدير السجن الحربي آنذاك وهو حمزة
من أهم كتب الشيخ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله أو أطروحاته السياسية بشكل أدقّ، فالكتاب جزء من دراسة أشمل وأوسع تضم موضوعات فكرية وسياسية وعقدية وتاريخية ملحّة. يطرح الشيخ فيه نظرية سياسية متكاملة حول العلاقة بين الحاكم والمحكوم، متعرّضا للانحرافات التاريخية في هذا الباب، وآثار التنظير والممارسات الفاسدة تاريخيا في سقوط الأمة وتخلّفها.
يميّز الدراسة تركيزها على الأحاديث النبوية، باعتبار أنّها كانت مدخلا للتصوّرات المنحرفة، حيث ركّزت بعض التوجهات على أحاديث بعينها لتختزل فيها العلاقة مع الحكام، فقام الشيخ بسرد جميع الروايات الحديثية التي تتحدّث عن علاقة الأمة بالحاكم، وانتظمت في أطروحته ضمن سبعة مراحل، يميّز كل مرحلة فيها صفات معيّنة وممارسات يشتمل عليها الحاكم أو نظام الحكم، ودور معيّن للأمة إزاء هذه الصفات والممارسات، كل ذلك من خلال دقّة في الفرز والاستدلال بأدوات الأصولي الذي يعرف جيّدا كيف يتعامل مع النصوص التي تبدو وكأنها متعارضة لأول وهلة.
يحزنني ألا ينال هذا الكتاب الاهتمام الكافي من قبل المختصّين والمهتمين في الشأن السياسي المعاصر وقضايا الحكم والدولة، ويعود ذلك بحسب رأيي إلى خمسة أسباب رئيسية:
- أولا: لم يكن الأستاذ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله متخصّصا أكاديميا في هذا الموضوع، بل كان كيميائيا بعيدا عن محافل الدراسات الاجتماعية والتاريخية والسياسية في أطرها الأكاديمية. وتلقى معارفه الشرعية والسياسية والتاريخية بطرق طلب العلم الشرعي التقليدية ومن خلال اجتهاده الذاتي.
- ثانيا: الشيخ عبد المجيد رحمه الله ليس معروفًا بشكل كاف في أوساط المثقّفين، وانحصر تأثيرة لفترة طويلة في نخب إسلامية محدودة في مصر تحديدا وفي بعض بلدان العالم العربي كالسعودية والجزائر، ويعود ذلك بشكل كبير إلى الحصار والسجن والتضييق الذي فرضه النظام المصري على الشيخ طوال عقود، بالإضافة إلى مواجهته لمشكلة كبيرة مع دور النشر التي لم يقبل معظمها أن ينشر له (بسبب وضعه الأمني من قبل النظام بشكل أساسي) بل ولم ترض فضائيات معينة بعد الثورة بظهوره عليها تحت تهديد بعض المشايخ "السلفيين" بسحب مساهمتهم في تلك القنوات إذا ظهر فيها الشيخ عبد المجيد!
- ثالثا: بعض التقصير من قبل تلاميذ الشيخ، وعلى وجه الخصوص من عرف قيمة كتاباته وطرحه، والجهد الذي بذله في مراجعة هذه القضايا الحساسة بمنهجية علمية دقيقة. ولعل لبعضهم أعذارا لا نعلمها.
- رابعا: كتابات الشيخ علمية وبعيدة عن عناصر التشويق، وبعيدة كذلك عن الطرح السجالي أو الطرح الذي يستهدف القضايا الجدلية التي تجذب فضول الناس، وهو يستهدف من خلالها إصلاح عالم الأفكار والقلوب والسلوك في القضايا الرئيسية التي أصابها الخلل تاريخيّا وفي عصرنا الحاضر. ومن ثم فهو يعالجها باستفاضة ودقة مع استخدام أدوات الأصولي (من أصول الفقه) التي يجد القارئ العادي صعوبة في الاعتياد عليها.
- خامسا: انتشار كتب الشيخ، وهذا الكتاب الأخير "الأمة والحاكم" تحديدا بنسخة إلكترونية يُنشئ شعورا لدى الكثير من المثقّفين (مع الأسف) بعدم أهمية الكتاب وينتقص في حسّهم من قيمته العلمية، ولا أخفي أنني أنا أيضا أواجه مشكلة في هذا الجانب حيث تسحرنا أحيانا أسماء دور النشر وإقبال بعض النخب على كتب معيّنة، ونهمل مع ذلك الكثير من النصوص القيّمة التي خرجت بتواضع في الحيّز الإلكتروني، ولعل الأسباب التي أوردها القيّمون على إصدار كتب الشيخ بعد وفاته تحمل بعض التبرير، وإنْ كنت أفضّل بذل المزيد من الجهد في طباعة كتبه في دار نشر تليق بها.
في النهاية يمكنني أن أقول للقارئ: إنْ كنت تبحث عن الفائدة العلمية في هذه القضية "علاقة الأمة بالحاكم" فالكتاب جهد قيّم ويعتبر تجديدا في المجال. رحم الله الشيخ عبد المجيد الشاذلي.