هذا الكتاب ليس مجموعة من القصص والحواديت فقط، بل رحلة تجمع بين الحكاية والمقالة، بين السرد الذاتي والتحليل الفني لكشف أثر أغاني محمد منير في تشكيل الذاكرة والوجدان. هنا تتحول الأغنية إلى مفتاح لذكريات، وإلى مرآة للحظة إنسانية، وإلى باب لفهم رحلة فنية متفردة.
هل مرت عشر أعوام حقًا؟! منذ أن نشر عمر طاهر كتابه الفارق والجميل "إذاعة الأغاني" وكنت يومها أتمنى أن أكتب، أو يكتب آخرون كثيرون تلك الفكرة "سيرة شخصية" للأغاني التي أحببناها وتعلقنا بها، وربما كتبت بعدها مرة أو مرتين عن أغانٍ قريبة، ولكن الأمر لم يمتد أكثر من ذلك! ومرت السنوات، وجرى في نهر الكتابة ماء كثير، كان أبرزها وأوسعها انتشارًا مذكرات الفنانين أو سيرهم الذاتية التي يحررها كبار الكتاب والصحفيين، حتى رأيت كتابًا يحمل صورة محمد منير باسم "في حضرة المغني" كتبته بسملة الديب، ظننته في البداية تأريخًا لمشوار واحد من أهم مطربي زماننا، ولكن كانت المفاجأة، بعد فترة من ظهور الكتاب، أن الكتاب سيرة شخصية لصاحبته، على خلفية أغنيات محمد منير! ياله من اختيار، ويالها من فكرة! في ظني أن الأمر يمثل تحدٍ خاص، ماذا يمكن أن يكتب المرء من حياته وأفكاره على خلفية أغنيات محمد منير، ذلك المغني (بألف لام التعريف كما اختارت بسملة) الذي يعبر عن كل أفراحنا وأوجاعنا وآمالنا وآلامنا في الوقت نفسه، بل يكاد يكون المغني الوحيد الذي يغني للحبيبة فتعرف أنه يقصد مصر، ويغني لمصر فنظن أنه يتحدث عن الحبيبة!! ولكن بسملة بكل ثقة وبساطة، اختارت أن تخوض غمار هذه التجربة، وتتوقف عند أغاني منير، بترتيبها الزمني تقريبًا، وتجمع في سيرتها بين الخاص جدًا والعام، وتسعى للبحث والتوثيق، وتصبغ كتابها بأسلوبها الأدبي الجميل وطابعها الخاص، ليخرج الكتاب محملاً بالكثير من الشجن والألم والصدق، وكأنه يحاكي أغنيات منير في كل مرة، ليس فقط تلك التي اختارتها وكتب عنها بالتفصيل، ولكن تلك الحالة التي تتملك المستمع والمحب لمجرد ذكر اسم منير، ورؤيته، بوجهه البشوش وابتسامته التي تحمل الحزن والفرح معًا! بمقدمة بسيطة تشير بيها بسملة إلى أنها تعتبر حياتها تسير وفقًا لنغمات صوت منير، من شوارع وسط البلد حتى الحارات والأزقة، في حالات الفرح والحزن والألم على السواء، تشير إلى أنها اختارات 22 أغنية، ستقسم كتابها بينهم، وتجعلنا ننطلق معها في تلك الرحلة. تبدأ من "عروسة النيل" حتى تنتهي "بأبو الطاقية" مرورًا بأهم أغنيات منير مثل "شبابيك" و"علي صوتك بالغنا" و"قلبي مساكن شعبية" تحكي بسملة حكايتها الشخصية مع كل أغنية، كيف عرفتها، وكيف سمعتها أول مرة، وكيف كان أثرها عليها بعد ذلك، ثم تتوقف في كل أغنية مع تفاصيل كتابة كل أغنية حكايتها وكيف وصلت إلى منير وغناها، والجميل أنها تفعل ذلك بأسلوب أدبي وقصصي شيق، ثم تعود مرة أخرى بكل بساطة إلى حكايتها الشخصية! لايمكن أن أتوقف عند حكاية واحدة، فلكل أغنية معها حكاية شيقة، ولكل تفصيلة معنى تمنحه من قلبها وروحها المزيد سواء كان ألمًا أو فرحًا أو مجرد حكاية وتأمل. توقفت طويلاً عند "علي صوتك بالغنا"، وكيف استطاعت أن تجعل من الأغنية دواءً وعلاجًا فاعلاً وحقيقيًا تتجاوز به ما تمر به من حالات اكتئاب، كما تألمت كثيرًا مع حكايتها على خلفية أغنية "هون ياليل" والتي استطاعت بشجاعة وقوة أن تتجاوزها، كما كان لحكايتها عن "شبابيك" وقع خاص في نفسي، حيث كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على مناسبة تلك الأغنية وأنها كتبت بين القصبان والسجون، كذلك جاءت "ياما مويل الهوى" لتعيد لي جرح فلسطين الذي لا يندمل! ليس من شكِ عندي أن من يقرأ "في حضرة المغني" سيستحضر بالضرورة حكايات بعض الأغنيات التي لاشك لامست قلبه، بل إني كنت أنتظر أن تنتهي كل حكاية لأعرف هل ستحكي عن أغنية أخرى على بالي، مثل "نعناع الجنينة مثلاً"، أو "إزاي ترضي لي حبيبتي"، وغيرها من الأغنيات التي غابت عن الكتاب، ولكن ذلك طبيعة تلك الكتابة لأنها تحكي تجربة شخصية مع أغاني منير ومع حياتها، بل إنها تواجه بكل جرأة وشجاعة عددًا من تجارب الفشل أو الخذلان من صديق أو حبيب، كما تواجه مصيبة فراق الأصدقاء بكل حساسية وصدق فيما تكتبه عن الشاعر الجميل أحمد الطحان على خلفية أغنية "كل الحاجات بتفكرني، بعيون حيرتها تحيرني" . في النهاية استطاعت بسملة أن تكتب تجربة شخصية شديدة الثراء والشاعرية، وأن تحكي عن منير وأغنياته جوانب عديدة ربما لا يعرفها الكثيرين، وجعلتنا نتأمل ونردد معها تلك الأغنيات، بينما الحياة تمر! شكرًا بسملة الديب على هذه الجولة الشجية الجميلة، وفي انتظار كتابات أخرى، ورحلات أطول