من كلمة الكاتب ونحن ندرس المرحلة الانتقالية التي أفضت إلى قيام الحُكْم العبّاسي، وما تخلّلها من انقلابٍ دامي الحواشي ، مخضَّب الوجه ، وما تقدَّمها من عهدٍ سرّيّ تبلورت، أثناءه ،((فكرويّةُ)) ، إيديولوجيا هؤلاء القابضين الجُدُدعلى زِمام إمبراطوريّة عظمى ، هي بمنزلة العصر الذهبيّ في التاريخ الإسلاميّ. لهذا كان تعويلنا على المصادر، نستنطقها الحقيقة، نبحث بين أَسطرها عن بصيصٍ غير معلّن، أو تفصيلٍ لم يتوقّف عنده الباحثون ،أو نتيجةٍ تبدو لنا مبتكَرة.
حصر خلفاء بني (أمية ) الخلافة في نسلهم دون المسلمين، وانتشر الظلم في أوقات كثيرة من عهدهم؛ فكانت الثورة ضدهم لا تهدأ، وكلما أخمدت ثورة أُشعلت نيران أخرى، واستمر الأمر كذلك إلى أن نجح العباسيون في ثورتهم، وأسقطوا ملك بني (أمية )، وورثوا ملكهم؛ فكيف كانت طبيعة ثورتهم؟ وكيف نشأت؟ وكيف تحولت من السرية إلى العلن؟ وكيف قامت دولة بني العباس؟
1- أول صراع على الخلافة بدأ الاختلاف حول أمر الخلافة منذ الصحابة، وقيل إن (فاطمة ) طالبت (أبا بكر ) بحقها في الملك؛ فأجابها بأن الأنبياء لا يورثون شيئًا من أمر الدنيا. وكان أول صراع حقيقي بين (علي ) و (معاوية ) رضي الله عنهما، واستمر هذا الصراع إلى أن قتل الخوارج (علي )، وتولى ابنه (الحسن ) الخلافة، فتنازل عنها لـ (معاوية )، سعيًا لحقن دماء المسلمين؛ فسعى (معاوية ) لتحويل الخلافة إلى ملك مقصور على بني (أمية ) بِفَرْعَيْة: السُّفْياني والمَرَوَاني. لكن أهل البيت لم يرضوا باستئثار الأمويين بالأمر، وإكثارهم من الظلم في الناس؛ فخرج عليهم (الحسين ) رضي الله عنه، وسافر إلى (الكوفة ) التي وعده أهلها بنصرته، لكنهم خذلوه في اللحظات الأخيرة، وأسلموه لمن ذبحه، وطاف برأسه على البلدان، ثم خرج عامل الكوفة (المختار بن أبي عبيد الثقفي ) على الأمويين مطالبًا بثأر (الحسين )، وتتبع كل من تواطأ على قتله، واقتص منهم، وأحرق بيوتهم، وإليه تنسب الدعوة (الكيسانية ) وهي أحد الطوائف الشيعية التي أصبحت فيما بعد نواة صلبة للدعوة العباسية.
بعد مقتل الحسين، انقسم الشيعة إلى شعبتين: أحدهما بايعت (محمد بن الحنفية ) أخو (الحسين ) لأبيه، وكانت هذه الشعبة تحوي أغلب الشيعة، والشعبة الأخرى كانت تحصر الخلافة في ولد (فاطمة ). وحتى الشعب كانت تنقسم فيما بينها إلى مجموعات تختلف في الأفكار، ووصلت عدد المجموعات في ذلك الوقت 25 مجموعة، ومن أبرزهم (الإمامية ) و (الكيسانية ) و (الكريبة ). في ذلك الوقت، كان العباسيون والعلويون يُعتبرون بيتًا واحدًا، لكن العلويين كانوا قد تحدوا بني أمية بالخروج، وكثر فيهم القتل، وأُنهكوا، أما العباسيون فكانوا مسالمين لبني (أمية )، حتى تمت معاقبة (علي بن عبد الله بن عباس )، والتنكيل به، بسبب زواجه من أرملة خليفة أموي، وطردوه من (الشام ) إلى قرية (الحميمة )، التي تقع على الطريق الواصل بين (الحجاز ) و (الشام ).
2- دخول العباسيين حلبة الصراع تصدر (أبو هاشم محمد ابن الحنفية ) المشهد، كزعيم العلويين الثائرين ضد بني (أمية )؛ فدعاه (سليمان بن عبد الملك ) إلى قصره، وسأله عن أمر الدعوة لنفسه بالخلافة والخروج عليه؛ فأنكر (أبو هاشم )، وخرج من عنده في وقت الظهيرة، وأرسل له (سليمان بن عبد الملك ) من يكمن له في الطريق، ويسقيه شرابًا مسمومًا؛ فلما أحس بأثر السم وهو في الطريق توجه إلى أبناء عمومته العباسيين في (الحميمة )، وأوكل الأمر من بعده إلى (محمد بن علي بن عبد الله بن عباس )، وأمر دعاته على الأمصار بالسمع والطاعة له كـ (بكير بن ماهان ) و (أبي سلمة الخلال )، وأوصاه بالسرية الشديدة، والتوجُّه بالدعوة إلى (خراسان )، وجَعْلها معقل الثورة.
توفي الإمام (محمد بن علي ) صاحب الدعوة عام 125هجرية، وخلفه ابنه (إبراهيم الإمام )، ووجه نظره إلى (خراسان )؛ لأن (الكيسانية ) كانت قد تغلبت على أهل (العراق )؛ فأهل (الكوفة ) في نظره شايعوا (عليًّا ) وأبناءه، و (البصرة ) عثمانية تدين بالكفر، و (الجزيرة ) خوارج حرورية، وأهل (مكة ) و (المدينة ) رسخ في قلوبهم حب (أبي بكر ) و (عمر )، وأما الخراسانيين فإنه كان يراهم الناصر للعباسيين ومن يَرُدّ الطغاة الفراعنة من الأمويين.
كان (أبو مسلم الخراساني ) قد بدأ اسمه يظهر في ذلك الوقت، واسمه (إبراهيم بن حيكان )، وكان يخدم أحد الدعاة، وهو (أبو موسى السراج ) وكان يتعلم منه السراجة وخرز الأعنة، ثم انتقل لخدمة ومصاحبة (محمد بن علي ) الذي أعجب بفطنته وحبه لآل البيت؛ فاهتم بتعليمه وتثقيفه، ثم عظم شأنه مع تولي (إبراهيم الإمام )؛ حيث أرسله أميرًا على الدعاة في (خراسان ).