"متاهة النكران" هو العنوان الذي اختاره المؤلف لهذا الكتاب، ليعكس حالة من الظلم التاريخي الذي تعرض له نخبة من أبناء هذا الوطن، الذين سطروا أسمائهم بأحرف من نور في صفحات النضال، لكنهم وجدوا أنفسهم في متاهة لا نهاية لها من النكران والجحود. هؤلاء العشرون بطلا الذين جمعهم حب الوطن، ضحوا بأرواحهم من أجل أن يظل العلم المصري مرفرفا عزيزا في السماء، كان لديهم حلم واحد، أن يكون وطنهم حرا، وأن تحقق تضحية كل واحد منهمفي بناء هذا الوطن، لكن ، ومع ذلك، لم يكن جزاؤهم إلا الجحود الذي جاءهم على أيدي من كانوا يظنون أنهم شركاء لهم في المعركة. هذا الكتاب لا يحاول فقط إحياء ذكرى هؤلاء الأبطال، بل يصرخ في وجه الظلم الذي وقع عليهم، ويطالب بحقهم في الذاكرة الوطنية، نحن نبحث عنهم في متاهة النكران التي اختبأوا فيها، نريد أن نعيد لهم الحق في أن تخلد تضحياتهم ، ولعل الأجيال القادمة تعيد لهم مكانتهم في تاريخ هذا الوطن، الذي كان كزءا من عزته بفضلهم.
يطلّ علينا ياسر الشيمي في كتابه «متاهة النكران» كمن يضيء مصابيح في دهاليز الذاكرة، باحثًا عن وجوه غابت خلف ستائر النسيان. ليس الكتاب مجرد سرد لتاريخ ثورة 1919، بل هو محاولة لاستعادة نبضها الإنساني، حيث يخرج من بين الصفحات صوت الذين لم تُكتب أسماؤهم على جدران المجد، لكنهم حملوا عبء الحرية على أكتافهم. سرد ضد النسيان يضع الشيمي القارئ أمام حقيقة قاسية: أن التاريخ ليس بريئًا، بل هو اختيار وانتقاء، وأن النسيان قد يكون أحيانًا أكثر قسوة من القهر نفسه. في سرده، تتحول الثورة إلى فسيفساء من الحكايات الصغيرة، حيث نجد حميدة خليل ورفاقها، أبطالًا بلا تماثيل، لكن بذاكرة تستحق الإنصاف.
لغة الكتاب اللغة هنا ليست جافة ولا تقريرية، بل مشبعة بروح الصحافة التي تعرف كيف تلتقط التفاصيل، وروح الأدب الذي يعرف كيف يمنحها حياة. يكتب الشيمي وكأنه يفاوض القارئ على إعادة الاعتبار، فيجعل من كل سطر دعوة إلى مواجهة النسيان، كما أنه يؤرخ في نفس الوقت لفترة تضاربت فيها المعلومات وسقط من ذاكرتها شخصيات كان لها دور محوري غير عادي في هذه الأحداث الملتهبة من تاريخنا الوطني
منهجية الكتاب يتعامل ياسر الشيمي مع سِيَر المنسيّين بوصفها مشروعًا بحثيًا جادًا، لا مجرد حكايات إنسانية مؤثرة. فهو يتتبّع مساراتهم قبل الثورة وأثناءها وما تلاها، خاصة ما تعرّضوا له من تهميش أو قهر بعد خروجهم من المعتقلات، مستندًا إلى منهج يجمع بين الصرامة الأكاديمية والحسّ الاستقصائي.
يعتمد الكاتب على طيف متنوع من المصادر: وثائق مكتوبة، أرشيف صحفي معاصر للأحداث، ومرويات شفهية نقلها أقارب هؤلاء الفاعلين. هذا التنوع لا يُستخدم للتكثير الكمي فحسب، بل للمقارنة والتحقّق وتفكيك الروايات الشائعة. لذلك يبدو النص حريصًا على التحرّي، متجنّبًا إعادة إنتاج المعلومات المتداولة دون تمحيص.
وتظهر قيمة هذا النهج في المواضع التي يعيد فيها ضبط تواريخ أو وقائع التبس تداولها، كما في ما أورده بشأن استشهاد حميدة خليل أو في تتبّعه لمسار مصطفى ماهر أمين، حيث لا يكتفي بالنقل بل يمارس دور المصحّح للرواية التاريخية.
أما على مستوى البناء، فيسير العرض وفق منطق يراعي موقع كل شخصية داخل السياق الثوري. فالبدء بسيرة عبد الرحمن فهمي بوصفه أحد محرّكي الثورة يمنح السرد نقطة ارتكاز واضحة، قبل الانتقال إلى شخصيات مثل القمص سيرجيوس ثم الشيخ القاياتي، في تسلسل يبرز تشابك الأدوار بين الفاعلين الدينيين والسياسيين والاجتماعيين.
ويُضيف الشيمي إلى هذا البناء عنصرًا سرديًا لافتًا، عبر استخدام ألقاب ورموز كانت متداولة في زمن الثورة. هذه العناوين لا تؤدي وظيفة جمالية فقط، بل تستعيد مناخ اللحظة التاريخية نفسها، حيث كان الرمز أحيانًا وسيلة للحماية وأحيانًا أخرى أداة للتأثير الشعبي. وهكذا يتحول التشويق إلى جزء من المنهج، لا مجرد إضافة أسلوبية.
أثره على القارئ «متاهة النكران» كتاب يترك أثرًا مزدوجًا: متعة القراءة من جهة، وقلق السؤال من جهة أخرى. فهو لا يكتفي بأن يروي، بل يطالب القارئ بأن يعيد التفكير في معنى البطولة، وفي عدالة الذاكرة، وفي حق المهمّشين أن يكونوا جزءًا من الحكاية الوطنية.
في النهاية، لا يمنح ياسر الشيمي صكوك غفران للتاريخ، بل يقدم خارطة طريق للخروج من تيه النكران. إن قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط فيما كشفه من أسرار الماضي، بل في قدرته على تحويل القارئ من متفرج صامت إلى شاهد مستنير، يدرك أن الحكاية الوطنية لا تكتمل إلا بإنصاف أصغر جنودها.
بقلم مغموس في مداد الوطنية والوفاء الإنصاف دوّن الكاتب الصحفي ياسر الشيمي سطور وصفحات هذا الكتاب؛ فمد يد الإنصاف لأسماء منسية من أبطال وشُهداء ثورة الشعب المصري في ١٩١٩م ضد المُحتل البريطاني ، وهي الثورة التي لطالما ارتبطت في أذهان الناس وحتى في مناهج التعليم بأسماء زُعماء الوفد وحدهم دون سواهم ؛ بل وتحديدًا الزعيم سعد زغلول، وبالطبع لا إنكار لدور سعد زغلول ورفاقه الوطني العظيم في تلك الثورة الشعبية العظيمة ، لكن هذا الكتاب أيضًا ، وبالأساس ، ينفض غبار النسيان والتجاهل عن عشرين اسمًا نكتشف عبر صفحات هذا الكتاب أنهم يستحقون أن تحفر أسمائهم على جدران ذاكرة الوطن بأحرف من نور. أنا - كقارئ- لم أكن أعرف شيئًا عن أغلب تلك الأسماء ، ولا عن أدوار أصحابها في ميادين ثورة ١٩١٩، ولعل مثلي كثيرين في ذلك ، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب؛ فضلًا عن الأسلوب الشيق في الكتابة، وروح الامتنان الشديد والإجلال التي تظلل كل السطور والصفحات، والتي نجح الكاتب ياسر الشيمي في جعلها تسري من صفحات كتابه إلى عقل ووجدان القارئ. ومن أهم ملامح هذا الكتاب أنه لا يصدر عن كتابة عاطفية مرسلة، وإنما ينطوي على جهد بحثي كبير يتمثل في سبعة وأربعين مرجعًا ومصدرًا اعتمد عليها المؤلف في تحقيق الوقائع والتواريخ والأسماء فجاء الكتاب إضافة جادة ومرجعًا يعتد به في قادم الزمن. " متاهة النكران"- من سيرة أبطال ثورة ١٩١٩" كتاب يحترم القارئ ويحترم تاريخ الوطن وتضحيات أبسط أبنائه، ويُلقي حجرًا في مياه النسيان والنُكران الراكدة. هذا إذًا كتاب جديرٌ بالقراءة ، بل وجدير بالبحث والتدريس ضمن مناهج المدارس ، كما أتمنى أن يتم تحويل بعض فصوله - إن لم يكن كلها- إلى حواديت مبسطة للأطفال وتلاميذ المراحل الأولى من التعليم . كما أتصور أن هذا الكتاب يحمل دعوة ضمنية للنظر في أمر تسمية عدد من الشوارع بأسماء هؤلاء الأبطال والشهداء المنسيين، بل لعلنا نطمع في أن نرى دعوة الكاتب الكبير يحيى حقي، والتي أعاد إحيائها هذا الكتاب تتحقق، فنرى تمثالًا لـ " إبن القباقيبي" في أحد ميادين القاهرة. أما لمن يقرأ سطوري هذه فيتساءل عمن يكون " ابن القاقيبي " هذا؟! فأدعوه لقراءة هذا الكتاب النبيل: " متاهة النكران" وهو العنوان المُلفت والمنتقى بعناية، والذي - في ذات الوقت يضع حدًا لهذه المتاهة ويشُق دربًا للوفاء والإنصاف التاريخي نتمنى أن تسير فيه المزيد من الكتابات والأبحاث التاريخية.