جسدي ملفوف كمومياء نصفيّة من الخصر حتى الرقبة والذراعين حرارة لا تطاق، والسيول تحت الضمادات تعرف طريقها نحو درب الشوك. أُجرب الحركات التي يمكنني إتيانها؛ أعجز عن رفع ذراعي أو تحريكهما بحريّة، أما أصابع يدي فما زالت منتفخة كقطع سُجق وجهي لا أراه، يحكني، عظمة أنفي تظهر محمرة بين عيني متوسّطة الصورة أينما جُلتُ ببصري. أخذ نفسًا عميقا قبل أن أنصت لأم نزار مجدّدًا صوت قوي يشي بالعناد ونبرة مرتعشة تشي بتقدّمها في السن. ما زالت تنادي على جيران لا يأتون. لم أرها ولم ترني، ولكني أذكر نشيجها ودعواتها بينما كان الطبيب والممرضتان يسلخون جلدي كأرنب عاجز وأنـا أعـوي كذئبة فقدت قطيعها كلّه دفعةً واحدة، فيرج عوائي المستشفى ويجمع فضول كل من في الممرات من زوّار. زوجي يمسد رأسي لأحتمل، يردّد: "هانت.. هانت" أما هي، أم نزار فكانت تنشج وتدعو: "الله يهونها عليكِ .. الله يفرجها عليك". هل كانت تدعو لي أم لها ؟ ربما هي دعوة من امرأة إلى امرأة. ربما هي دعوة من امرأة إلى كل نساء الأرض. فهل سيهونها الله ؟
خارطة فلسطين التي تُرسَمُ على خد المرأة البارزة في الغلاف، تبدو كضماد لجراح. وذلك الضماد يخفي قصة معاناة الأديبة أمل إسماعيل بعد الحادثة المؤسفة التي حلت بها. فما كانت من تلك المذكرات التي تكتبها إلا مواساة لنفسها وأن الوقت الذي لم تمر دقيقة ولا ثانية به إلا وحُمِّلَت بالألم، كل ذلك سيمضي. نكتشف مضيه خلف كواليس الصورة الجماعية لامرأة..
تبدأ المذكرات من لحظة الألم ، إعداد طبق فتة اللحم بطريقة فلسطينية على قدر الضغط. رأت الكاتبة أن القدر هادئ هذه المرة. تقترب أكثر فأكثر لتعرف سبب الهدوء الغريب. فكانت لحظة أشبه ببداية النور المعمي للأبصار بعد قنبلة نووية، انفجر قدر الضغط في وجه الكاتبة. وكانت تلك المذكرات تفيض كلماتها ها هنا إبتداءا من رحلة العلاج ومحاولة الأمل أن يتشبث بكل ما حمل من قوة بالأمل، مرورا بالتعافي التدريجي من آثار الآلام على الملامح. تراود تلك المذكرات مشاهد عدة، الأسيرة إسراء جعابيص إلهاما في الصورة الجماعية لامرأة، حادثة انفجار الوسادة الهوائية والتماس الكهربائي الذي نتج عن احتراق السيارة وهي فيها. أم نزار وحرائقها الواحدة تلو الأخرى التي شكلت تاريخا من العيش في المستشفى. اللوحة السريالية التي أعدتها الحروق في ملامح وجهها. المومياء التي لفت الروح قبل الجسد. انفكاك لفافات المومياء شيئا فشيئا. بدء التصالح مع الشمس، مرور أخضر للكرك والبلاليط إلى الحصن المنيع، تتبعه باقات الورد والكتب. يوم ميلاد بلا نكهة ميبو – ومن تجربة شخصية هزمت من تقزز رائحتها الأشبه بفستق أعد لحمية غذائية ، أقرب للعفن ! -. اللحظة الأولى لمسك المقود بعد نيل الضمادات من الملامح. مفاجأة الكدمات وآلامها. لتأتي في نهاية المطاف الحبيبة الشريرة أو الملاك الشرير، الحمى كما وصفتها الكاتبة في نص من نصوصها..
تذكرنا تلك الحادثة بمشاهد القضية الفلسطينية عبر التاريخ، لتذكّرنا أن الألم والأمل يلتقيان لتتشرف الحياة باستحقاقها في هذه الأرض. خاصة مع الأحداث المؤلمة في غزة ، حيث رفح، الرمق الأخير، يحترق، وكأن الحريق يمتد ليصل إلينا..
لابد أن الأمر استلزم شجاعة للخوض في ألم التجربة من جديد على سبيل تحريرها. موجع هذا الكتاب، ولكنه أيضا أمل بما يمكن للإصرار والصبر فعله لتخطي المصيبة، وتحويلها إلى قصة تنذكر ما تنعاد. حمدلله على السلامة، وشكرا لمشاركة قصتك.
جاءت الرواية لتحكي عن آلام الجسد من خلال تجربة التعرض لاحتراق مؤلم بعد انفجار قدر الضغط. مروراً بمراحل العلاج والأذى النفسي والجسدي، ودور العلاقات المهم أثناء المرور بالتجربة، انتهاءً بمراحل التشافي والانقلابات الروحية التي ترين على تجربة مثل هذه، قادرة أن تترك بصماتها على الحياة والكتابة. الرواية مكتوبة في سيرة المرض، وهو موضوع حميم وعميق يمس مناطق غائرة في النفس الإنسانية، ويجعل من المشاركة فيه جسراً للعبور والاتعاظ، وربما سبيلاً للتعافي من خلال الكتابة والقراءة أيضاً.
تعرفت على أمل في معرض الشارقة للكتاب ٢٠٢٤ وكانت أحلى صدفة في الحياة تبادلنا الملصقات والدمى المحشية والكثير من النميمة والضحكات كتابها رائع مثلها، قوية وصارخة بكل نعومة الكون ورقته