مسار. هو عصارة العصارة. هو تصفية المصفى. وخلاصة العسل. هو البذور والجذور. هو القديم والمستقبل. هو المشروع والمخطط له. السبب والدافع. هو عبدالفتاح كيليطو بجلاء ووضوح وبغموض أيضا. فكره وأدبه وسيرته وأسلوبه. حواراته منذ العام 1984 حتى إبريل 2014.
كنت أقرأ وأتوقف. أبحر وأغوص. أكتب وأفكر. أحلل وأربط وأستنتج. وأحك جبيني.
كنت أراقبني وأنا أتسع وأنمو. وهي حالة نادرة جدا لأن ناتج القراءة ليس آنيا أو لحظيا. إنه تراكمي وممتد. لكنه فعل الكتب النادرة والشخصيات الجميلة الفذة. فحضور الأستاذ المعلم والمحبب في نفس الوقت كفيل بإحداث الأثر اللحظي. إن حالة التلميذ تلك لم أعشها منذ أكثر من 20 سنة. لكني عشتها مع المعلم كيليطو.
كنت أراه وهو يتكلم مع محاوره. مستندا بكلتا يديه على منضدة خشبية قديمة عارية ينظر بتواضع في عينيه. وهو يقول : (معاناتي ولله الحمد عادية. ومسراتي أيضا ). إنه في خصام مع غرور وزيف الكتاب الذي نعرفه في كثيرين. على الرغم من منجزه المشهود له، به عالمياً.
بطيئا، وهادئا، يتكلم ويدخن. ويوضح. ويمد يديه أحياناً ليفر طرف كتاب موضوع أمامه إذا واجهه المحاور بسؤال استدعى خجله. وأحياناً يرد على الأسئلة متعجلا، وهو ضجر من محاوره أو غير شاعر بالراحة، ولا يكاد يبين، كما في حواره مع محمد لفتح المعنون ب(المعرفة لعبا ). وفي أخرى يطنب على غير عادته؛ يشرح ويقول كما في حواره مع جيمس غاش المعنون ب (المكتبة ). أو كما في حواره المعنون ب (تمجيد اللبس)
وأحياناً يتمشى (كما تخيلت المشهد)، يسبقه محاوريه بمسافة ربع قدم وهو متأخر بينهما، في أحد أروقة معهد أو كلية، كما في أغنى حواراته؛ حواره الأول بالإسبانية مع أحمد أرارو، وميغيل أ. موريرا. وأنا خلفهما، كما توهمت حضوري؛ أسمع وأدون. بحضور وجداني عال.
لم يفوتني وأنا أقرأ هذه الحوارات أن أستخلص أسماء الكتب والكتاب الذين تكلم عنهم كيليطو في حواراته. فضولا متي في معرفة مناهل الأستاذ ومنابعه. قراءاته ومصادره. دونت أغلبها في صفحات الكتاب الأولى: مقامات الحريري /المنفلوطي /لسان العرب لابن منظور /مغني اللبيب لإبن هشام /ابن قتيبة /ابن سلام الجمحي /الحيوان للجاحظ /الجرجاني /جاك لاكان /أبي نواس /المتنبي/ أبي العلاء المعري /صلاح عبدالصبور/ بدر شاكر السياب /نزار قباني / رواية آخر الموهيكان ل فينيمور كوبر / شعرية النثر و الأدب في خطر ل تزفيتان تودوروف /درجة الصفر في الكتابة / امرئ القيس / لامية العرب /مالارميه /فاليري / فرانز فانون /ابن رشد / خوان غونيبصولو /أحمد الصفريوي /بن جلون /برادة / عالم صغير جداً ل ديفيد لودج/ محمد أركون /الخلود ل ميلان كونديرا / بورخيس / دانتي /لثريو دي تورمس / لوكاتش / جول فيرن / أغوتا كريستي /فالير لاربو / الرسام بوسان/ طه حسين / المازني / فيكتور هوجو / موبي ديك ل ملفيل/ القصر ل كافكا / الجريمة والعقاب ل دستويفسكي / الجزيرة العجيبة ل جول فيرن / البحث عن الزمن المفقود ل بروست / موباسان / التربية العاطفية ل فلوبير / زازاي في الميترو ل ريمون كينو / سفر آخر الليل ل سيلين / صديق مدام ميغري ل جورج سيمنون / فرانسوا مورياك / موريس بلانشو / بيكيت /كونديرا / بودلير / إدغار آلان بو / بيريك / مائة عام من العزلة / رولان بارت / ألف ليلة وليلة / حرب النار ل جوزيف هنري روسني / الإخوة كارمازوف / جيرار جينيت / أندري ميكيل / لوسيت فالنسي / روث غروريشار / عبدالله العروي / فاوست ل غوته / نيتشه / يوزيف فان إيس / فولفهارت هاينريش / كلايسيت/ هاينه / هانس فلادا / غونتر غراس / توماس مان / روبرت موزيل / دوس باسوس / عوليس ل جيمس جويس / الهمذاني / أنطوان غالان / كالفينو /ابن خلدون / إدريس الشرايبي / عبدالمجيد بنجلون / الذاكرة الموشومة ل عبدالكبير الخطيبي / لعبة النسيان ل محمد برادة / البحتري / عبدالسلام بنعبد العالي/ عبدالكبير الشرقاوي /عبدالجليل ناظم / الخبر الحافي ل محمد شكري / أليس في بلاد العجائب / غيوم أبولينير / غريماس / كلود ليفي ستروس / إميل زولا / دون كيخوت / إدوارد سعيد / إلياس خوري / ابن المقفع /جمال الدين ابن الشيخ /الإسم الشخصي الجريح وعشق بلسانين ل عبدالكبير الخطيبي / محمد السجلماسي /التوحيدي /ابن العميد/ قصة لو هورلا ل موباسان / بوطو شتراوس/ الأوديسا/ الغريب ل ألبير كامو / التوهم للمحاسبي / منامات أبي سعيد الوهراني / نجيب محفوظ / فرويد / أحمد فارس الشدياق/ رفاعة الطهطاوي / الحي اللاتيني ل سهيل إدريس / توفيق الحكيم /زينب ل محمد حسين هيكل / سيوران / الشابي / فن الشعر ل أرسطو /صدام الحضارات ل هانتنغتون / يقظة فينيغان ل جيمس جويس / إدموند عمران المليح / ألبرتو مانغويل / قصص الانبياء للثعلبي /
إن تجربتي القرائية لكيليطو تجربة روحية أو إن شئت فقل صوفية. إنه ينقلني. وخفة روح الرجل حاضرة مع نصه وكلامه: فلا صعوبة برغم العمق. ولا ملل برغم التكرار. ولا استثقال لوقت القراءة وإن طال.
لن يتكرر في الزمن كيليطو آخر مرتين. وليعذرني القارئ، لقد بدوت مداحا، متغزلا. لكن هل يملك المحب غير الثناء والمدح والتغزل.