“قبل أعوام، نشرت الجارديان مقالًا بعنوان «مَن يحتاج اليوم إلى النقاد السينمائيين؟». يعترف الناقد روجر إيبرت أن النقد مهنة لا تقدم إجابات صحيحة، لأن الفيلم ليس مُشكلة تستوجب حلًّا، كما أن النقد لن يجعلك تُحب فيلمًا تكرهه، أو تكره فيلمًا امتلكك بسحره، لكنه ربما يجعلك تُحب وتكره للأسباب الصحيحة.
يحتفي الكتاب بكل ما يسقط من التقييمات الرقمية والعلامات النهائية، بالمُشاهدة الأكثر دقة، بعد سحر المشاهدة الأولى، ورتابة الإعادات، مشاهدة تلتقط جمالًا لم نلمحه أول مرة، تُقارب زاوية مهجورة، ربما لم نقف منها من قبل كي نُطل على المشهد، كتابة لن تقدم إجابة صحيحة ولكن ربما تهديك للأسباب التي جعلت فيلمًا ما يسكنك إلى الأبد.”
كتاب ممتع جدا يقدم نقد فني رفيع لمجموعة من أشهر أفلام السينما المصرية والعربية.. بطريقة تجعلك تتحمس جدا لمشاهدة الأفلام التي لم تشاهدها أو إعادة مشاهدة التي حضرتها بالفعل.. خمسة نقاد وكتاب،لكل واحد منهم طريقته المختلفة في النقد والتعبير، لكن الرابط القوي ما بينهم طريقة الكتابة المميزة والشغف الكبير بالأعمال التي تحدثوا عنها.. والرؤية الفريدة لأفلام تعاملنا معها باعتياديه شديدة.. من أكثر المقالات التي أعجبتني وقررت إعادة مشاهدة هذه الافلام بعد قراءتها : الحرب العالمية الثالثة بحب السيما ريش نحبك هادي اللمبي مندوب الليل فيلم ثقافي وداعا جوليا عرق البلح في بيتنا رجل الجنة الآن أحلي الأوقات إبراهيم الابيض الغول الكيف ميكرفون
أفلام غير مشاهدة بدقة.. نعم، لازلنا نحتاج إلى النقد
يكتب أحمد عزت عامر في مقدمة الكتاب المعنونة بـ "كل هذه الأفلام الفاتنة.. كل هؤلاء العشاق في الليل"، أن حركات النقد المختلفة في مصر وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة كان لها صدى واسع وتأثير قوي في عدد من الأفلام وصنّاعها، حيث يمكن لمقال لروجر إيبرت أن يبشّر بمخرج مثل سكورسيزي، أو مقال لبولين كايل ينقذ فيلم "بوني أند كلايد" من النسيان، أو دراسة من تروفو يمكنها أن تبرز قيمة مخرج مثل هيتشكوك اعتبره البعض مجرد مخرج لأفلام الرعب والخدع البصرية. لكن هل يمكن أن ينطبق ذلك على نقاد العصر الحالي؟
لماذا نحب النقد؟
منذ سنوات قليلة علمت أن موقع "إضاءات" سيتوقف عن نشر مقالاته. كان إضاءات حجر الزاوية في بداية هذا الكتاب، إذ اجتمع فيه النقاد أصحاب الكتاب (رحمة الحداد، أحمد عزت عامر، حسام السيد، حسام فهمي، محمد عوض)، وقرأت لهم جميعًا على صفحاته.
كنت أقرأ المقالات وقتها بمزيج من الإعجاب والغيرة الشديدة، أن مجموعة من النقاد في هذا الزمن، الذي يتيح للجميع إبداء آراءهم في كل شيء تقريبًا، يمكنهم أن يكونوا بهذه الجدية في تعاملهم مع الأفلام والكتابة، ويُقدمون على كتابة مقالات هي في حد ذاتها قطع أدبية جميلة توازي جمال الأفلام، حتى لو لم أتفق مع رؤيتها أو أفكارها عن الأفلام، لكنني كنت أعجب بأسلوبها وتفردها، وهو مكمن الغيرة والإعجاب في الوقت نفسه.
يقول أحمد عزت في مقدمة الكتاب المذكورة: "يريد ناقد اليون أن يستعيد ثقة القارئ في النقد، وأن يمنح هذا القارئ زاوية جديدة لمشاهدة الفيلم وربما لرؤية العالم. إن أجمل ما يمكن أن يحدث لناقد سينمائي هو أن يسمع أو يقرأ مثل هذا التعليق: "أرغب الآنفي مشاهدة الفيلم مرة ثانية بعد أن قرأت مقالك"". هذا بالضبط ما كنت أشعر به عند قراءتي لمقالاتهم على موقع إضاءات، أو كروم من بعده، أو في هذا الكتاب.
يقدّم الكتاب عشرة فصول مختلفة، تحت كل فصل ستة مقالات، خمسة تخص أفلام مختلفة لها تشترك في تيمة أو شكل سينمائي معين، أفلام عن التمرد أو الرحلة، أو تحمل بداخلها عنفنًا ماديًا ومعنويًا، أو يشتبك صانعها مع مدينته التي يسكنها وتسكنه، أو يصحو بطلها ذات يوم فيجد أنه تحول إلى حشرة عملاقة. ثم بعدها يكتب أحدهم مقالًا بعنوان "ميتا نقد" يقدم فيه خلاصة المقالات الخمسة، ويبرز أهمية الكتابة عن هذه الأفلام وربطها بفكرة الفصل وعنوانه. لكل ناقد منهم 12 مقالًا، موزعًا بين الفصول المختلفة. يمكن أن تجد أحد النقاد مختفيًا في أحد الفصول، حيث يكتب فقط مقال "الميتا نقد" ولا يشارك بمقال نقدي خاص بفيلم معين، ويمكن أن يظهر نفس الناقد في فصل آخر بمقالين مختلفين أو ثلاثة في بعض الحالات، بحسب فكرة الفصل وعنوانه. أرشيف ورقي في زمن الإنترنت
يكتب عزت أن فكرة الكتاب ظهرت بصفتها "محاولة لتجاوز الإحباط الناتج عن إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي"، وهو ما فكرت فيه بالفعل بعد الانتهاء من قراءة هذا الكتاب الممتع. أن هذه المقالات يمكن أن تبقى طويلًا، بعيدًا عن طبيعة الأرشيف على الإنترنت، الذي يبدو وكأنه أرشيفًا متماسكًا طويل العمر، لكنه في الحقيقة أرشيف يمكن هدمه بسرعة وبطرق عديدة، ويصبح كل ما كُتب عليه في يوم من الأيام هباءً منثورًا.
تأتي فكرة جمع المقالات في كتاب ورقي كفعل مقاومة للنسيان السريع الذي يتميز به الإنترنت، حيث الاستعادة لأي جزء من الكتاب ستكون أسهل. وهو أمر شديد الغرابة أقوله وأنا أكتب عن الكتاب منشورًا على الإنترنت يمكن محوه بسهولة إذا ما ذهب حسابي مع الريح -بكل أسف-، أو قررت في وقت ما إغلاقه -وهو أمر قابل للحدوث-. لذلك فالاحتفاظ بهذا الكتاب يمكن أن يصبح ضرورة في زمن تتطاير فيه البيانات كأوراق الشجر الساقطة في فصل الخريف.
لماذا نحتاج إلى النقد؟
اختار النقاد المذكورين في الكتاب خمسين فيلمًا ليكتبوا عنها. أغلبها أفلام مصرية وبعضها أفلام عربية ولم يختاروا أفلامًا أجنبية (ناطقة بلغة غير العربية)، وأغلبها بالفعل أفلام غير مشاهدة بدقة، لكن البعض المشاهد بدقة اختاروا له زاوية خاصة لم تتم قراءة الفيلم منها من قبل، مثل الصورة المختلفة للذكورية التي يقدمها فيلم إسكندرية ليه، أو تأملات في عنف فيلم "الغول" وربطها بالصداقة والعلاقات المتشابكة بين شخصيات الفيلم.
اسم الكتاب بالأساس هو ميتا إفيه، أو مشاغبة كما يصفها أحمد عزت، حيث اقترح الناقد محمد عوض تسميه الكتاب بهذا الاسم، كأنه مضاد لكتاب "أفلام مشاهدة بدقة" للناقدة مارلين فيب. وخلال الكتاب يمكنك أن تستشعر فكرة الإحالة إلى زمن آخر، أو أفكار نقاد آخرين عن الأفلام، مثل الناقدة لورا مالفي صاحبة فكرة "التحديقة النسائية" -وهو عنوان الفصل السادس من الكتاب-، أو أفكار بولين كايل أو غيرهما.
يبحر الكتاب في العديد من الأفكار واللغة السينمائية المختلفة للخمسين فيلم. بداية من أفلام الضحك والصورة المشوهة للواقع، وصولًا إلى أفلام تضع شخصياتها بين الحياة والموت، حرفيًا ومجازيًا في بعض الأحيان، حيث ينتهي الكتاب بفصل يتحدث عن الحياة نفسها، بلا أمل ولا تشاؤم، الحياة كمساحة بين تاريخ لا نعرفه، وفسحة من التأمل والاختبار، ثم موت ينتهي بعده كل شيء، وبين كل ذلك نتوقف قليلًا لرؤية الجمال في الأفلام والمقالات المكتوبة عنها. في أحد أجمل الاقتباسات التي اقتبسها أحمد عزت في مقدمة الكتاب، حيث يقول عزت عن الناقدة بولين كايل: "راحت تتخيل الأفلام عشاقًا، يأتون في الليل، في ظلام السينما حيث تعانق روحها هذه الأطياف. إن الكتابة عن السينما نوع من الوصال بين حبيبين؛ إذ يعيد كل منهما اكتشاف نفسه." ويضيف: "حين تشاهد فيلمًا فإنه يشاهدك أيضًا. إن الكتابة عن السينما هي ذريعة للوقوع في الحب مجددًا".
لذلك جاء إهداء الكتاب مشابهًا لإهداء رضوان الكاشف في فيلم الأول "ليه يا بنفسج؟" إلى كتاب الستينات والفرح بالكتابة. فأتي هذا الكتاب بإهداء أصحابه "إلى جيلنا من نقاد السينما. إلى الفرح بالكتابة، ومحبة السينما". وهو ما لمسته بالفعل خلال صفحات الكتاب التي تخط الـ 400 بقليل.
وكي أكون منصفًا بشكل كامل، فبكل صراحة لم تعجبني فكرة مقالات "ميتا نقد" في أغلب الفصول، وشعرت أنها تقدم لي ما انتهيت من قراءته بالفعل. وأكثر مقال "ميتا نقد" أعجبني هو المقال الأخير لحسام السيد الذي يربط بين مقالات الفصل الأخير وكتابات ديستويفسكي، الذي مُنح فرصة أخرى للحياة بعد أن كان على شفا الإعـــ*ـــدام. لكن هذا لم يقلل من قدر استمتاعي بالكتاب، بل يمكن أن أقول أنه أحد أمتع الكتب التي قراءتها حتى الآن، وقد يكون أمتع كتاب قراءته منذ مدة، ولا أظن أنني وفيته حقه إلى الآن.