ماذا لو كانت خطواتك أثقل منك، وذاكرتك عالما يتبدل دون إذنك والمرأة التي أمامك ترفض أن تعكس وجهك؟
هنا، الهشاشة الإنسانية هي البطل الحقيقي، والواقع ليس سوى طبقة رقيقة تخفي تحتها كوابيس اليقظة. في مدينة العيون المتلصصة، يصبحكل سر مشاعا إلا سر الروح. وفي صانع الشواهد»، ينقش الموت قبل الأوان، ليتحول الخوف إلى حقيقة. ومع ناي الأكتع الذي ينتظر أصابع الريح، تكتمل ألحان الفقد.
بين موظف يطارده كلبه الذي نفق، ورجل يحارب فوضى العالم بمكنسة، وآخر يكتشف أن جسده النحيل قد تلبسه شخص بدين أعرج. تتكشف حكايات عن العزلة والقلق الوجودي والبحث اليائس عن المعنى في عالم مشوه.
من هذه الشظايا السردية، يصنع جلال برجس فسيفساء مدهشة للذات البشرية، إنها دعوة شجاعة للتحديق في تلك المساحات الفارغة التي نخشى مواجهتها حيث يكمن أغرب ما فينا، وأصدقه.
_ اسم الكتاب : نحيلٌ يتلبسهُ بدينٌ أعرج _ اسم المؤلف : جلال بَرجس _ دار النشر : الشروق _ عدد الصفحات : 107 . . 📌 رأيي بالكتاب : "إلى جدتي سلمى .... تؤمن بأن الخيال هو الواقع " كتاب عبارة عن 12 قصة قصيرة وقصيرة جداً وكل قصة تحاكي مشكلة مجتمعية معينة. . . فمثلاً عيون متلصصة تحاكي مشكلة التجسس والتلصص على حياة الآخرين وكأن هذه العادة أصبحت جزء طبيعي من حياتنا. . . أما عادة سرية و ذبابة ونحيل يتلبسه بدين أعرج أعتقد أنها تدور في نفس الدائرة وهي الكتمان والضغط كل هذا يحبس في دواخلنا فؤثر علينا فقد نحتاج لمن يستمع لنا أو حتى نفرغ ما بداخلنا بكسر شيء ما أو الفضفة عن طريق الكتابة مثلاً . . وهناك بعض القصص الحزينة التي تتحدث عن الموت الفقدان أولاد الحرام وغيرها حتى القصة الأخير ليخبرنا أنه هناك " أمل" ضوء في نهاية الطريق. . . باختصار يبحث في داخل النفس البشرية من قلق وعزلة و وحدة واليأس. . . في الختام : كان كتاب صغير الحجم ولكنه ثقيل المحتوى إلا أن أسلوب جلال السلس يجعلك تنساب برفقة قلمه وأحرفه وكلماته فلا تشعر بها. . . 📌 تقييمي : 4.5/5 #نحيل_يتلبسه_بدين_أعرج #جلال_برجس #دار_الشروق #دار_الفينيق
في عصرٍ تتهافت فيه اللغة لتصبح سلعة مادية تبتعد عن العمق والإجابة، يأتينا جلال برجس كعادته بلغة دافئة تميلُ للهدوء الذكي، مقتنصة تفاصيل إنسانية دقيقة، تتمعّنُ في دهاليز الأسئلة الفلسفية والنفسية للطبيعة الإنسانية المعقدة. في ظل اضطرابات متقلّبة تهدّد الإنسان وتهيم به من عدّة أوجه وتقاطعات، يتفوّق جلال ببراعة في عمقه الخفي الذي يطرحه بلغة مفهومة لا تعقيد فيها، تترك القارئ في سرحان طويل، وأسئلة لا تنتهي. لا أقول إنّ الأسئلة لا تملك إجابات، لكنّها تولد إجابة مقتنصة، تستوحى من تأمل عميق، وتعاطف حقيقي. ظلّت القصص محتفظة بقالبها الحكائي، مع ابتكارات حقيقية تحسب لجلال كصوت مبدع متفرّد، فجاءت بتقنيات ذكية خلف الطرح والشخصية والمغزى. يندر أن تحمل القصة بعنصرها، معانٍ فلسفية عميقة، جلال ابتكر هذا بهدوء، وكأنه يتسلّل إلى الذهن دون صراخ، مستثمرا هذا الفن، في تثبيت مئات الأفكار تحت أسطر قليلة. نحيلٌ يتلبسة بدينٌ أعرج، إنها إحدى المجموعات التي لم تأتِ إلا لتخلد، فقد جاءت وليدة عصر يحتاج سماع صوته. اختبر عنوان المجموعة معنًى اشتملت عليه جميع القصص، علما أنه عنوان لقصة واحدة في المجموعة، لكنّنا نخرج باقتناص فكرة من مئات الأفكار التي تولدها هذه القصة، من كلّ قصة كتبت في المجموعة.
"إنهم من أبناء حي لا يُدارى فيه خبر" هكذا، يرينا استاذ جلال كيف يمكن لإنسان منهوش بالوحدة والفناء أن يرثي نفسه، في كتابات تتناثر لتصنع سيرته عبر فصول غير مرتبة. لكنها كقطع البازل المجتزئة -جميعها- لتكون صورة في قمة الشفافية لانعكاس مرآة يبصق على صاحبها المهموم. أجاد استاذ جلال تلخيص بطل يسعى للخلاص من صخب العالم، في أنموذج يتقاطع دومًا -أي على مدار المرويات- مع نظائر زاهدة للدنيا والسرد. ما بدوره خلق تجريبًا في الحكي الإطاري الجامع لمجمل المجموعة على أنها رواية سعت كثير من أبطال الحكايات المهزومة معنويًا لتأريخها، أو تحريرها أو البوح بها كأنات مبتورة داخل مونولجات اعتراف يتردد صداها في آذانهم فقط. أي أنها فسيفساء تتنصل من كونها تنتمي لذات الصورة المُجرِّدة لذاك البطل، فتخلق في أي ترتيب -تجريب- لوحة يراها الكفيف بسمو روحه ويصغي لها الأصم فقط إن بكم صخب العالم المحيط، مستيعنًا بصمت يعد مألوفًا له دومًا.