يُعد صوت الشاعر الهندي الأحمر آمبرتو أكابال تجسيد حقيقي لثقافة الكيتشي مايا بتقاليدها الشفاهية، ومعارفها الخاصة (تقويم المايا، النظام العددي، المرجعيات المكانية والزمانية، المعتقدات والأساطير، الأغاني والموسيقى). فالحكايات التي كانت ترويها الأم له في صغره، هي التي جعلته يتعلق – كما يقول – بفن القول، وهي التي غذّت خياله بالصور والإستعارات، التي ترى في الإنسان إبناً للطبيعة وجزءاً منها ... لهذا يتردد في قصائده صدى تلك الوحدة المتناغمة مع العالم، حيث يمنح الشاعر صوته للنهر والشلال، للطائر والنبع، للشجرة والنار؛ فيضفي عليا حضوراً معرفياً وإنفعالياً عبر لغة نضرة، شفافة، بعيدة كل البعد عن الحذلقة والتعقيد، تنجح على نحو باهر في منح القارىء الإحساس بتلاشي الحدود بين العالمين الداخلي والخارجي في لحظات تنوير شعري مدهش: "النار جاثية / تطفىءُ حزن الحطب / تنشدُهُ / غناءها الحماسيّ / الحطبُ متّقداً / يستمعُ بشغف / حتى ينسى / أنّه كان شجراً". إنها قصيدة صافية، تنفتح على جمال العالم وأسراره، وعلى آمال الإنسان وآلامه؛ هي دعوة للإستسلام لفتنة خاطفة تعبر عن نفسها عبر صور وإيقاعات يتردد صداها في أعماق اللآشعور، وتغوص في ذاكرة الحياة، الحياة التي عاشها الشاعر وسط هضاب غواتيمالا وفي أعالي جبالها الشاهقة مع أبناء شعبه، الذين هاجروا إلى المدن طمعاً في لقمة العيش فلم يجدوا إلا الظلم والإستغلال.
يضم الكتاب قصائد للشاعر أمبرتو أكابال تحت عنوان (طردت إسمك من بالي) نقلها إلى العربية (وليد السويركي) وقدم لها بمقدمة حول حياة الشاعر (أكابال) وتجربته الشعرية.
أتأملهما ، كأنما قد جاءتا إلى العالم قبل ولادتها مجعدتان خشنتان وقد باتا بعيدتين عن زمن التعب كم شاخوا يدا أمي ! *نمر عظيم بين ألمايا هذا الأمبرتو أكبال
بريٌّ أنا، عصيٌّ على الموسيقى التي لم تألفها أذني ثمّةَ غابة عذراء في رأسي فلا أسمعُ سوى غناء الطير وصرخة الحيوان ..... كثيراً ما نظرتُ إليكِ لكنكِ لم تلحظي ذلك بالطبع، كثيرون يرونكِ بعيون جميلة، بألوان أخرى، بنظرات أخرى، عيناي أنا من أرقٍ عينا طائر القرية عينان بلون الطين عينا هنديٍّ أحمر. بيننا،(هناك عند أهلي) تكفي نظرة نعم أو لا. لكن معكِ أنتِ تحترق عيناي لفرط ما نظرت إليكِ و...لا شيء هذا لا يحتمل، لن تفهميني أبداً.
رااائع هذه القصائد لا تنتهي احببت امبرتو اولا منذ اول صفحة حين خط الاهداء الى محمود درويش ثم احببته ثانية حين قرأت نصه النثري ( الغياب المستعاد ) ثم احببته عشرات المرات في عشرات القصائد امبرتو يكتب قصائده بلغته الأم الكيتشي مايا ثم يترجمها بنفسه الى الاسبانية يبتدئ الديوان بقصيدة: حين ولدت، قطروا دمعا في عيني كي يكون بصري بحجم آلام شعبي
العدالة لا تتحدث لغة الهنود الحمر العدالة لا تهبط حيث يسكن الفقراء العدالة لا تنتعل الأحذية التي ننتعلها نحن الهنود الحمر ولا تمشي حافية القدمين على دروب هذه الأرض. * لقد ضاق الدرب كثيراً، ضاق. ضاق و الآن.. يكاد لا يكفي لمرور تنهيدة * في الكنائسِ لا نسمعُ غير صلاة الأشجار وقد صارت مقاعد. * تعلّمتُ طعم الحياة كأيّ هنديٍّ فقير والنكهاتُ الأخرى تأتي فائضةً. * حين ولدتُ قطّروا دمعاً في عينيّ ليكون بصري بحجم آلام شعبي.
"العدالة لا تتحدث لغة الهنود الحمر العدالة لا تهبط حيث يسكن الفقراء العدالة لا تنتعل الأحذية التي ننتعلها نحن الهنود الحمر ولا تمشي حافية القدمين على دروب هذه الأرض"
مع اني لا اميل الى الشعر المترجم لأني عندي يقين ان المعاني تضيع حتما بالترجمة وان جمالية اللغة لا بد ان تختلف بشكل ما الى ان شعر امبرتو اكابال هذا الهندي الاحمر فيه من الصور الشعرية ما يجعل هذه الصور باقية مهما احتلفت الترجمة نصوص رائعة وغاية بالجمال
«نمرٌ عظيم بين المايا، وكبيرٌ بين كبار أميركا الناطقة بالإسبانيّة. إدواردو غاليانو، ماريو مونتفورتي توليدو، ماريو بينيدتي،كارلوس سوتومايور، غابريل غارسيا ماركيز، كلّ هؤلاء وآخرون غيرهم كتبوا عن هذا الشاعر المتفرّد، القادر على جعل حجر يصرخ». - شيما روبيو. «ينتمي أكابال إلى ذلك الطّراز من الشعراء البريّين، الذين لم تساهم المدن فـي هندسة أرواحهم، وانبجسوا للتّوّ من رحم أمّهم الطبيعة، بعيون مرفرفة، ورؤوس تلعب فيها الشمس. لم يخطّط أكابال كي يصبح شاعراً، المأساة استدعته واختطفت قلبه الصّغير لترمي به فـي مدار النّار». فخاخ كثيرة سنسقط فيها ونحن نقرأ أكابال، الذي يلجأ إلى التذكّر لا ليسرد علينا تاريخه الشخصي وتاريخ شعب الهنود الحمر فـي بلاده ، ولكن ليصبّ فـي أرواحنا مزيداً من الصّور المجنّحة الباذخة».