رواية رائعة للكاتب أحمد كفافي يعتمد فيها على تقنيات سردية جديدة، تتمثل فى لغة الشات الإليكترونية، مستخدما هذه التقنية بحرفية عالية، ومتقمصا حالة البوح الشاتى بدفقاته الشعورية ؛ فهادية تقول (أنا منهارة صوابعى مش مساعدانى أضغط على المفاتيح) ليصبح هذا البوح بديلا عن دور المذكرات المكتوبة. والحقيقة إن الكاتب قد أراد أن يطرح علينا واقعا افتراضيا بديلا عن واقعنا الحقيقى المرير (بيخفى وراه الانحلال والفوضى اللى وصلنا لها، العشوائية فى الاختيار بيحط حاجز بينا وبين الواقع المرير اللى بقى حقيقتنا) لكن هل نجحت التكنولوجيا فى توفير كل شىء حتى العاطفة؟ ربما!! أما رسالته فتكمن فى أنه إذا كان الاختيار الملائم له أهمية قصوى بغض النظر عن صوابه وخطئه، فلا بد من الاستعداد لدفع الفاتورة كاملة بعد الاختيار. استخدم الكاتب العامية فى سرده الشاتى، وكان موفقا جدا فى توظيف العامية المصرية بين المصريين، ثم فى مراعاته للعاميات الأخرى التى بدا لنا وكأنه يتقنها بلهجات متحدثيها (فلسطينية، شامية، عراقية وأحوازية، خليجية) ، أما ناتاشا الروسية فقد كان حديثها بالعامية المصرية إشارة إلى طول معاشرتها للمصريين الذين تظل لهجتهم بالنسبة للعرب كالإنجليزية بالنسبة للعالم. لم يفصح الكاتب عن مسرح أحداث الرواية، وإنما ستره خلف محادثات الشات الذى يفضل دائما إخفاء مكان المتحدثات الجريئات، لكننا نكتشف تدريجيا بعد طول المحادثات – وهذا طبيعي – أننا أمام دولة عربية خليجية، بعد أن أثار هذا الخفاء فضول هادى وفضولنا معه. ونلمح في الرواية مظهرا ملموسا يتجلى فى البوح الذاتي والتطهر بالاعتراف الذى صار غرضا أصيلا لجميع الأشخاص، وأصبح لكل منهم بوح بجرائمه التي يقوم بها بمنطق ورؤية وفلسفة خاصة، ولكن ما أسوأ تبرير الجرائم، فخلف كل فعل دنىء يكمن تبرير ما، الشيطان نفسه له رؤية وتبرير (خلقتنى من نار وخلقته من طين) ، ولذا فعروس رائد تموت فى أثناء زفافها إثر غارة صهيونية بمبرر ملاحقة رجال المقاومة، ونرى أن الكاتب قد أنطق جميع أشخاصه ببوح رائع يعبر عن شخصية البائح وعن همومه وآماله وانكساراته، فتحولت الرواية إلى بوح متتابع فى قسمها الأخير. وإذا كان الكاتب قد جعل الواقع الافتراضي بديلا عن واقعنا الحقيقى، فما ذلك إلا استشعارا للغربة الحقيقية التى جعلها محورا عاما لسرده (الغربة مش بالبلد أو بالناس المهم المشاعر اللي بتخلقها فى الناس ويولدها المكان) (تعتصرنا جميعا الغربة غربة عن الأوطان وغربة داخلها) ومن الغربة قول هادية (كل حياتنا بقت خدعة زى الشاشة) وينطلق الكاتب فى معالجات إنسانية واجتماعية عديدة: 1- فلسفة الشر ومحاربته: (كل الشرور فى العالم موجودة بنسبة واحدة، ما فيش رذائل ممكن تتمنع بشكل تلقائى، لازم يكون فى أمن أو عادات وتقاليد، ارفع الضوابط خفف وطاة التقاليد وانت ح تشوف عجايب، المسألة مش سببها الفقر وبس) 2- محنة المرأة: (محنة المرأة فى كل زمان ومكان خصوصا وهى وحيدة وشبه مجردة من أى محيط اجتماعي ممكن يخلق لها ضوابط، مش شرط يكونوا بائعات هوى، لكن أى عينة من الستات بس للأسف البعينة الأبرز هي اللى بيشتغلوا فى المهنة دى) ثم يعرج إلى الذكورية العالمية (يمكن ما عمريش قلت كده لحد لكن ح اقولها لك انت: اتمنيت أكون راجل) (بس مش ممكن المهانة حتوصل معاه لبيع الجسد بالشكل ده) الكاتب يحدثنا على لسان هادية عن عالمية اضطهاد المرأة، ويضع رؤاه برؤية عميقة حول الدعارة وفلسفتها، وعن الزواج المؤقت وزواج المتعة وزواج المنفعة، ثم أدرج كل ذلك تحت sex for money 3- ويقدم معالجة اجتماعية لاضطرار الفلسطينيين إلى الهجرة تحت ضغط الظروف الاجتماعية (ح يعمل ايه هو واللى زيه راهنوا على العروبة وخسروا الرهان) إنه يحملنا جميعا مسئولية ضياع فلسطين، او كما يقول على لسان رائد (المحنة اللي كانت يوم من الأيام قضية العرب ودلوقتي أصبحت قضية شوية فلسطينيين) ولاحظ المرارة فى تعبيره (شوية فلسطينيين) 4- ويقدم معالجات حول قضية التطبيع الشائكة (مش ممكن أبدا بعد قطيعة وحرب يحصل التطبيع ده بين يوم وليلة، أنا باعتقد إن فى الآخر ح يكون فى تطبيع وعداوة فى نفس الوقت لأن فى ناس كتير متمسكة بالدين وإسرائيل بالنسبة ليهم مساحة ملغومة، على النقيض منهم ناس تانية اتبنت مبادىء السوق الحر وما فيش عندها مانع تروح إسرائيل وغير إسرائيل مش ممكن ح نتفق على موضوع زى ده) وبالفعل سافر من سافر للعمل ليجد أباه قد سافر للعلاج!! 5- معالجات للأوضاع السياسية الراهنة فالخليج العربي لم يعد عربيا ولا فارسيا، وإنما (أصبح الخليج الأمريكي) 6- ثم يبعث برسائله حول لإصلاح الذى (يبدأ في كل مكان من أنصاف الحلول) هو يحدثنا عن الحل السياسي الذى تتغافل عنه السلطات الديكتاتورية المستبدة. 7- ثقافة الانفتاح: يشن الكاتب هجوما حادا على ثقافة الانفتاح، ويحملها كل المسئوليات الكارثية، فالفقر الذى كان نتيجة لسياسات الانفتاح هو سبب ما نحن فيه (الفقر والحرمان ممكن يخلقوا نوع من التبلد أو على النقيض نوع من الخوف خوف من اللى جاى) 8- ولا يفوته أن يناقش منطق رجال الأعمال البراجماتي (لما تكون رجل أعمال وعايز توصل لهدفك ممكن تستخدم كل ورقة فى ايدك مش عيب يعني) ويبدو لنا أن هادي قد تحول بمرور الوقت إلى رمز للمثالية والتسامي (انت مشكلتك إنك مخلص في زمن انتهى فيه الإخلاص وعلشان بتخلص من قلبك الغدر بيجرحك جامد) وهذا التسامى لا يقوده إلى شىء بعد أن أصبح مخْلِصا أو مخَلِّصا، لينتهي إلى حب حقيقي عبر الشات الاليكترونى الرحيب، حب ولكنه أون لاين. أما هادية فتتخذ قرارا صحيحا بسفرها لحبيبها فى العراق، هادية تمثل ضميرنا الذى يطاردنا ويدعونا أن نمد أيادينا لكل العرب، هادية تمثل ضميرنا العربي المرتجف الذى رأى انتهاك أمريكا للعراق ويرى انتهاك إسرائيل لغزة ولا يحرك ساكنا الرواية تفتح ملفاتنا العربية المغلقة، وتستثير ضمائرنا التي أرهقتها سياسات الانفتاح. -------------------------------