تبدو مهمّةُ القراءة اليوم مُعقّدةً في زَمن يُقوّي عُزلتَها، إذ يبدو وَضْعُ المعنى راهنًا كما لو أنّه يشتغلُ وينمو ضدّ ما ترومُ القراءةُ تحصينَهُ، أي تحصين العُمْق بصَوْن مجهول الأشياء وإدامَتِه. فصورةُ المتاهة، التي كثيرًا ما أغْرَتِ القرّاءَ الكبار في وَسْمِ المعنى وتسميَةٍ تملّصه وانفلاته، لم تَعُدْ وقْفًا على المعنى، بل صارت التفاهةُ هي أيضًا تُطالِبُ بحصّتها من المتاهة، بما يَضمنُ للبلاهة سراديبَ مُتشعّبة. أنْ يَغدوَ للتافه والسفيه والْمُبتذَل متاهاتُهُ في الحياة الحديثة، فذلك ما يُضاعِفُ مَسؤوليّةَ الفكر والقراءة والتأويل، من أجل صَوْن المجهول الذي يَشهدُ طمْسًا مُطّردًا.
الكتاب عبارة عن مجموعة من الفصول المتفرقة، يتناول في كل فصل فكرة مختلفة بطابع فلسفي وتأملي. يعتمد الكاتب على أمثلة من الروايات والأدب لتوضيح أفكاره، كما يستعين كثيرًا بفلسفة ابن عربي لمنحها عمقًا إضافيًا.
الملاحظة الأبرز على الكتاب كانت الإطالة المفرطة؛ إذ يميل الكاتب إلى إعادة الفكرة نفسها وصقلها على امتداد صفحات كثيرة، رغم أن بعضها كان يمكن أن يُقدَّم بصورة أكثر اختصارًا ووضوحًا في بضع صفحات فقط، من دون هذا التكرار المستمر للجمل والمعاني.
تميّزت بعض الفصول بقدرتها على إثارة التأمل فعلًا، خاصةً: النوم وبذرة الأزدواج والمضاعفة. الحياة بنصف وجه. الشهرة وسؤال القيمة. الحبّ في زمن الآلة. الذاكرة في زمن السرعة والصورة.