لم أكن رأيتهاعامين. التقاء عيوننا ذاب في خطوتين سرتها تجاه البائع. سحبت نظرتها، تبعتها نظرتي. بعدها سقطت اللحظة الصغيرة لالتقاء عينينا في السهو، كأن المفاجأة تراكمت عبر أميال من الثواني، وتشظت في اتجاهات عدة. تذكرت رؤيتها، بدت منسية تماماًًً خلال عامي غيابها. مع ذلك، لم أنتبه أني رأيتها ما إن تلاشت الارتطامة الخاطفة لعينينا. من كان يصدق أنه سيأتي يوم كهذا. كانت رؤيتها تعني تعطل قلبي واتلاف إدراكي للأشياء. أتذكر الأن دوامة مشاعري وهي تتكاثر بصورة سرطانية. عند التقاءاتنا أو مكالماتنا الهاتفية.
"متعنا الشخصية أحياناً تريد أن تتحول تاريخاً يعلن عن نفسه بطريقة ما" (ص 57)
"ثمة فاصل هش بين الوهم والحقيقة. وعندما تبلغ الأحلام ذروتها تتبدل العوالم" (ص 93)
"السعادة وهم أبدي مدفون في اللحظة" (ص 103)
"النسيان يأتي من عالم واقع قبل أن يجرفه حلم" (ص 105)
"لا يمكن العيش دون وهم. ذلك الإطار الهش والشفاف يحمينا من أكثر الآلام قسوة" (118)
"السماء تخلد للنوم ليتسنى لك البول في حديقة الملائكة" (ص 120)
"هل العالم أوجدته تحويرات كبيرة لرغبات بسيطة؛ العدالة: تحوير لرصاصة تخطئ الهدف, الأمل: تحوير لعيون تحدق ذاهلة في مؤخرة سيدة جميلة, الموت: إنسان يعجز عن التغوط, الحب: رغبة لإلقاء ذواتنا في فصل بلا نهاية" (ص 138)
"التاريخ ليس سوى مسارات يعاد تشكيلها بكذبات" (ص 140)
"تنتهي الكثير من قصص الحب المبكية ربما من لحظات فكاهة. الولع بالمأساة يغمر الشق المضحك, ربما يسد أكثر اللحظات مرحاً. لكن الشق المضحك أو الباكي, يعتمد بتفسيره على السائد" (ص 149)
"الماضي, هو ما نرنو إليه بعيون لا ترى, بشبق الحنين. وليس ما نتذكره تحت كماشة الموت المنتظر" (ص 197)
"يكبر الإنسان بمعنى ذكرياته تكبر وليس جسده" (ص 200)
"النسيان ليس ذاكرة بيضاء, بل هو جزء من منظومة الذاكرة, بفعلها الأكثر تجانساً" (ص 209)
"الحياة تتجمع على نهر لا نخطط للغرق فيه, ودون توقع يحدث ما يقلب حياتنا رأساً على عقب" (ص 212)
مشاهد من الرواية
"كانت أمه تتهكم دائماً على قدمه, الشبيهة بمثلث. تختزن ذاكرته تراكيب شخصية من ملامح القدم والوجه. لا يمكنه تذكر وجه شخص دون تذكر قدمه, أو العكس. والفتيات اللاتي التقى بهن في ظروف لم تسمح له مراقبة أقدامهن, لا يتذكر شكل وجوههن. أوحت له قدم سارة أن العري مسألة وقت. بدت له أجمل عزف منفرد أثناء الجنس" (ص 27)
"وصف مروان قدم خطيبته المولع بها, وكم هو خائب لعدم قدرته, كتابة قصيدة تتغزل بالقدم. كيف تعبر عن اللذة والألم والخوف, إنها لا تكذب. يمكن اكتشاف خيانة الزوجة من تعابير قدميها" (ص 169)
"شعر كثيف يغطي عانتها. من وقت لآخر تضع الحبوب بالقرب من مشفري البظر, حول التخوم الاستوائية لجسدها. كانت تفرج فخذيها حين تجيء الطيور لتلتقط الحبوب من حديقتها الإيروسية. لحظات تمنحها اللذة الوحيدة. وبعد دغدغة لذيذة في المحيط الملتهب, تترك الحبات تغوص قليلاً في حفرتها, تتبعها المناقير منقبة. كانت تضاجع الطيور, وبالتحديد مناقيرها" (ص 127) -- لمزيد من القراءات افتح مدونتي العربية ومدونتي الإنجليزية أدانه
التذكر والنسيان هل هما حشرتا الذاكرة؛ ادرك ان الاجابة لا مطلقة هنا او قد يكون لاحدهم اجابة مطلقة من حيث ايهم اكثر ضررا علي الذاكرة.
حشرات الذاكرة من الروايات التي تجعلك وان تقراءها تقف حائرا في تصنيفها او على الاقل كان ذلك بالنسبة لي؛ فمنذ بداية القراءة لصفحات الأولي للرواية تضعك في حيرة؛ ادركت ان الرواية هنا كانت احجية '' بازل'' مجموعة من القطع عليك ان تحاول ترتيب احداثها بحسب طريقة قراءتك للرواية؛ ولك في النهاية ان تصل لترتيب الذي تحب في ترتيب الراوية بين الزمان والمكان والواقع والخيال؛ لكن هذا لا يعني ان كل القطع كان لها مكان للوصول لأحجية الرواية فبعضها وضعت اعتقد لربطها برمزية العطر مثلا باسطورة الملكة بلقيس؛ وبعضها كتبت ليصل بها الكاتب لافكار هو يود ايصالها؛ كما ان هناك ما رايته لاعلاقة له بالسرد كتلك الحكاية للاميرة الرافضة لزواج ابن الملك..
ما يحسب للكاتب هو تماهية لسلوب السرد العالمي؛ ليصل بنا في هذة الرواية لاسلوب ومشهد مختلف في الرواية اليمنية؛ وعلي الرغم من مواضيع الرواية قد لايكون فيها جديد الا ان تناوله لها باسلوب مغاير جعل منها جديد؛ بالنسبة لي شدني طريقة سرد لقضية زواج الصغيرات والعقرب.. حاول الكتاب انتقاء الفاظه بعناية وتنويع طرق السرد هذا ايضا يحسب للكاتب؛ لكن في ذات الوقت افقده جزء من تلقائية السرد مما يجعل السير في السرد ياخذ منك وقتا لفهم بعضها والمغزى منها برغم صفحات الرواية القليلة..
جمال حسن هنا يظهر انه من الممكن ان يكون كاتب يمني مختلف؛ برائي هذا ما سيثبته اكثر في اعماله القادمة.
حشرات الذاكرة... رؤية مغايرة في المشهد السردي اليمني.
_________________________________________
تجترح رواية حشرات الذاكرة مكانًا منفردًا في خليط الروايات الكثيرة الصادرة في العام الماضي. ومن بين أكثر من عشرين رواية يمنية تقريبًا صادرة في العامين المنصرمين, تأخذ هذه الرواية طابعًا متجاوزًا للخصوصية اليمنية, متماهيًا مع النسق السردي العالمي. الأمر الذي لم تتح لي فرصة ملاحظته في بقية الإصدارات. لم يفد التراكم الكمي الحاصل في السنوات الماضية- برأيي- من خلال الإنتاج الروائي الكثيف, في خلق تغير نوعي للأسف. لم نستطع خلق مشهدية سردية يمكن الرجوع إليها. يمكن المحاججة بها. تظل الاجتهادات الشخصية هي سمة المشهد الثقافي. وفي "حشرات الذاكرة" الرواية التي جاهد الكاتب فيها لإظهار شخصيته المتجاوزة للحدود من خلال تمظهرات السرد الروائي العالمي في الكثير من المناطق والأفكار, يمكن أن نجد مثالًا جيدًا للاشتغال الروائي الذي يشابه ذلك الذي لدى الفرنسيين والأمريكيين. يمكن التعرف على كاتب يريد أن يكون تعبيرًا جديدًا للسرد المتجاوز للخصوصية اليمنية, لكن المحكم جدًا في مناطقه وحدوده.
حينما فكرت بكتابة شيء هنا قلت بأنه يلزمني الكثير من المعرفة لكي أقارب مثل هكذا رواية أولًا. ليس المعرفة وحدها, لكن الكثير من اليقظة والتروي. فإلى جانب كونها رواية يمنية جديرة بالقراءة والاحتفاء - وهذا وحدة يستدعي الامتنان بالطبع- فهي رواية حاذقة في تناولها لمواضيع كثيرة.
في قلب الرؤية "البورخيسية" للحلم والحقيقة, للعوالم التي يختلقها ويجعلها خاصته, شعرت بهذه الرواية. عوالم غريبة تسقط من الحلم وتُستدعى بأزمنة غريبة روائيًا. بأنساق ورؤى وشذرات متفرقة. هي مليئة بالواقع والفانتازيا والحياة. ارتطام نظرات ولد حيوات متباعدة ومتقاربة وبعيدة. بعيدة جدًا, وخاصة جدًا.
تأخذ الرواية طابع الشذرات والتجزيء للفعل الروائي. التقطيع السينمائي الفاتن الذي يكتمل عبر صورة كليّة. هي رواية حديثة قلت لنفسي. أنا الذي تجنيت على نفسي كثيرًا بقراءة الأعمال الكلاسيكية وأعمال القرن العشرين كحد أقصى. هناك جيل سردي يكتب بطريقة جديدة تتحايل على معظم الأنساق السردية ليشكل هيئة مميزة بذاته. ليست واقعية سحرية صرفة ولا فانتازيا ولا سريالية. خليط من كل هذا, خليط جديد. ربما يكون هذا الخليط قد تم تسميته نقديًا ولست أدري عنه شيئًا, لكنه يظل جديدًا بالنسبة لي.
يقول المفكر الفرنسي الرائد في القرن السادس عشر "مونتين" أن على أن الذات الإنسانية أن تتقبل عثراتها. وفي متن دعمه لفلسفة كهذه تطوع بنشاط يمكن لمن يمارسه أن يشعر بالمساواة مع كل البشر؛ ما عليه إلا أن يتذكر أنهم كلهم يتغوطون. تلك السيدة المتبجحة لكن الفاتنة التي لم تعره اهتمامًا, أو ظنت في نفسها أنه أبله. يكفي أن يتخيلها وهي تتغوط. يفكر فتحي بذلك كوسيلة للانقضاض على العالم. لا أدري هل هي وسيلة انتقام أم فعل صريح ومحايد لا يتطلب دوافع سيئة لفعله.
بالمناسبة, لا أدري إن كانت فلسفة مونتين في مقالاته عن تقبل الذات - والتي يفسح مجالًا فيها لوصف كل عضو من أعضاء جسده- منتجه أم لا؟
هل تؤرخ الرواية لجيل؟ سألني أحد الأصدقاء الأعزاء عن ذلك بخصوص هذه الرواية بالتحديد. وقعت في ارتباك الأسئلة السريعة كهذه. قلت له أن هناك أبعادًا يمكن ملاحظتها في شخصيات كالشيخ الهومبرتي, والجنرال الذي يحافظ على بدلته صباحًا نظيفة بينما يسمح لعاهرة أن تلبسها ليلًا وهي تمتطيه. هناك بعيدًا عن هؤلاء التفصيلين ما تجاوز التأريخ العادي ليذهب لرصد نفسية جيل عن المغامرات العاطفية. لارتطام الذاكرة وحشراتها.
هناك حشد معرفي بخصوص أشياء متفرقة في بنية الرواية. إحالات معرفية تنم عن اشتغالات اجتهد الروائي في تحصيلها.
" إن كان العلم هو معرفة الشيء مرة ثانية, فإن الجهل هو النسيان." يقول فرانسيس بيكون فيلسوف عصر النهضة ذلك في معرض تعليقه على نظرية أفلاطون بخصوص نظرية المعرفة وحدوث كل شيء لنا في عالم آخر. تذكرت ذلك وأنا في زوايا من الرواية تؤكد أن النسيان هو جزء أصيل من الذاكرة.الذاكرة بالمناسبة موضوع ثري في بنيته. يفسح المجال لحبكات كتلك التي في حشرات الذاكرة. طاقات تخييلية كبيرة تتجاذب الأفعال البشرية داخل الرواية. الأفعال البشرية المعاقة دون الذاكرة, إعاقات كبيرة تجعل الشخصيات تعيسة وهلامية.
اشتغالات الراوي على اللغة, وخصوصًا الشعرية ذكية وموظفة بشكل فعال في التدفق السردي للذكريات التي ترويها ابنة الشيخ.
"لم أكن رأيتها عامين." اقتضاب وإيجاز يجعل من افتتاحية الرواية حدثًا شعريًا مموسقًا يتمثل في خربشات مروان سعيد بخصوص لقائه بسميرة في محل العطر.
الرواية ليست مبنية على مسألة منفردة. أقصد أنها ليست مبنية على المسألة العاطفية والإيروسية. ولا على الجانب الفلسفي والسيكولوجي الخاص بالذاكرة والنسيان. هي قائمة على اشتغالات متداخلة وغريبة. ألغاز واحجيات قد يتبرع البعض ويقترح ذلك. والحقيقة أنني رغم ادعائي الوصول لمقاربة معينة للرواية ومواضيعها, إلا أنني أيضًا لم استطع فك كل الرمزيات المبعثرة ضمن نطاق بنية الرواية كالعطر مثلًا الذي يمثل محركًا من محركات السرد الرئيسي المتكرر الظهور. هناك نقاط غامضة مكتنفة في بنية السرد أيضًا, كحادثة الفندق مع يسرا وأحمد كمال. تبقى هناك أيضًا مسالة مهمة وهي المصادفات واللقاءات الغرائبية والفجائية إذا ما صح التعبير للشخصيات الروائية. في المجمل, تستلزم الرواية مجالًا أكبر للنقاش والمدارسة. وأرجو أن أجد ذلك قريبًا.
عندما بدأت قرأتها انتابتني تساؤلات كثيرة، أحسستُ بتشتت ودوار، اريدُ أن امسك الخيط لأكمل الرواية، هذا جعلني استعين بأصدقائي لقرائتها عسى بعد نقاشنا استطيع الغور فيها وتكوين رؤية اوضح.. في بدء الأسم كان مستفز بالنسبةِ لي نقيضين جُمعا، فـالذاكرة هي الماضي الجميل، الحاضر المنير، بطاقتنا الشخصية، هي أناتُنا ومن نكون، كيف يكون لها حشرات، مستفزة ومقززة!! ادركتُ أنها قد تكون كذلك للبعض..
من أول فصول الرواية أحسستُ بتشتتِ الأفكار، أُحاول جاهدة أن أتماشى مع الكاتب، أن أُكون فكرة عن ما يريد قولة، لكني فشلت...
تلاحقت الأحداث من فصل لآخر، وفي كل فصل أكاد أُمسك الخيط وينفلت مني في آخر الفصل، أستمتعُ معها حتى اكاد أصل إلى الذروة ولكن تضيع النشوة وأسقط في الهاوية..
لماذا أراد الكاتب جمع زمان الخيال والواقع، وهل بينهما رابط؟! بين عدة أشخاص متباعدين وأحداث متطايرة، في الخاتمة، جعلها "هي" بائعة الهوى مفتاح الرواية؟! تحدث عن الآلة، تاريخ اليمن، شرح تفاصيل أسطورة بلقيس، كلها لما!! لماذا هذه الاحداث؟!
كان هناك صراع نفسي واضح في داخل كل شخصية، تجعلك مأسور بها، تسقطها عليك أو في بعضها تتخيل أحد اصدقائك هو ذلك الشخص، ولكن هذه الحميمية في لحظة ما تتلاشى..
هذا النقيض في الإرتفاع حد الثمالة، ثم الإرتطام في الأرض والوقوع صريعًا، هذه حالتي عند قرائتي للرواية لأجل ذلك تقييمي لها 2.5
.. كنت عازمة على قراءة الرواية في ٢٠١٥... وأخيرا قرأتها، أحس مع كثير كتب أني ألقاها في الوقت المناسب لقرأتها... أعتقد لو قرأتها حينها ما كنت حشعر بيها مثل الان... في البداية أحب أحيي الكاتب على إسم الرواية.. حشرات الذاكرة، أحساس ينتقل إليك وأنت تسافر في ذكرياتك وتتسلقك الأفكار وتتأكل جوانب مخيلتك ورغبتك في الأمساك بها وتسربها منك ورغبتك بحكها وعدم وصولك إليها.. كل تلك المشاعر انتابتني وانا أحاول تتبع الأبطال في الرواية. في البداية صعب على تخطي الصفحات الأولى، أحسست أن السرد غير سلس لكن في مرحلة ما وجدت نفسي أقراء بنهم أكبر... أحببت الحديث عن الأساطير والالهة والملكة بلقيس... الأسماء والبخور والعطر والذاكرة... في لحظات كنت أشعر بصوت الذكر الكاتب وهو يصف الأنثى في الرواية وشعرت بقليل من الخيبة فكرة الرواية والمواضيع فيها جميلة ولكن السرد خذلني إلى حد ما في مواضع كثيرة في الاخير مازلت في حيرة في ربط أبطال الرواية والماضي والحاضر والواقع والذاكرة
الرواية تعتبر واحدة من الأعمال المميزة في الأدب اليمني، تتناول موضوعات علاقات الحب، زواج القاصرات، الجنس والسياسية والصراع الداخلي للشخصيات من خلال سرد معقد يمزج بين الواقع والخيال.
أسلوب جمال في الكتابة يتميز بالعمق والقدرة على استكشاف المشاعر الإنسانية بشكل دقيق.و أكثر مايشدك غرابة، حادثة الاختفاء من الغرفة المغلقة، لوهلة تظن أن كلا الشخصيتين جزءاً من الآخر. ثمة صراع داخلي يحدث بينهما. أحدهما خيال والآخر واقع، كانت شخصية مروان قادمة من الفنتازيا، فيما جاءت شخصية فتحي واقعية أكثر .
يتضح أن الرواية بإنتقالاتها التاريخية الدقيقة كتبت على مهل وهذا يعني أن الكاتب سعى لتقديم عمل جيد بأسلوب مختلف، لكن ما أرهقني هو استدعاء التركيز الكامل أثناء القراءة دونه كنت أتوه .
هناك أجزاء من الرواية تعتبر حشرات ضارة بالنسبة للأدب اليمني أو حتى العالمي ..باختصار لم تصلني رسالة هذه الرواية !! مع الإعتراف بأن دمج حكايات الأساطير والآلهة كان بطريقة جميلة ..