يمثل حي بن يقضان الانسان العاقل ذو الفطرة السليمة الذي يمتلك الرؤية الواضحة والقلب السليم الذي وجد الله بأستخدام العقل والقلب , وجد هذا الانسان نفسه في جزيرة منعزلة يسكنها مع الحيوانات والنباتات فقط , وحيدا فلا بشر غيره على هذه الجزيرة , قص هذه الحكاية اربعة فلاسفة وكل واحد منهم اضاف لمسته الخاصه اليها لتظهر بأربعة اشكال مختلفة ولكن الفكرة الاساسية فيها جميعا ظلت واحدة وهي سعي الانسان الى الكمال , ان لا يكتفي بالعالم المادي ويرتفع عن غريزة الحيوان فيه المتمثلة بالطعام والشراب و النوم والشهوات , بأختصار الكمال الذي كان يبحث عنه حي بن يقضان هو الله .
ابن سينا هو اول من ابدع هذه الحكاية وقد جعلها مختصرة بدون تفاصيل ربما وجدها زائدة ثم من بعده ابن طفيل الذي كتبها وعزز جانب العرفانية والتصوف فيها فكانت كخارطة طريق للقارئ الذي يبغي الوصول الى الكمال عن طريق العرفان والتصوف , ثم من بعدهم يكتب الحكاية السهروردي , ويضيف فيها ايات من القران الكريم ويستخدمها كمادة ادبية ايضا , فيعزز فيها الخطاب ويقويه , اخيرا يأتي ابن النفيس الذي يستنكر كيف ان حي بن يقضان قد وصل الى الكمال ( وهو الله ) دون الحاجة الى اي شريعة سماوية او الاقتداء بأي نبي فهذا حسب قوله خطر يفتح الباب على فكرة تكذيب النبيين او على الاقل القول بعدم الحاجة اليهم فيكتب ابن النفيس حكايته ويوضح الدور المهم الذي يلعبه الدين والانبياء في تيسير الطريق للانسان الباحث عن الله وتأطير الطريق كي لا يبقى الانسان ضائعا في صحراء الافكار الواسعة التي لا يمكنه فيها ان يصل لا الى الكمال ولا الى غيره لكثرة الافكار والنحل والملل فيضيع عمر الانسان في بحث لا طائل منه
السؤال الذي بقي ملازمني اثناء القراءة هو هل ان طريق العرفان يمكن ان يسع الجميع ؟ وهل من اختار ان يبقي على شيء من حواسه الدنيوية وشهواته لا يمكن ان يجد السبيل ؟ ابن طفيل يلمح الى هذا المعنى كثيرا رغم انه ينكره ( مكرها ربما ) على لسان بطله حي بن يقضان ويعترف ان اغلب الناس لا يرحبون بهذا الطريق بل لا يريدون ان يسمعوا شيء عنه ولا عن من يسلكه وهذا ما تلاحظه واقعا من تكفير وكره شديد للعارفين والمتصوفين واتهامهم بكل ناقصة .
اما ابن النفيس فلا يرجح السير في طريق لا يؤمن على سائريه بل يؤيد الاقتداء بحذافير الشرائع وكما نعرف فأن ما زهد فيه العارفين من امور الدنيا لم تحرمها الشرائع ابدا وهنا على الانسان ان يقرر اي طريق يسلك ليصل الى الله .