لا يمكنك أن تقرأ لدستوفسكي دون أن تصبح أكثر حساسية نحو الإنسانية ككل. صحيح أن روايات دستوفسكي تمتليء بتساؤلات عن الخير و الشر و لكنها تعرض شخصيات غير شريرة بالكامل أو غير خيّرة بالكامل, الطبيعة الواقعية للإنسان..حتى اولئك الذين يؤذون الآخرين من حولهم بإمكان الغوص في ملامح شخصياتهم أن يجعلك تشفق عليهم وتعذر لهم مواقفهم, كذلك الذين يمتلئون طيبة و حباً لا يتوانون عن الإعتراف بإمتلاكهم ميولاً للشر, و هذا ما يجعل روايات دستوفسكي ساحرة, أنهم يشبهوننا مع الكثير من الصراحة في التعبير عن الذات و دواخلها-لا أدري إن كان هذا من طبع الروس أو متعمداً من الكاتب- إنك تجد في محادثات الرواية تقلبات إنسانية متعددة, هدوء و اضطراب و هيجان و بكاء و سكينة و مفاجآت, الرواية تمتليء بالمفاجآت و الفضائح و ما لا تتوقع حدوثه يتزامن مع توتر نفسي للشخصيات الشاهدة على الفضيحة, يبدو لنا المجتمع الروسي محافظاً و هو يتشبت بمفاهيم الشرف و العار و الأخلاقيات الإجتماعية و استنكاره للتصرفات الخارجة عن الأدب و النبل كما أنه في ذات الوقت لا يخلو من النوايا السيئة و الأفعال المؤذية.
رواية متكاملة مليئة بالشخصيات المختلفة و الوصف الدقيق لأطباعها و حضور للأطفال و العجائز و الشيوخ و المرأة المتقلبة و المسيحي المثالي و الملحد و المريض و الفقير و الثري و تشابك حميمي فيما بينهم كقرية صغيرة تحتويهم.
ما لم أفهمه هو شخصية الرواي, يتحدث الراوي منذ البداية كما لو أنه يحكي قصة قديمة كان له إطلاع عليها و نحن-القراء- غائبون, تارة يصف المدينة في الرواية ب"مدينتنا" كما لو أنه عاش في داخلها و تارة أخرى يعتذر عن اضطراره لقطع الحديث عن بعض الخدم حتى حين آخر حيث بإمكان قصة الخدم "أن تعرض من تلقاء نفسها فرصة الكلام مرة أخرى" و هنا يبرز الكاتب ذاته الذي تطرأ له خيالات روايته في أثناء الكتابة! غير أن طريقة سرده كما لو أنه رواي حكاية حقيقية تعطي تشويقاً جذاباً يحض على استمرار القراءة.
ما لاحظته في روايات دستوفسكي هو وجود شخصية نسائية تدور حولها شخصيات أخرى منجذبين إليها و مثيرة للجدل, مليئة بالاضطراب العاطفي و تعاني من تشوش في اتخاد القرارات العاطفية, هذه الشخصية لا يمكنك معرفة من هو الرجل الذي تحبه و لا أحد آخر في القصة بإمكانها الجزم و لا يبدو أنها صادقة في مشاعرها, أهي متلاعبة؟ أم مرتبكة؟ بريئة أم تحيك مكيدة ما؟ لا أحد يعلم!
إن كان معاصري دستوفسكي لم يصفوه بالعبقري حتى قراءتهم للاخوة كارمازوف فأعتقد أنهم قد اجحفوا في حقه, دستوفسكي لا يملك فقط عبقرية ربانية ما وقدرة على إمتصاص و استيعاب عقلية المجتمع من حوله و فهم دواخلهم دون أحكام -و هذا بحد ذاته ميزة عظمى- و لكن قدرته على جمع هذه الشخصيات و تحويلها إلى رواية شيقة تحمل معاني إنسانية سامية و تحلل دون أن تجزم سلوكيات البشر و أفكارهم الوجودية و تعبيراتهم العفوية و أن تكون شخصياته المتخيلة قريبة جدا من الإنسان الواقعي بكل اضطرابه و ألغازه هو ما يجعل دستوفسكي أقرب إلى إله الأدب الذي يملك العلم الكامل به و القدرة الخارقة في التمكن منه, حتى أنني لا أدري كيف يجرؤ أي كاتب آخر على ادعاء كتابة الأدب بعد دستوفسكي.
ملاحظة: رغم أن الرواية مترجمة عن الترجمة الفرنسية إلا أن سامي الدروبي قد قدم مجهوداً كبيراً في صياغة الكلمات التي كونت هذه اللغة الجميلة للقراء العرب, له كل التقدير.