يهدف هذا الكتاب إلى سبر «اليابان اليومية»، المهملة، وأناسها العاديين. والفكرة هنا هي التقاطُ نكهة الناس من غيرِ طبقةِ «النخبة»، ومحاولة إعادة تصوير الحياة العادية لليابانيين العاديين. من خلال ذلك، يطمح إلى تقصي أفعالَ الناس في حيواتهم اليومية الطبيعية. كيف بدت حياتهم؟ وكيف كانوا يعيشون؟ وماذا كانوا يأكلون؟ وما هي الأدوات التي استخدموها؟ ما هو «الطبيعي» و«العادي» بالنسبة لهم؟ إننا نملكُ، عادةً، فكرةً أفضلَ (رغم أنها ليست كاملة) عن سلوك طبقة النخبة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، من خلال الوثائق الحكومية، والرسائل والمذكّرات الشّخصية، المتوافرة. وتؤلف الطبقات الدنيا، كما تحدّدها أدبيات الكونفوشيوسية الجديدة، وتتبنّاها رسمياً السلطة الحاكمة، خمسةً وتسعين بالمئة من عدد السكان، مع ذلك، نعرف النزر اليسير عن حياة الفلاحين، والحرفيين، والتجّار الصغار، باستثناء ما تقوله طبقة النخبة عنهم. فغاية هذا الكتاب هي إعطاءُ صوت للرّجل والمرأة العاديين في اليابان، خلال القرن الثامن عشر.
مايلفت الانتباه في هذا الكتاب هو أن مفهوم الطبقية لديهم مرتبط بالحالة المعيشية ونوع الوظيفة وهو قدر لا يمكن الفرار منه في أغلب الأوقات ، فالتاجر والذي يعتبر في منزلة عالية عند العرب، في اليابان الأمر مختلف، فهو يعتبر في أقل المنازل حتى من الفلاح، لأنه يعتبر كائن غير منتج ، ويعيش على مبدأ وساطة لا أكثر ولا أقل، ويتم استغلال الفلاح أكثر من التاجر من ناحية الضرائب وغيرها من القوانين التي تلزمه بعدم مغادرة مدينته . وعلى كثر مايتم ربط الساموراي بعالم اليابان كفئة لها عاداتها الخاصة والتصوير اللامع لهم، فما رأيته في هذا الكتاب إلا أنهم كائنات طفيلية تأخذ الأموال ولها امتيازاتها الاجتماعية دون أثر انتاجي حقيقي مشاهد .
لم أعط الكتاب 5 نجوم لأنه أكثر الكتب إثارة أو قيمة فكرية. بل لأنه يقوم بما يقوم به على أكمل وجه... نقل صورة حياة اليابانيين في القرن الثامن عشر. بعيداً بشكل كبير عن الحياة السياسية في تلك الفترة. باستثناء مقدمة بسيطة عنها. أفكار كثيرة وغريبة في كوكب اليابان. تعرفت على كثير من مبادئ الكنفوشوسية الجديدة، وطبيعة الاقتصاد الياباني، ولماذا ابتكر اليابانيون تحديد النسل حتى أصبح يعاب على المرء كثرة أولاده.
وأثارتني فكرة احتقار المجتمع للتجار وكيف أنهم أرذل طبقات المجتمع. ومالفلسفة الكنفوشوسية التي تسببت بذلك (الكنفوشوسية الجديدة كانت لخدمة النظام الإقطاعي بشكل كبير) ، وكذلك كيف أصبح (السماد البشري) ثالث سلعة حجماً في اليابان بعد الأرز والقطن وكيف أنقذت هذه السلعة اليابان من الأمراض التي كانت منتشرة في أوروبا ذلك الوقت
أيضاً لم أكن أعلم أن اليابان كانت منغلقة بشكل كبير بقرار سياسي سببه الأساسي الخوف من نخر المسيحية عظام البلاد والذي بدأ ربما في القرن السادس عشر. لكن قبل القرن الثامن عشر أغلقت باكوفو كل شيء باستثناءات قليلة مذكورة في الكتاب، حتى أن التجار كانوا يبدون احتجاجهم السلمي حول غلق التجارة الخارجية بعيد خاص يتذكرون فيه أمجاد رحلات الماضي.
أيضاً يبدو أن اليابنيين شعب طبقي بامتياز حيث كان كل شيء يدعم طبقيتهم، النظام الإقطاعي، حكومة اليابان، دينهم الكنفوشوسي الطبقي، بل حتى لغتهم (والتي هي بالطبع نتاج طبقيتهم أصلاً ولكنها أسهمت في الحفاظ على تلك الطبقية) التي كانت تمنع الطبقات الدنيا أن تلبس لباس الطبقات العليا (وهل يعقل أن يسمح للتجار الطفيليات القذرة أن يلبسوا لباس الساموراي المحاربين؟) الجدير بالذكر هنا أن الساموراي كانوا أعلى طبقات المجتمع من عامة الشعب كونهم المحاربين، إلا أن أدوارهم القتالية كانت محدودة كونها كانت فترة سلام بالنسبة لليابان (والتي بدأت بتوحيد أودا نوبوناغا لليابان) لكن بقي الساموراي لديهم مهمات إدارية وأخلاقية الطبقية اليابانية كانت جزء لا يتجزأ من اللغة كما أننا نقول كلمات (أو لواحق) مختلفة للذكر وللأنثى بالعربي فهم لديهم كلمات مختلفة لمخاطبة طبقات مختلفة. بالطبع كونها بالنسبة لي كقرقعة الطناجر فلم أحفظ أياً منها.
فكرة استوقفتني، هو كيف أن اليابان كان منتشر عندهم البغاء بشكل يثير الاشمئزاز، حتى الشذوذ الجنسي، لدرجة أن الأوربيين لديهم مقولات من التقزز من اليابانيين. الموضوع غريب هنا (وككثير من الأمور في اليابان، ليس لها مثيل) ليس لانتشار مثل هذه الأمور، بل لانتشارها في مجتمع أخلاقي بامتياز، فكل حياة اليابانيين بل حتى حكومتهم تستمد أحكامها وطرق تقييمها للأمور من الكنفوشوسية الجديدة، التي حرمت حتى أكل اللحم وكان اليابانييون فعلاً يعطفون على الحيوانات ولا يأكلون لحومها (باستثناء الأسماك لسبب ما) وفي مجتمعات كهذه عادة فإن البغاء واللهو الجنسي يكون محرماً لكن الكنفوشوسية لم تكن تحرم الجنس وكانت تعتبره أمراً طبيعياً جداً.
في معظم المجتمعات البدائية يتم تجريم الجنس خارج إطار الزواج كونه يسبب مشاكل كبيرة جداً، لكن يبدو أن الجواب بالنسبة للكنفوشوسية هو تحليل الوأد بدلاً من تحريم الجنس! كان الوأد أو قتل المواليد حال ولادتهم منتشراً جداً. وبما أن تحديد النسل كان ضرورة مجتمعية أخلاقية (نشأت من حاجات تنظيمية إقطاعية بالطبع) فإن الوأد أصبح حلالاً وربما هذا ما جعل الكنفوشوسية تتطور باتجاه تحليل الجنس إذ لم يكن ضرره كبيراً
بالطبع المجتمع الياباني بمجمله مجتمع محافظ وكانت المومسات غالباً بنات عائلات معروفة، ولكن لشدة الفقر، كان الخيار الأخير للعائلة (بعد بيع كل شيء) هو تقديم بنتهم للعمل كمومس أو خليلة (والخليلة أو الجيشا فقط فتاة خدمة واستعراض غالباً ولا تجبر على إقامة علاقات مع الرجال) وكانت العائلة تصلي لها ويعتبرونها ضحت بجسدها كي تنقذ عائلتها من الفقر كما أن الغالبية العظمى من المجتمع كانت تتزوج وتهتم بالعائلة وشرفها بل ويسعون جاهدين للعمل وتحصيل المال كي لا يؤول بهم المطاف لمثل هذا العار.
فكرة غريبة أخرى في اليابان هو العائلات، وكيف يمكن التبني بأعمار متقدمة (14 مثلا حتى يتعلم ويمسك المتبنى تجارة العائلة في حال توفى رب الأسرة) لذلك كان من الطبيعي أن يكون لرب الأسرة ولد ولكنه كي يضمن بقاء التجارة لأسرته قائمة كان يعلم ابن عائلة أخرى ومن ثم يصبح جزءاً من العائلة (وكذلك عريس ابنة العائلة ممكن أن يصبح جزءاً من العائلة إن عاش معها) وعندما يكبر الابن الصغيرينتقل بدوره إلى عائلة أخرى عندما يصبح عمره 14 وبذلك يرث التجارة ابناً بدون أي رابطة دم. وقد كان مفهوم العائلة هكذا باليابان يمكن الخروج والدخول فيها ويمكن أن يطرد شخص من العائلة.
أما عن دور النساء فكان دورهن كبير من حيث العمل سواء في المحلات التجارية (والتي عادة تكون جزءاً من بيوت التجار) أو في الحقول إلى جانب الرجال. بالرغم أن المجتمع الياباني يتوقع المرأة زوجة مطيعة وفية ومخلصة، إلا أنها كانت تحصل على ما تريد باستخدام أساليبها الأنثوية. فكانت "تقنع" الرجل بتسيير المحل كما تشاء وإن كان هو في الواجهة. وربما لم تتمكن المرأة اليابانية من الدخول في مهمات سياسية نتيجة عدم تعلم النساء حتى في الطبقات المتعلمة مثل الساموراي. لست متأكداً
---------------- قلة من الفصول كانت مملة ويمكن تصفحها بشكل سريع، كتلك التي تحدثت عن اللباس مثلاً، بقليل من الصور لم يكن الشرح النصي مفيداً جداً إذ يصعب تخيل الأزياء ويكون شرحها مملاً وليس بين الأفكار ترابط كبير.
الكتاب ممتاز والمترجم ممتاز وهناك الكثير من الخبايا والأمور التي أفادت أفكاري في موضوعات مختلفة لها علاقة بالعادات والثقافة والتي حالياً كثيراً ما تشغلني.
كتاب تاريخي جميل يتحدث عن اليابان في القرون التي شهدت حكم حكومة باكوفو ( الحكومة العسكرية الإقطاعية ) يتحدث عن عادات وطباع الشعب الياباني وطبقاتهم وطرق حياتهم وقد ركز الكتاب في تناول الطبقة الفقيرة والمتوسطة طبقة الفلاحين والتجار والعمال ولم يركز كثيرا في الطبقة الحاكمة . لمن يحب تتبع عادات الشعب الياباني سيشاهد جذور تلك العادات والأسباب التي جعلت من الشعب الياباني شعب مميز وجدي وناجح هي الظروف والعادات التي اعتاد عليها اليابانيين في تلك القرون .