لا شك أن الاسم الذي أطلق على هذه الدراسة «استثمار النص الشرعي بين الظاهرية والمتقصدة» يكشف في ذاته عن الغرض المقصود منها : وهو التطلع بجدية ووعي إلى التعرف المبصر على مناهج علمائنا رحمهم الله في استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، وما لهذه المناهج من فائدة عظمى وأثر بارز في تفهم مراد الله تعالى من تلك النصوص.
تأتي هذه الأطروحة من مركز نماء للبحوث والدراسات والتي يسعى من خلالها المؤلف لاستجلاء مناهج العلماء في معالجة القضايا الفقهية المعاصرة، وللمساهمة في إثراء فقه النوازل عامة، وذلك من خلال تلمس المعالم المنهجية لكل مدرسة من المدارس الفقهية المعاصرة في قراءة النص الديني، وتسليط الضوء على مفهومي «النص» و«الاجتهاد»، وذلك من خلال شرح علاقة بعضهما ببعض، وبيان انقسامات كل منهما من حيث اعتبار الآخر.
هذا وقد کشف البحث عن جملة من المناهج المتبعة في استثمار النصوص الشرعية، ابتداء بالمنهج الظاهري الحرفي، ومرورا بالمنهج التعطيلي، وانتهاء بالمنهج الجَمعي الوسطي .كما أظهر البحث أن مبررات دعاة استقلال المقاصد عن الأدلة ضعيفة ومرجوحة، وهي محمولة على ما وقع فيه أصحابها من تعسف في الفهم وسوء استخدام التعليقات، والاكتفاء بالنظرة الأحادية التجزيئية لمنظومة التشريع . فبالرغم من أن المقاصد الشرعية كانت هي الإطار العام والمسلك الشمولي لبيان أحكام تلك المشكلات والنوازل، إلا أنها لم تكن لتبرر القول باستقلالها عن النصوص والأدلة الشرعية، أو لجعلها مصدرا يضاهي الوحي الكريم، وكل ما في الأمر أن المقاصد التي تحددت في ضوئها أحكام تلك المشكلات إنما هي معان ومدلولات شرعية مستخلصة من الأدلة والنصوص والقرائن الشرعية الدينية.
كما قرر البحث أن كل من المنهج اللغوي المحض، والمنهج العقلي المحض، لا يتفقان مع طبيعة التشريع؛ ذلك أن نفي المقاصد أو إغفالها يؤدي إلى هيمنة النظر الجزئي، وإلى الجمود والحرفية مما يؤثر سلبا على حركة الاجتهاد و ظهور الشريعة بمظهر القانون الميت. الوان الجمع بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية هو المنهج السليم الفقه المقاصد والمعبر عن صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، كما لاحظ البحث أن التنسيق بين النصوص والمقاصد أصل لاحظه الشارع، والتزمه الصحابة بعد النبي ، وظهر جليا في اجتهاداتهم وفنا و بهم، كما كان مستحضرا لدى عموم المجتهدين وأغلب الفقهاء المجددین .كما استخلص البحث مجموعة من الضوابط والمعالم التي ينبغي أن يلتزم بها أثناء تفسير النصوص الشرعية ، وإلا آل الأمر إلى تحميل النصوص ما لا تحتمل ، وخرج إعمال المقاصد عن مقاصده ، وأفضى كل ذلك إلى اتجاه تفویلي بتقول على النصوص ويسرف في تأويلها. أن منهج الجمع بين النصوص والمقاصد ضروروي وذو أهمية كبيرة بالنسبة للفقيه المجتهد الفهم النصوص واستنباط الأحكام الشرعية للمسائل النازلة .
أكد البحث على أن منهج الجمع بين النصوص والمقاصد أمر ملحوظ في المنظومة التشريعية، وهو من المعطيات المهمة والضرورية في الاجتهاد والاستنباط، إذ يمكن أن تعتبره إطارا شاملا ومرجعا هاما لتأطير الظواهر والحوادث المعاصرة.
من أهم ما رصده البحث أن المزاوجة بين النصوص والمقاصد لا تعني التسوية بينهما دوما ، فقد تطغى استعمال النصوص لا سيما في الثوابت والقطعيات، حتى ينعدم استعمال المقاصد؛ لأن طابع الثبات فيها هو نفسه المقصد المعتبر، وفي المقابل يكثر استعمال المقاصد في المجالات الظنية الاحتمالية، والوسائل المتغيرة، ومالا نص ولا إجماع فيه. كما يرى البحث أن الاعتماد على منهج الجمع بين النصوص والمقاصد له تطبيقات كثيرة في دراسة القضايا الفقهية المعاصرة .